جمالية السرد والحوار والوصف” – قراءة نقدية للأديبة المغربية لطيفة تقني في “ذكريات على ضفاف نهر الأمستل” للأديبة نجاة تقني

لكم يَطْرَبُ القلب وينتشي، حين نسمع بولادة كاتــب أو شاعـــر سـيـنضم إلى كـــوكـبـة الأدبــاء لـيحـمـل مــعــهم وزر المشـــاكل والرزايا التي بتنا نتخبط فــيـها جَرَّاءَ الـعــديــد مــن العــوامــل والأسبـاب.
ونحن هنا أمام كاتبة مغربية هي (نجـاة تـقـني)، ابـنــة أسرة عُرِفَت بالعــــلـــم والأدب والإبـــداع… اسـتـفـــادت مــن تجربتها في الغربة، لتُخْرِج للوجـود كـتـابات تـعــكــس فكرها، وفـكـر ونفـسـيــة المحيطين بها. والإنسان ابن بيئته كما نعرف. ومُؤَلَّفُ (ذكريات على ضفــاف نـهـر الأمستل) هو أول مولود أدبــي للكـــاتـــبـة.
والـقـصة، هـذا اللـون الأدبي الجذاب، هي مـجمـوعــة من الوقائــع والأحـــداث السردية التي تسير نحو هدف مـعـيـن. ونجاة تقني تنقل لنا في قصتها بعض الوقائع الاجتماعية بصورة مشوقة وآسرة، مــتـلاحــمــة الأجزاء لِتُشَكِّلَ في النهاية لوحـــة فـنـيـة رائـعـة، تـجـمـع بين الــســرد، والــوصــف، والـحـــوار.
فبمجرد البدء بالسطور الأولى، يجد الـقــارئ نـفـســـه منجذبا لإنهاء القراءة ومعرفــة مصــيـــر الـبــطــلــة (ياسمين) الـطــيـبة مع زوجــها (آدم)، الذي على الرغـــم مــن حـنــانــه، وعطفه، إلا أنه أخــطــأ في حقها وفكر في غيرها، وآدم نموذح للذين يؤمنون بالزواج المـخـتلط. و(أمستردام) مــعروفـة بـهــذا النوع من الزواج، الذي يؤكد قيمة الـتعــايــش، رغـم اخـــتلاف الأجـنــاس والأديـان والأفكــار. فأغلــبـية سكان هذه الــمــديـنـة مـتـزوجون بأجــانـــــب أو أجنبيات ويمارسون حـيـاتـهـم بشكل طبيعي وجميل. وتفاجئنا الكاتبة بنهاية سـعـيدة، وكـأنــها ترفض مــثـــل هــذه الأخطــاء، تـرفــض تـصـرف (آدم) وخــيــانــتـه، وتــدعـــو لتصحيحها.
فالقصة في غاية الجمال والجاذبية، تطرح مـجـمــوعـة قـضـايـا اجـتــمـاعـيـة، وإنـسـانـيـة كالخيانة الزوجية (آدم وإيڤا وغيرهما)، وخـيـانـة الأصـدقــاء الـمـتمثلة في (باسم)، الصـديق المزيف، والذي قال جبران خليـل جبران عن أمثاله:
(يسير معي في الشمس ويهجرني إذا حل الظلام).
ويبدو من خلال القراءة احتواء القصة جميع عناصرها المعمارية الفـنـيــة مــن شـــخوص وأحــداث وزمــان ومكــان، وعـقـدة ونهاية… كـمـا تــجــدرالإشــــــارة إلى أن هـذه الـوقائع مـسـتـمـدة من صلب الـواقــع الـذي جــرت أحــداثــه بـمـديـنـتيْ (أمستردام) و(روتردام).
وتناولت المؤلـفـة مـن خـلال الأحـداث والـحوار قـيـمة الطـب الـنـفسـي، واعـتـقــاد الـبـعـض بـجنون من يزور الطبيب الـنـفـســـي، وهي بذلك تـصـــحـــح هــذا الــمــفــهـوم الخـاطئ. كـمـا تـطرقــت الـقــاصة لـمـشـــكـل كـــورونا وتأثــيــره عــلى الاقتصاد، وعلى العلاقات الأســـرية… دون أن تغفل الإشــارة إلى بـعـض إيــجــابـيـاته (ص 44) “- فـعــلا، هــذه الـجـرثومة الصغـيـرة، حـطـمت الاقـتـصـاد والصحة الـعالميين، وخـلـقـت الحواجز بين الناس…
– لا أتفق مـعـك يا آدم فــيـما يـخـص الحــواجـز بـيـن الـبـشــر. فالحجر الصحي، كان مـفـيــدا للعــديــد من العــائلات… الآباء والأمهات اقتربوا من أبنائهم أكثر…الخ”.
وانـتــقــدت الـكـاتــبـــة مــن خـلال بــعـض شـخـوص القصة ومواقفهم استغلال بــعـض الأزواج لزوجاتــهــم مــاديــا (ص 42)، وكـذلك أكــدت عـلى ضـرورة الاهـــتمام بـالأبـنـاء عــــوض الانـشــغــال بـالهـاتـف (ص 15): ” كانت الســــيدة تنظر إلى هاتفــها وكأنها تبحــث عن شيء مهم في هــذه الآلة الصــغيرة التي شغــلت العــــــالم وأصبـحت مــن الأسـاســـيـات للصغـير والكبـيـر،… الخ” وأشارت أيضا لـمشـكــل الإرهـــاب وما يـتــــرك من آثار سلبية في نـفـوس الأهــل الـذيــن فــقــدوا ذويــهــم (موت والديْ ياسمين فـي حـادث إرهابي) (ص 41). ولم تـنــس مـــوضـوع الـعـصر: عـالم الفيسبوك، العــالـــم الافــتــــراضي الأزرق كما نعتته (ص 37): “أصـدقـاؤه المـقـربـون مـشـغـــولـون بـحـيـاتـهم الخــاصـة… وأصـدقاء الـفــيســبوك لا يســمنـون ولايغنون من جوع…. الخ”.
هـــــذا غيض من فيض القضايا التي تناولتها الـكـاتبــة رغــــم قِــصَــــرِ القصة، لتوقظ ضمير القارئ، فهي كما قـالت الكاتبة الأمريكية الفرنسـية الـجــذور(أناييس نين Anaïs Nin):
“الكاتب هو ضميرالشعب… بل يجب أن يكون وخز الضـميـر”.
والذي يقربنا أكثر من القصة، و من شخصياتها، ذاك الحوارالجميل الذي اعتمدته المُؤَلِّفَة، وهي تكشف عن العيوب لتصل إلى النهاية المـنـشـودة: الـسـعـــادة، والـحـب الصـادق، والتعايش في سلام… فهذا الحوار ساعــدها كـثـيـرا في رسـم الشخوص، وتصوير مواقفهم، وصراعــهم العاطفي والنفسي، وأضفى لَمْسَةً حَيَّةً عليها..
وإذا كان الكاتب النــاجــح هـــو الذي ينزل من برجه العالي، ويخالط الناس ليشعر بمصاعبهم، فالكاتـبـة (نجاة تـقـني) من النوع الاجتماعي، قريبة من مــشــاكل مَنْ تــعــاشـرهم، أو تسمع عنهم… فتأتيها الأفكار بجـناحـيـــها مرفرفة لـتـحــط على يراعها فتخرج من شرنقتها للوجود فراشة جميلة زاهية.
هكذا (نجاة تقني)، تحاول توظيف قدرتــهـا ومــوهـبتها الفنية للتأثير في القارئ، ومساعدته على رؤية عيوبه وصـقـلـها وتصحيحها، فتمتزج القيم السامية، ومشاعر الحب والصفاء مـع بعض المواقف المأساوية لبعض شـخـوص القـصـة، لكن الحـب النقي هو الذي ينتصر في النهاية. فالعاطــفــة الجياشة المنسكبة في النص الأدبي، والصدق في الـتـصويـر، وروعـة الأسـلــوب وعذوبته، كلها أسباب تجعل القــصة شيقة، ومثيرة تشد القـارئ لـينهي قــراءتـه، ويستمتع بأحداثها وجمال نهايتها.
وما لا يجب إغفاله، بل التنويه بـه، هـو عـشـق (نجاة) للغة العربية، وتمسكها بها حفاظا على هويتها رغم تواجدها في بـلـد المـهـجـر (هـولـنـدا) منذ سنوات، وحـبـها لـــهـــذه الأرض الـجمـيــلة وسكانها الطيبين. ورغم أنها كانت طالبة في الشعبة العلــمـيــة، فقد أثبتت إخلاصها للغتها، وأكدت أن لـغـة الضاد قوية وجميلة وصامدة، تساير العصر كما قال الشاعر حافظ إبراهيم:
أنا البحر في أحشائه الدر كامن فهل سألوا الغواص عن صدفاتي؟
هنيئا للأديبة بهذا الـمُؤَلَّـف الـقـيـم الذي سيثري المكتبة العربية والغربية على السواء، وتمنياتنا لها بالنجاح والسداد في أعمالها القادمة.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.