بين سؤالي التجنيس والتصنيف” بقلم الناقد الدكتور محمد رحو – المغرب قراءة في “ذكريات على ضفاف نهر الأمستل” للأديبة نجاة تقني

تمهيد:
لقد ظل سؤال تجنيس الأعمال الإبداعية متداولا في الساحة النقدية، وموضوعا لإبداء الرأي والرأي الآخر منذ ظهور الشرارة الأولى من هذه الأعمال وصدور طلائعها، وازدادت حدته مع الحداثة الأدبية، ودخول الإبداع مرحلة التجريب، وثورة المبدعين على التنميط والقولبة التي يكرسها الانضباط لقوانين الإبداع والخضوع لصنميتها، وكسرهم للحواجز والحدود بين الأجناس التي تداخلت فيما بينها إلى الحد الذي صرنا نسمع فيه بشعرنة السرد وسردنة الشعر ومسرحية الرواية… وبالرغم من أهمية هذا التداخل في تطوير المتن الإبداعي ومسايرتها لتحولات المجتمع فنيا وموضوعيا وتحريرالطاقات الإبداعية للمبدع، إلا أنها في جانب آخر أفضت إلى فوضى في التجنيس، إذ صار الجنس الإبداعي الواحد يحوز تسميات عدة، ذكر منها عبد الرحيم مودن في جنس القصة أمثلة عدة، ورصد محمد يحيى قاسمي في مجال الرواية مثل ذلك.
والاهتمام نفسه حازه سؤال التصنيف، وإن بحدة أقل. ويعود سبب إثارته إلى إبداعات المبدعين المغاربة المهاجرين المكتوبة بلغات أجنبية بخاصة. فعلى أي أساس يتم تصنيف هذا الإبداع؟ هل ينسب إلى لغته أم يحوز جنسية كاتبه أم الفضاء الجغرافي الذي احتضنه أم يتم الاحتكام إلى مضمونه؟ وقد تعددت تسمياته مابين أدب مغربي مكتوب بالفرنسية أو الإنجليزية… وأدب فرنسي أو إنجليزي… مكتوب بروح مغربية.
إنها تساؤلات بقدر ماظلت مثار نقاش وجدال في الساحة النقدية، بقدر ماحفزتني على أن أجعل منها مداخل لقراءة باكورة أعمال المبدعة نجاة تقني.
1- سؤال التجنيس:
لقد ارتأت المبدعة نجاة تقني أن تجنس عملها الإبداعي “ذكريات على ضفاف نهر الأمستل” تحت مسمى “قصة” وهو تجنيس معمول به في الأوساط الإبداعية إلى جانب “قصص” أو “مجموعة قصصية” وغيرها من التسميات التي تمتاح من الجذر اللغوي “قَصَّ”، غير أنه استنادا إلى المتن الإبداعي وتقنيات الكتابة السردية الموظفة يبدو لي – من وجهة نظر خاصة – أن هذا العمل أقرب إلى الرواية منه إلى القصة، وذلك لعدة اعتبارات تتجاوز الطول الذي لايشكل إلا ملمحا خارجيا.
وأول هذه الاعتبارات: تحولات الأحداث وانعطافاتها وتعدد الحبكات. ففي النص الإبداعي يقف القارئ على عدد من الحبكات التي كانت توصل الحدث إلى مرحلة الذروة والتعقد واحتدام الصراع. فيمكن اعتبار زواج “باسم” ب” إيڤا” وخيانته لصديقه “آدم” حبكة، واطلاع “ياسمين” على رسائل “إيڤا” في هاتف زوجها حبكة كذلك، ووعد “آدم” “إيڤا” بالزواج مقابل طلاقها وانفاصلها عن “باسم” حبكة، وحمل “ياسمين” وتصرف “آدم” اتجاهها حبكة أخرى. وهذا التعدد في الحبكات هو في حقيقته من خصائص الفن الروائي.
وثاني هذه الاعتبارات: يتعلق بغياب التكثيف والتركيز لكونها سمتين من سمات السرد القصصي، وحضور التفصيل في مقابل ذلك باعتباره إحدى خصائص الرواية، وقد لا نعدم الأدلة النصية على هذا المعطى، ففي الصفحة 42، كتبت المبدعة ما يلي: “بعد وقوف السيدة المخدوعة، ظن آدم أنها ستتجه نحو الفتاة، لكنها سارت نحو المرحاض. وفي تلك الثواني، استغل الرجل غيابها، وأسرع نحو الشابة، فأعطاها ورقة صغيرة، ثم رجع وجلس على الكرسي واضعا رجلا فوق رجل وكأنه حقق انتصارا عظيما..” فكل هذه التفاصيل، كان يكفي القارئ منها استغلال الرجل دخول زوجته إلى المرحاض ليدس ورقة صغيرة في يد الشابة، لكي يتحقق لديه معنى الخيانة المقترفة، غير أن الكاتبة لديها رأي آخر، فاختارت تصوير المشهد بكل دقائقه، وتتبعته من أول حركة حتى نهايته على طريقة المشهد السينمائي.
ويخص الاعتبار الثالث عنصر المكان، فالقارئ لهذا العمل يجد نفسه أمام أمكنة متعددة: “أمستردام” و”روتردام” و”نهر الأمستل” و”باريس” و”الفندق” و”المقهى” و”المطعم” و”بيت آدم وياسمين” و”بيت مصطفى وأمينة”… ومن هذه الأماكن ما بدا تأثيره واضحا في الشخصيات مثل باريس “شارع ألبيار” الذي شهد وفاة والدي ياسمين غدرا،والذي شكل الأبعاد النفسية والوجدانية لشخصية ياسمين. بل إن من هذه الأماكن ما اقترب من صفة البطل ووضعيته، كنهر الأمستل الذي كان مسرح استنبات الحدث المحوري وهو لقاء آدم وإيڤا.
أما الاعتبار الرابع فيتجلى في طغيان الحوار الذي كشف عن دواخل الشخصيات وعلاقتها وسلوكاتها، وهي كلها تقنيات تستوعبها الرواية أكثر من القصة.
إن اعتماد الكاتبة أحادية الحدث ووحدته كما هو معمول به في السرد القصصي، لا يخفي تفرعه إلى أحداث صغرى تعالج قضايا ذات صلة به، مثل حدث خيانة باسم لصديقه آدم، وفوزه بعشيقته إيڤا.. كما أن عدم انتظام أحداث هذا العمل في فصول لايعطيه مشروعية هذا التجنيس، فلو أرادت الكاتبة ذلك لفعلت، واختلقت هذه البنية وهذه الفصول. فالأحداث المتعلقة بحفلة نجاح الابنة البكر لمصطفى وأمينة وبالضبط الصفحة 64 ومابعدها، كان بالإمكان أن تحوز فصلا مستقلا خاصة وأن أحداثا جديدة ظهرت، وشخوصا أخرى برزت، وفضاء مغايرا احتواها. وحتى في حالة هذا الغياب يمكن لهذا النص السردي أن يمنحنا رواية من فصل واحد.
2- سؤال التصنيف:
معلوم أن المبدع لا يمكنه أن يبدع إلا من داخل الآداب العالمية، ومن خلال الاطلاع  عليها. ف”كل كتاب يكتب في العالم، ويشهر بوصفه نصا أدبيا ليس  إلا جزءا صغيرا جدا من التركيبة الهائلة لكل الأدب العالمي”. غير أن هذا لايمنع من وجود بعض الخصوصيات والسمات التي تميز هذا الجزء الصغير عن الكل العالمي، مع  الارتباط به بأكثر من خيط، ليس أدناه المشترك الإنساني، لأن الإبداع في نهاية المطاف إبداع إنساني. وبعيدا عن التجزيء السلبي والنظرة الضيقة نعلن انتماء مؤلف “ذكريات على ضفاف نهر الأمستل” إلى أدب الهجرة، فنحن أمام مبدعة مهاجرة وأدب مهجري اعتبارا لعدة مميزات، فحين تتغير الفضاءات والأمكنة وما يرافقها من عناصر جغرافية أخرى وثقافية ونفسية مؤثرة في الأدب والأديب، فإن طبيعة الأدب تختلف وتتمايز، وهذا مايتجسد من داخل هذا النص السردي، فالأماكن والشخوص والأزمنة والأحداث كلها تشكلت في فضاء المهجر ومستوحاة من طبيعته، وبذلك استحقت أن تنسب إليه.
وعلى غير العادة، نقرأ لكاتبة مقيمة بديار المهجر عملا أدبيا ينأى كل النأي عن المواضيع التقليدية التي لطالما استبدت بنفوس الكتاب المهاجرين، واستحوذت على أقلامهم، والتي لم تخرج عن نطاق الغربة والهجرة بأنواعها السرية والشرعية، وما استتبعها من مشاكل وحيثيات، ومواضيع الشوق والحنين إلى الوطن. وهذا يحسب للمبدعة نجاة تقني التي منحتنا من خلال تناولها لموضوع بل لمواضيع إنسانية واجتماعية تخص العلاقات العاطفية سواء بين الأزواج أم غيرهم تصورا جديدا عن أدب الهجرة، يضع القطيعة مع المواضيع التقليدية المستهلكة.
لقد أبت الكاتبة إلا أن تنفك من إسار الذاتي وتعانق الموضوعي الإنساني من خلال مواضيع لا تخص الجالية المغربية وحدها، ولا تدور في فلك حياتها. فما تعرفه العلاقات العاطفية من اختلالات، وماتشهده من توترات ليس حصرا على المهاجرين، ولا هو خاص بهم، وإنما ينخر جسد المجتمعات الغربية هي الأخرى خصوصا مع الأجيال الحالية، وذلك نتيجة تغير القيم وتراجعها، وهذا مايجسده الزوج الغارق في الحديث إيماء مع إحدى الشابات حتى وهو بجانب زوجته. فلا وجود في النص ما يشير إلى جنسية هذين الشخصين المقترفين لهذا الفعل، وسواء أكان سكوت الكاتبة عن ذكر هويتهما قصدا أم عن غير قصد، فإن تصويرهما على هذا الحال يخدم الجانب المضموني للحدث ويعطيه سمته الإنسانية، ويؤكد انخراط أدباء المهجر ومنتجهم الأدبي في خدمة مجتمعات الاستقبال وثقافتها بالرغم من كونه مكتوبا باللغة العربية، فالعربية هي التي تمنح هذا الأدب هويته المغربية، لا سيما وأن المبدعة نجاة تقني لا تعوزها اللغة الهولندية لغة بلد المهجر والإقامة، لكنها استكنفت عن ذلك واختارت إثبات هويتها وهوية منتجها الذي لن يكون إلا أدبا مغربيا مهجريا منفتحا على الإنساني.
لم تنس الكاتبة أن ترسم للمغربي صورة تليق به حتى وهي تعانق مواضيع إنسانية، وهي صورة يمكن أن تصحح كثيرا من المغالطات المنطبعة في أذهان الغربيين عنا في مجال العلاقات الإنسانية بخاصة، والمرتبطة بالغدر والخيانة ونكران الجميل. فقد كانت الكاتبة نجاة تقني أكثر نباهة وهي تختار هوية الزوج آدم وياسمين في بداية الرواية، آدم المغربي وياسمين ذات الأصول الأجنبية، واختيارها لنهاية قمة السعادة بين الزوجين، بعد ما سادها من شد وجذب خفيين، وأظهرت منتهى السلوكات الإنسانية الحضارية، بعدما كانت على وشك الانحراف والسقوط، وذلك بعد تجاهل آدم ل”إيڤا” اللعوب، وعودته إلى حضن زوجته ياسمين واعتذاره لها على ما بدر منه من تصرفات. وهي صورة تؤكد وفاء المغربي الذي بإمكانه أن يخطئ، لكنه لا يتمادى في خطئه، فسرعان ما يرشد عن غيه.
خاتمة:
بناء على ما سبق، يمكن التأكيد أن “ذكريات على ضفاف نهر الأمستل” – سواء اتفقنا مع الكاتبة في تجنيسه أو اختلفنا- نص سردي وضع الإصبع على جروح اجتماعية وعلائقية تعفنت، وسعى إلى بلسمتها والحد من انفضاخها من خلال معقمات قيمة، وبذلك يكون قد أدى دوره المنوط به وهو خدمة الوعي الجمالي. وأما ما يتعلق بالتصنيف فالأمر لا يعدو أن يكون بحثا في الخصوصيات بعيدا عن رسم أي حدود يمكنها أن تعزل هذا العمل عن الإبداع العالمي والإنساني.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.