مقاربة نقدية للنص السردي “ذكريات على ضفاف نهر الأمستل” للأديبة نجاة تقني – محمد مهداوي

كثيرة هي الأسئلة التي تطرح نفسها على القارئ المتمحص وهو يتصفح النص السردي “ذكريات على ضفاف نهر الأمستل”، وهي أسئلة مشروعة ومنطقية، الهدف منها خلق تصنيف ملائم لهذا النص السردي.
هل هذا النص السردي، الذي نحن بصدد معالجته، يدخل ضمن فن القصة، القصة الطويلة أو يتعداها ليلج عالم الرواية القصيرة؟
لكي نكون قريبين من معرفة المفاهيم وتدقيقها بشكل علمي، يجب الوقوف على هذه الأصناف الثلاثة بشكل دقيق، لمعرفة ماهيتها وحمولاتها، والخروج باستخلاص إيجابي بين وواضح نستند عليه:
خصوصيات القصة:
من خصوصيات القصة عند أغلب الدارسين: التكثيف، النأي عن التفاصيل، بساطة الحدث، الحجم المتوسط، نوعية خاصة من الأبطال، وصف موجز، حبكة واحدة، يمكن قراءتها دفعة واحدة، وقد يصل عدد صفحاتها إلى المائة 100، قد تربو أو تنقص عن هذا العدد بقليل…
خصوصية الرواية:
أما الرواية فقد تتميز بالطول والتوسع والاطناب في الحكي أو الوصف أو المتخيل. تتناول الرواية عدة حبكات فرعية علاوة على الحبكة الرئيسة وقد تتعدى صفحاتها 50.000 كلمة كما تتميز الرواية بتعدد الأحداث، وقد تقسم إلى فصول، عدد غير محدد من الشخصيات الرئيسية والثانوية…
الرواية القصيرة:
لقد حدد الدكتور أبوالمعاطي خيري الرمادي في كتابه “الرواية المصرية القصيرة في الربع الأخير من القرن العشرين” قواعد الرواية القصيرة بكونها: ذات “حجم متوسط، إستهلال ذو طبيعة خاصة، لغة مكثفة. ازدواجية الدلالة، نوعية خاصة من الأبطال، حدث مركزي واحد، وجهة نظر خاصة للواقع، وصف موجز، مكان وزمان لهما طبيعة خاصة، ملمح السخرية، إثارة الأسئلة”.
يضيف الناقد السوري بأنه “من المتعارف عليه بين النقاد والدارسين عن الرواية القصيرة، أنها هي التي تغلب عليها تقنية الرواية، بلا تقاصيل دقيقة زائدة، مما يجعلها سريعة الإيقاع. وفي الوقت نفسه فيها تقنية القصة الطويلة، واشتملت على خصائصها أيضا”.
تصنيف العمل السردي “ذكريات عبى ضفاف نهر الأمستل” لقاصتنا نجاة تقني:
يحدد الأنباري حجم الرواية القصيرة بقوله “هو الذي لا يمكن النظر إليه على أنه حجم لقصة قصيرة، ولا يمكن النظر إليه على أنه حجم لرواية طويلة”.
من خلال هذا التعريف والمحددات ومن خلال قراءتي المتواضعة، يحق لي تصنيف النصوص السردية “ذكريات على ضفاف نهر الأمستل” لقاصتنا نجاة تقني ضمن الرواية القصيرة، التي برع فيها الإيطاليون novella وأطلقوا عليها: short novel واشتق اسمها من الكلمة الإيطالية نوبيلا وتعني الجديد، يقول أحد الباحثين “الرواية القصيرة وأقصر من الرواية وتتراوح صفحاتها من 50 – 100 صفحة”، وظهرت في إيطاليا أول مرة في منتصف القرن الثامن عشر. وبعد قرون انتشرت في العالم الرواية القصيرة، فازدهرت خاصة في ألمانيا وعرفت باسم نوفيلي، ومن الكتّاب الألمان الذين برعوا في الرواية القصيرة انتي فريت – كارل سبيتلر- كافاكا – هوبفامن – توماس مان. ومن الروايات التي تم تصنيفها كروايات قصيرة يمكننا الاستدلال بالنماذج التالية:
– التحولات لكافاكا
– مزرعة الحيوان لجورج أورويل
– قلب الظلام لكونراد
– الشيخ والبحر لهمنجواي
– الموت في البندقية توماس مانس
– يوميات من تحت الأرض ديستوفسكي
ولقد برزت نماذج من الروايات القصيرة في العالم العربي عند يحيى حقي “قنديل أم هاشم” وسار مساره العديد من الكتاب العرب أمثال نجيب محفوظ، وسليمان فياض ويوسف إدريس.
وأعتقد، بعد كل هذه التوضيحات يحق لي تصنيف “ذكريات على ضفاف نهر الأمستل” ضمن الرواية القصيرة، أو القصة الطويلة كما عبر عنها بعض الكتاب في رؤى مختلفة…
مسار الحكي عند مبدعتنا نجاة تقني:
استعملت الأستاذة نجاة تقني مسارا بسيطا وعموديا في سرد حكايتها، بعيدا عن كل تعقيد، معتمدة على اتباع مسار واضح، يركز بشكل لافت على بعض التقنيات السردية المهمة:
الحبكة الرئيسية:
تركت قاصتنا الأحداث تنساب بشكل عفوي، ويظهر ذلك جليا من خلال التركيز على بؤرة الحكاية، التي تمثل النواة الجوهرية للنص السردي وتتمثل في بوثقة الصراع، الذي يتأرجح بين الشد والجذب (آدم، ياسمين، و إيڤا نموذجا)، وهو صراع إثبات الكينونة ومحاولة الانتصار للشرعية.
الحبكة الفرعية:
تمثلها الشخصيات الثانوية التالية: مصطفى وزوجته أمينة، خالد وزوجته فاطمة، وباسم
وإيڤا، ويمكن اعتبار تدخلاتهم بمثابة لوحات فنية جمالية، تخدم النص الرئيسي وتدعم مساره الحكائي.
النص السردي عند مبدعتنا نجاة تقني، فسحة ذهنية ومتعة رومانسية، يتميز بالإثارة والتشويق، علاوة على الفسحة المكانية، المتمثلة في وصف وتحديد الكثير من الأمكنة الدالة على أكثر من “رمز”.
يتميز النص المحكي “ذكريات على ضفاف نهر الأمستل” للقاصة نجاة تقني بمميزات تقنية وفنية، يمكننا تسطيرها في الخطوط العريضة التالية:
– تسلسلٌ في الحكي بشكل عفوي.
– ترابط متين بين حل الشخصيات، سواء الرئيسية أو الثانوية.
– اتباع مسار رئيسي دون المس بباقي المسارات الفرعية.
– انسجام الحبكة الرئيسية من استهلال وعقدة وحل.
– احترام قواعد السرد من استهلال وعقدة وحل.
الاحتفاء برمزية المكان:
يقول أحد الباحثين:
“المكان في اعتقادي هو الوعاء الذي تدور فيه الأحداث وتتحرك فيه الشخصيات لتكشف لنا حركة الزمان والتغير الذي يطرأ على الأشياء والناس”.
كيفما كان الحال، الأمكنة عند ساردتنا، ليست فضلة، وإنما تم اختيارها بدقة متناهية، وهي متواجدة كلها على أرضية الواقع: أمستردام، روتردام، القندق ماين بورت ديزاين، المطعم التركي، نهر الأمستل، نهر الراين… أماكن كانت جامدة وباردة برودة مناخ أمتسردام، فأضفت القاصة عليها الكثير من الدفء العاطفي، وكأن القاصة تخبرنا أن القصص العاطفية، لا يمكن أن تنمو إلا على ضفاف نهر الأمستل، ربما لجمالية المكان ورومنسيته، أو بتواجد عناصر أخرى مثيرة ومؤثرة، تساهم في خلق أجواء مشحونة بالعواطف الجياشة، ولقد أفلحت قاصتنا في اختيار المكان وتحويله من مكان مجرد إلى مكان حي ينبض بالحياة…
كما يمكن اعتبار المكان رمزا وايحاء، يحمل حمولات وشحنات نفسية ووجدانية عميقة، تتفاعل على ضفافه الكثير من الأحداث، ذات الطابع الوجداني (آدم وياسمين) أو الإنساني (قصة الطفلة التي سقطت من دراجتها) أو التعايشي (المغاربة والأتراك والهولنديين والأقليات الأخرى)، أو التضامني (العجوزان الحبيبان).
الاحتفاء برمزية الزمان:
يقول أحد الباحثين:
“الزمن شيء يصعب الإمساك به، تدركه عقولنا ولا نستطيع إدراكه بحواسنا”.
الزمان إذن عند مبدعتنا ليس زمانا سانكورنيا ولا دياكرونيا، إنه زمن متداخل، تتشعب فيه الحكاية، وتتقمص لغة الزمن المتحرك، حيث الأمكنة، بخصوصياتها، تتطلب أزمنة معينة ملائمة مع الأمكنة المقترحة. كما يمكن أن يتداخل زمن الحكاية مع زمن الحكي، أحيانا لا يمكن للحكاية السير بشكل خطي، نظرا لتزامن زمن الحكي وتعدد الخطابات.
يقول تودوروف: “يطرح مشكل تقديم الزمن داخل الحكي بسبب الاختلاف بين زمانية الحكاية وزمانية الخطاب. فزمن الخطاب هو، بمعنى من المعاني، زمن خطي، في حين أن زمن الحكاية هو زمن متعدد الأبعاد، ففي الحكاية يمكن لأحداث متعددة أن تجري في نفس الوقت، لكن الخطاب مجبر على وضعها بشكل متتابع، كمحاولة إسقاط شكل هندسي معقد على خط مستقيم”.
الساردة وهي تحكي حكايتها كانت تتبع تسلسلا منطقيا، لتنظيم أحداثها في الزمان والمكان المناسبين، وحسب أهمية كل حدث على حدة، مستهدية بالتتابع المنطقي، لأن زمن الحكاية قد يستغرق سنوات عدة في حين زمن الحكي قد يستغرق دقيقة واحدة، يعبر عنها الكاتب بجملة أو جملتين…
وأعتقد أن سلطة الأبطال الرئيسيين كانت حاضرة، من أجل مسار منطقي معقول، لتسجل الشخصيات الثانوية والأحداث الهامشية بعد ذلك، حضورا ثانويا، دون أن يكسر تراتيب زمن الحكي..
الاحتفاء بالتراث في “ذكريات على ضفاف نهر الأمستل”:
علاوة على احتفاء مبدعتنا بالكثير من الأمور في سرديتها، كالاحتفاء ببعض التقاليد والعادات (الشيشة، الجلسات العائلية، جلسات الشاي التقليدية…) والعادات المطبخية (البسطيلة باسمك، الطاجين باللحم والبرقوق واللوز، الشاي التركي، البقلاوة والقشدة التركية، أكلة السوشي، والشاي المغربي). علاوة على الكثير من التراثيات المغربية والتركية على وجه الخصوص.
كيفية تسيير الشخصيات:
كثير من الناس يعتبر شخصيات القصة أو الرواية عبارة عن شخصيات كرتونية، يتحكم فيها المبدع بطريقته الخاصة، ولايستطيع اصطباغها بذاتيته أو إسماع صوت ضميره، لكن الحقيقة غير ذلك، إن السارد كثيرا ما يختفي وراء جلباب شخصية ما، وغالبا ما يفضل الشخصية المحبة للخير، أو الدالة عليه، وبذلك نحس أن مبدعتنا، بحكم تقاليدها أو أعرافها ويقضة ضميرها، تسعى لأن تكون فاعلة خير، حاملة لأغصان الزيتون تارة وداعية للسلم والسلام أخرى..
خلاصة القول أن مبدعتنا تحاول ألا تظهر بشكل مباشر وأنما تبعث برسائلها خفية وضمنية ودون إحداث أي ضجيج يذكر…
رمزية وخلفيات النصص السردية:
حرصت مبدعتنا على بعث مجموعة من الرسائل الإنسانية من خلال نصوصها الابداعية، وهي تجمع بين الرسائل الإنسانية والاجتماعية والسياسية.
من هنا… يتبين لنا أن المبدع لا يمكن أن يكون دائما بريئا، فهو يحمل حمولات كثيرة بين دفتيه، يحاول جاهدا بعثها لعموم الناس من خلال سردياته، وغالبا ما تحمل الطابع الإيجابي…
ما لاحظته وبشكل جلي أن مبدعتنا ومن خلال حواراتها وعملية تسيير شخصياتها، تسعى إلى خلق نوع من الصراعات المعتادة، صراعات بين الخير والشر، بين الأمل واليأس، علاوة على الصراعات الحضارية والأخلاقية… لكن غالبا ما تنتصر للخير وتحتفي بقيم التضامن والتعايش والمحبة بين الأفراد والجماعات.
الاحتفاء بشعارات السلم والسلام، التعايش والتضامن في النصوص السردية لمبدعتنا:
كثيرة هي المواطن التي تحتفي بشعارات القيم الإنسانية من سلم وسلام وتعايش بين الأديان والناس أفرادا وجماعات، ولعل هذه القيم جزء من معتقدات مبدعتنا، تؤمن بها وتحاول الإعراب عنها من خلال الشخصيات.
“أمستردام” رمز لتعدد الثقافات وتعايش مختلف الأقليات، إثنية، فكرية أو إيديولوجية، ولعل كثرة الزواج المختلط دليل آخر على هذا التعايش الكوني، تقول الأستاذة لطيفة تقني في مقدمة الكتاب: “رغم اختلاف الأجناس والأديان والأفكار، فأغلبية سكان هذه المدينة متزوجون بأجانب أو أجنبيات ويمارسون حياتهم بشكل طبيعي وجميل” ص 5.
ولقد ناصرت مبدعتنا نجاة تقني القيم الإنسانية في كثير من المواقع على لسان إيڤا، حين سألها آدم عن جنسيتها، أجابته قائلة:
“كلنا أولاد آدم وحواء.. والجنسيات اختراع إنسان يود التفريق بين البشر..” ص 20.
كما يظهر هذا التلاقح الحضاري من خلال أسرة ياسمين: أم تركية وأب هولندي وابنة تجمع بين الاثنين…
ومع ذلك فالصدام الحضاري متواجد في نصوص مبدعتنا في بعض المشاهد المؤثرة، ويتجلى في مقتل أم ياسمين التركية وأبيها الهولندي في فرنسا، هذا الحادث جعلنا نطرح أكثر من علامة استفهام على مفهوم التعايش الايجابي بين الأقليات:
هل فعلا هناك تعايش بين مختلف أصناف المجتمعات الأوروبية أم هناك تصادمات عقدية وفكرية وإثنية، تظهر وتختفي بين الفينة والأخرى، كمؤشر لتصادمات وصراعات خفية…
الخيانة الزوجية:
لعل الموضوع الرئيسي الذي تدور حوله الحكاية، هي ظاهرة الخيانة الزوجية، في مقابل الوفاء والإخلاص للأزواج، ثنائية بسطت سلطتها بقوة على جل المشاهد والمقاطع والحوارات، التي يزخر بها هذا النص السردي، ومما يثير الدهشة أن الخيانة الزوجية، مثلت نسبة جد عالية بين المتعاقدين بطريقة شرعية، وهذا البوح العفوي الآتي دلالة على صدق ما ذهبنا إليه من أقوال:
– مصطفى: أنا خنت أمينة منذ عــشــر ســـنـيـــــن… رغم أنه أعلن ندمه فيما بعد.
– باسم غدر بآدم واستحوذ على إيڤا، وحين أعلن مصطفى عن توبته واعتبر نفسه أنه كان مغفلا حين خان زوجته أمينة، أجابه باسم:
– لم تكن مغفلا… ربما وجدت في المرأة الأخرى ما لم تجده في أمينة.”
– عمر: كان زير نساء: “الفتيات يعلمن أنه زير نساء، ومع ذلك يقبلن بعلاقة وهمية”. تساؤل مصطفى حول عمر: “أتساءل كيف تطيق زوجته تحمل مشاغباته ومغامراته؟!”.
– آدم: هو أيضا دخل في مغامرة غير محسوبة العواقب، تاه كالأعمى، في قصة حب، تشوبها الكثير من الشوائب، امرأة متزوجة وهو متزوج، ومع ذلك استمر في مغامرته مع إيڤا، رغم أن زوجته ياسمين تكن له كل الحب والود والاحترام، ولم تمر لحظة واحدة دون أن تناديه “حبيبي”، لكن هو كان يتقمص شخصيتين: شخصية الحمل الوديع والمؤدب، وشخصية الغدار الخائن…
تارة يحاول إرضاء زوجته ياسمين، من خلال مساعدته إياها، لأنه يحس في دواخله أنه يرد لها دينا قديما (هي من ساعدته الحصول على إقامته الشرعية من خلال الزواج بها)، وتارة أخرى يبحث عن مبررات واهية، ليغرق في قصة حب مشبوهة… لكن النهاية كانت صادمة.. ولولا الألطاف الإلهية لضاعت ياسمين، الزوجة الطيبة والمثالية والأمينة… ولادة الطفلة… كان بداية الانعتاق من قيود العاطفة الجياشة… ولادة جديدة لأسرة آدم وياسمين… وبالتالي انتصرت الشرعية على الفوضى وانتصرت القيم على الغدر والخيانة…
الخلاصة:
خلاصة القول، انتصرت ساردتنا للغة العربية اللغة الأم وانجذبت لأصولها وتقاليدها من جهة ومن الجهة الأخرى، عبرت عن واقعها بكثير من الحنان والرومانسية، فهي مع ذلك لم تنس وطنها ولم تتنكر للبلد الذي منحها الحب والأمن والطمأنينة.. صدقت عليها القولة القائلة: جذورها في إفريقيا وأغصانها في أوروبا…
كما لامست واقعا غريبا بكثير من الدفء الشرقي، حيث تمازجت وتلاقحت الحضارات (الشرق مع الغرب)، بكثير من التفاعل الإيجابي، وأغلب الصراعات الدائرة في هذا العمل السردي، انتهت نهاية سعيدة، ووافقت الشرعية الأخلاقية، التي تؤمن بها مبدعتنا، وبذلك استطاعت القاصة نجاة تقني من خلال قصتها بعث رسائل إنسانية كبرى، شعارها المحبة والسلم والتعايش بين جميع فئات المجتمع…

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.