الصورة الرابعة : “نبش في ذاكرة مناضل: السي علي بوشوى” __ ذ. عبد العالي بنحريمة

الصورة الرابعة :
“نبش في ذاكرة مناضل: السي علي بوشوى” :

  شمس الثالث والعشرين من آذار، شهر مارس الربيعي، غارقة في تلهب حرارتها هذا الصباح، ينابيع الفصل، تستظل الأمكنة، وجذوع الزمن، تورق أفنانك الفاتنة أمي لحنينة، ألفت فيك أن أسمع دعواتك الشاملة المانعة، وأنت جالسة وسط الرياض، تتضرعين في خشوع عجيب، الكل منا يظفر بنصيبه من دعواتك التي لا تنتهي، الخير والسعادة والعافية، واتباع طرق الفلاح والصلاح، أهمها لكل واحد باسمه، تترجين الحياة الرغيدة لكل الناس…
لحنينة أمي وأنت تنتهين من صلواتك الصباحية، تختمينها بالدعاء المستجاب، تستوقفك عادة تنظيف الباب الخارجي للرياض، وعتبته المتحدرة، فيستجديك البهو (اعكمي كما يسميه المراكشيون) في المدخل، لتسقيه ماء البئر، أخي حسن رحمة الله عليه، بقامته الضخمة، ولسانه المعتاد على ترتيل آيات القرآن، يناولك بشكل منتظم دلاء ماء يجلبها من عمق بئر الرياض .. عتبة الرياض لا تبخسك عنايتك الدؤوبة بها، … الثوب الأبيض الحزين، لا زال يجرجر حزنك غير المصرح به علنا…
لالة فاطنة زوجة السي الطاهر مول التاكسي (باللهجة المراكشية) رحمة الله عليه.. أكثر الجارات قربا إلى قلب الأسرة، ترسل صوتها المعتاد في طلبك أو مناداتك، تطلبك هذا الصباح في الاستجابة لهاتف من الرباط ..
لالة خدوج : هاتف من الرباط يطلبك..
– إنها الشريفة لالة مليكة تطلبك توا ….
– يا ربي السلامة .. !! الله يسمعنا خبار الخير …!! وكأنك تستشعرين خبرا محزنا،…
تقفزين الزمان، لتتجاوزي عتبة باب الرياض، وصوت رنين الهاتف القادم من صدى المكان ..
ألو .!! ألو . !!
صوت الشريفة لالة مليكة أو كما اعتدنا مناداتها جميعنا، ب ( اعوينتي ) يمتزج بحشرجة مثقلة بما ينسكب من دموع الحزن والألم…
السي علي مشى فيها أميمتي…
شكون .. !! أشنو… لفظتان ترددينهما طوال المكالمة، ‘… لم تدركي صلب موضوع ومناسبة المكالمة الهاتفية، أهي صدمة المكالمة، أم أنه استحضار لأزمة تلوح في الأفق الغامض …؟؟
– البوليس اعتقلوا السي علي … وقد اقتحمت علينا المنزل عناصر متعددة ومتنوعة من رجال المخابرات والبوليس.. يفتشون جميع أركان المنزل، يثيرون الرعب في البنات وخالد، لا أدري ما أفعل ؟؟ ….
الشريفة لالة مليكة تجهش بالبكاء، وينقطع الخط …
لحنينة أمي لم تكن تعلم أن هناك مناضلات ومناضلون يصرخون، يعلنون صرختهم ضد الظلم والجور والاستعباد، ينددون بالحكرة … لم تكن تعي معنى السياسة، ولا تدرك معنى النضال، والمناضل…
لم يخبرها أحد أن حالها سيكون هكذا، بعد سنين مديدة من الزواج …
لم تجلس لحنينة أمي معك الشريفة لالة مليكة لتربيك على مثل هذا الوضع، كما ربتك على أمور أخرى قبل الزواج ؟ كانت تكتفي فقط بتلقينك الخصال العشر التي أوصت أمامة بنت الحارث ابنتها قبل الزواج حين قالت لها:  “كوني له أمة يكن لك عبدا، الخضوع له بالقناعة وحسن السمع والطاعة، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح، التفقد لوقت منامه وطعامه، وحفظ ماله ورعاية عياله، لا تعصين له أمرا ولا تفشي له سرا، وإياك والفرح بين يديه إن كان مغتما، والكآبة بين يديه إن كان فرحا “.
أمي لحنينة علمت البنات من إخوتي الخمس كيفية احترام الحماة والزوج وتقديسه مهما اختلفت تصرفاته واعتل سلوكه، لكن لم تلقنيها ماذا تفعل وكيف تتصرف عندما يتعرض زوجها لمحنة الاعتقال، لم تخبريها كيف تتصرف مع تقلبات الوقت، وكيف تتصرف مع حماتها لالة ودة، ومع البنات والابن ( فاطمة، لطيفة وخالد ) الذين يحبون خطواتهم الأولى في المدرسة، كيف تفسر لهم وضع أبيهم المناضل الصنديد.. لم تخبريها كيف تشرح لهم ليصدقوا أن عمل أبيهم يستدعي القبوع في مكان مغلق، يتذوق من “الهرمكة” والتعذيب صنوفا وألوانا، في حين الزيارات للسجن المركزي بالقنيطرة تتم في دقائق معدودة كل أسبوع … مكان الزيارة صيفا رطب حار، وشديد البرودة شتاء … لم تلقنيها كيف تدبر حياتها الجديدة لوحدها، وكيف تربي أطفاله اعتمادا على نفسها .. هو ليس مغتربا في أرض الغربة، ولا هي امرأة مطلقة لتكون العلاقة بينهما واضحة تربطهما قرابة الأبناء، ولها نفقتها الشهرية، لكن وضع السي علي بوشوى زوجك الشريفة لالة مليكة مخالف ومغاير، متابع بتهمة سياسية، لا تعرفين متى يغادر جلسات التحقيق، ولا أسوار السجن، ولا ما يدبر ويحاك ويقرر في حقه من تهم وأحكام قضائية …
الشريفة لالة مليكة يزحف قلبها خوفا وجزعا، تأتيها كوابيس أن قضيته تقتضي حكم الإعدام، وتنفيذ الحكم عليه بعد دقائق…
السي علي بوشوى غائب حاضر في تدبير شؤون البيت والعواطف، رسائله الشهرية يثبت فيها كل ما يدخر من مشاعر وأحاسيس وأفكار، في أوراق صامتة بكماء، هي الشريفة لا تبخس هذه الأوراق، بالنسبة لها هي الدنيا وما تحبل به من أخبار وأحداث وأحاديث، تبادله نقل أحداث الشهر والأسبوع والأيام ومشاكل الأبناء، وأحوال الحماة لالة ودة رحمة الله عليها، الصحية والنفسية… إنها لا تفهم الوضع، ولا تدري لماذا هو مسجون، لكنها لا تزدها الألم والمآسي، فلا تفاتحها في شأن الزوج السجين ولا قضيته، الناس والأهل والجيران لا يرحمون، تتحاشين مقابلتهم أو حتى مكالمتهم، فهذا يلمز ويهمز، وتلك ترمي بدعابة سمجة قاتلة، وآخرون يقاسمون السي علي فكره وتوجهه.. الشريفة لالة مليكة تستقبل هذه النبال والسيوف والسخافات بقلب صامد، وفي صمت وصبر لا تستطيع رده، وتتخيل لو أنه هنا، فلن تكتفي بالدفاع عن أفكاره، بل لن يتجرأ أحد في فتح الموضوع من أصل …
السنون تزحف، والهموم تتناسل، وأنت الشريفة لالة مليكة تتأرجحين بين الألم والأمل، تترقبين الخلاص من هذا الحلم الكابوس بجلسة حديدية واستئناف حكم يغيب الألم، ويركب ظهره الأمل… يستمر الحزن والهم، وروحك كالبحر، مرة تكون صابرة هادئة، ومرة تكون ثائرة غاضبة هائجة، تود لو تنزل إلى الشارع لتصرخ بأعلى صوتها أن ما يحدث لها ولحبيبها ظلم وعدوان وكفر، هل تعرفونه حتى تحبسونه … ؟؟ هل تدرون أن عياله يشتاقون لبسمته، ولعبه معهم، ولإصغائه حين يحل الجدال والنقاش ..؟؟
تشتاق هي الأخرى لشخطته ونظرته التي تلغي عبثهم ودلعهم … !!!!
هو الغائب الحاضر، يشارك في إدارة البيت والعواطف والمشاعر من خلال خطابات أسبوعية يبث فيها كل ما تبقى له من مشاعر ومن أفكار في أوراق صامتة لا تتكلم ولا تشعر.. بالنسبة لها هذه الأوراق هي الدنيا وما فيها، وتبادله أيضاً كتابة أحداث الأسبوع ومشاكل الأولاد ومشاكلها النفسية واشتياقها له في جوابات مماثلة…
وأمها لا تفهم الوضع ولا تفهم لماذا هو مسجون، ولكنها لا تزيد عليها الآلام…
تمر الساعات والأيام والشهور بل والسنون، وهي تتأرجح بين أمل وألم، كل فترة يأتيها أمل الخلاص من هذه الغمة بجلسة جديدة واستئناف حكم، ويخيب الأمل ويستمر الهم والحزن..
لا تستطيع الآن تذكر ما كان يغضبها من زوجها الحبيب، هل فعلاً كانت تغضب منه؟ تعاهد الله وهي تعلم أنها لن تفي بهذا العهد أنه إذا رجع لحضنها فلن تغضب منه أبداً، لن تعاتبه أبداً، ستتركه يتأخر في عمله كيفما يشاء، وليسافر أسبوعا، أسبوعين ؛ شهرا أو أشهر في مهمات عمله، لا مشكلة، المهم أنها ستكون واثقة أنه سيعود، سيعود لبيته ولأولاده، سيعود لها …
لقد تعبت، تعبت من احتياجها له في إدارة البيت، ومن اشتياقها له، ومن مشوار السجن الأسبوعي، ومن مهمات هذا المشوار وترتيباته، ومن العذاب الذي يسببه لها هذا اللقاء المقتضب، المراقب، المشؤوم، فهو كالظمآن في الصحراء عندما يشرب ماءً مالحاً أجاجا، يزيد عطشه ويشتد ألمه.
لملمت جرحك أختي الشريفة لالة مليكة ؛ بعد المحاكمة القاسية في حق شريك العمر المناضل الشهم العصامي ؛ حيث أصدرت المحكمة العسكرية حكما نافذا في حق مجموعة من المعتقلين السياسيين بتهم سياسية ثقيلة، كان نصيب السي علي بوشوى الحكم بالمؤبد فيما حكم على أربعة عشر منهم بالإعدام، وستة عشر بالمؤبد من ضمنهم السي علي ؛ لم يكن بوسع الشريفة لالة مليكة إلا أن ترضى بواقع الأمر المر كالحنضل ؛ وهي التي تعلمت منك لحنينة أمي الأخذ بوصايا أمامة العشر ؛ ها هو كابوس جديد يطرق باب الرياض ؛ مثقلا بهموم جديدة لم تألفيها ؛ وأنت تواجهين أسئلة البوليس الغامضة رفقتها في مخافر أقسام الشرطة بكل تلويناتها واختصاصاتها ؛ وأنتما الاثنتان لا تدركان حتى مفاتيح ومغالق الأسئلة المتكررة، والمتستفزة، ولا مداخل ومخارج دهاليز ومكاتب ضباط الأمن .
صدر الحكم النهائي في حق المجموعة ؛ وأصدرت المحكمة حكم المؤبد في حقه ؛ وصدر في حقك لحنينة أمي والشريفة لالة مليكة أحكام الحياة ومواجهة المجهول بكل تحدياته؛ وأنت في منتصف مشوار حياتك الزوجية ؛ بنتان وطفل؛ وحماة ؛ لا معيل لهم سوى أن تسلكي حكاية صخرة سيزيف ؛ وتعاندي ما لم يكن يخطر لك على بال؛ منذ أن غادرت مراكش في اتجاه العاصمة الرباط؛
قررت لحنينة أمي أن تعودي إلى الرياض رفقة المكلومة الشريفة لالة مليكة بعد أن تأكد لك طول مدة الغياب والفراق القسري.. وبأنكما لن تتمكنا من زيارته في زنزانته الانفرادية…
الرياض يحتضن أبناءه، وشجيرة الخوخ تزهر أوراقها من جديد بعد خريف متقلب المزاج، تشتد حرارته حينا وتخفت برودته أحيانا أخرى …
وأنا عائد من مدرستي، أجدك الشريفة لالة مليكة تمسكين بين ثنايا أناملك جريدة المحرر ؛ ولأول مرة تتسلل هذه الجريدة لرياض الفقيه السباعي السي البشير ؛ وفي عجالة مني وفضول كبير أرتمي على الجريدة أتصفح صفحاتها الغامقة السواد ؛ أكيد أن في الأمر جديد؛ العنوان العريض محفور في الصفحة الأولى؛ كما الحزن العميق حفر في أركان الرياض وساكنته ؛ أقرأ على عجل لائحة المحكوم عليهم ؛ تتراءى الكنية بين لواحظي وأتلعثم في قراءة الحكم.. لحنينة أمي تستفسر عن لفظة المؤبد، ولا تدرك معناها.. وأنا أتابع تهجي اللائحة ؛ لم أتمالك نفسي؛ فتنهمر الدموع من عيني زخات.. “هذا قدرك ونصيبك ابنتي” جملة صدحت بها لحنينة أمي؛ بعد أن أفهمتها معنى كلمة المؤبد…
قررت لحنينة أمي أن تسجلي فاطمة الابنة البكر في مدرسة القاضي عياض الابتدائية القريبة من الرياض ؛ وأن تتكفلي بتربية لطيفة وخالد.. أما أنت الشريفة لالة مليكة ؛ قررت التنقل بين الرباط والرياض؛ حتى يتم السماح لك بزيارة شريك حياتك ؛ لم يكن لك بد في التفكير في الاستقرار بالرباط والبحث عن عمل ترحمين به نفسك ؛ ويرحمك لعنة قساوة الحياة ؛ وبتدخل من أحد رفاق درب النضال الذين نجوا من التحقيق والاعتقال الأستاذ فخري وزوجته زهور اللذين كانا السندين لك في محنتك ؛ تمكنت من الاشتغال بأحد المعاهد العليا كعاملة نظافة ؛ كانت البداية الأولى معك للانطلاق والتحرر من قيود أطلال الرياض والخصال العشر التي تلقيتها من لحنينة أمي، وأنت تمدين باطن الكف مخضبا ليلة الحناء؛ قبل ليلة الدخلة…
الشريفة لالة مليكة الآن أنت في الصفوف الأمامية لمواجهة التحديات وأزمات الحياة؛ لم تبخل عليك الحياة بعلاقات إنسانية نبيلة جديدة ؛ كان لكثير من المتعاطفين الشرفاء مع المحكوم عليهم، الفضل في رسم طريق جديد للحياة، و انفتاحك على عوالم جديدة، وأناس جدد، وعلاقات وأفكار جديدة ستساهم بشكل كبير في تغيير فكرك وموقفك ومسارك الحياتي… استقر بك المقام الشريفة لالة مليكة والحماة لالة ودة والبنتان فاطمة ولطيفة اللتان رسمتا لنفسيهما طريق النجاح في مسارهما الدراسي والتفوق فيه، إلى جانب الابن البار خالد والذي كانت له حكايات وجدانية عاطفية مع جدته لالة تودة يحتفظ بها لنفسه ولمشاعره الطفولية التي لا زالت تسكنه ويسكنها، اكتسبت الأسرة في حي (المحيط) بالرباط حيث تم الاستقرار بشكل نهائي سمعة طيبة وعلاقات جوار طيبة راقية لا زلت أتذكر منهم الرجل العظيم ابا عبد الله وليد رحمة الله عليه، وزوجته فاطمة الشاوية، وابنتيهما خديجة وإلهام أطال الله في عمر الجميع، علاقة جوار تميزت بالحب والاحترام والتقدير، والمساعدة أوقات الشدة والحاجة …
الأفق بدأ ينبلج والشخصية تتقوى وتنضج.. والشريفة لالة مليكة تولد من جديد… لحنينة أمي تسترجع الذكريات المحزنة والجميلة ؛ وتتورع دعوات الفرج ….!!
لالة تودة أو كما اعتدنا مناداتها جدة ودة، الأم الحنون للسي علي ؛ حماة الشريفة لالة مليكة، الجدة المحملة بثقل هموم الزمن والتاريخ، أم رافقت ابنها محن العمر، منذ طفولته، بل منذ أن دخل بها السي محمد بوشوى والد الطفل الرافض لسلطة الوالد، أحد شيوخ قبيلة تيغدوين، هي المرأة الأولى في حياته، دخلت تابوت مدشره وهي في سن مبكرة من عمرها، كزوجة شرعا، مهضومة الحقوق كرها وجورا ؛ الشيخ سيدي محمد لم يتمالك نفسه الأمارة بالسوء، ولم يستطع تبرئتها، لينصف لالة تودة، بل اختار تعدد الزيجات، ثلاث زيجات، يلتمس منهن الزواج شرعا، ويتلمس فيهن الفحولة ؛ فحولة شيخ القبيلة وسلطته…
السي علي نفسه عايش قساوة الشيخ سيدي محمد وطغيانه، فاستفرد بنفسه، يشق طريق المسؤولية، والرفض والاحتجاج السلمي، يقصد المدينة الحمراء، ويمتهن حرفة خياطة الجلباب (تاقشاشبيت باللهجة المراكشية) فيتخذ لذاته مسلكا حياتيا متفردا متحررا من قيود أطلال المدشر وسلطة شيخه ؛ لم تشغل السي علي حرفة خياطة الجلباب (تاقشاشبيت) اهتمامه بحفظ ما تيسر من كتاب الله، فكان مواظبا على قراءة القرآن، وتدبر آياته.. اكتسب علاقات طيبة مع كثير من أقرانه من سكان بلدته الأم مسفيوة، فعاشر الكثير منهم، لا زلت أذكر منهم السي علي الخياط، أحد أصدقائه الأوفياء، والذي كان له الفضل الكبير في عقد قرانه بك الشريفة لالة مليكة، سنة 1958 ؛ وهي بالمناسبة سنة ميلادي أنا والتوأم سعيدة أختي.. لالة تودة لم تفارق الزوجان منذ عقد قرانهما وقراءة الفاتحة بينها، كما حكى لي السي علي، وهو يعتصر ذاكرته بعد زيارتي الأخيرة له رفقة صديقي وزميلي الأستاذ سيدي محمد بوعابد…
لالة تودة ترافق الزوجين/ العروسين في رحلة الزمن الجميل / العصيب إلى الرباط التي اختارها السي علي موطنا للاستقرار، والعمل من أجل كسب القوت، والاستعداد لحياة الأبطال، تدفئه بدعواتها وسحنات سبحتها التي لا تفارقها، تكابد معهما الفقر، وبناء الحياة الزوجية، وملذاتها، أتراحها وأفراحها، حلوها ومرها، تحتضن كل واحدة منهما الأخرى، لالة تودة الحماة/ الأم والشريفة لالة مليكة البنت/ العروس، كلتاهما جسد وروح واحد ووحيد، تشتركان في بناء بيت حواء وأدم. تعدد التنقل والانتقال من بيت لآخر في مدينة الرباط من حي (لكزة) إلى الاستقرار بحي(العكاري) أخيرا حتى مارس 1973 زمن الصدمة / الاعتقال .
لالة تودة كابدت وعانت في صمت رهيب أزمة اعتقال ابنها، لكنها في الآن نفسه وهي المرأة القادمة من أعماق جبال الأطلس الكبير، أن تربط علاقة حميمية مع جهاز المذياع، بشغف الاطلاع على أخبار ابنها، وسير محاكمته، كانت تتابع برامج الإذاعة والأخبار بقوة إدراك، وبوعي متمرس، أكسبها تدبر الواقع والاحتكام إلى العقل أوقات الشدة …
السي علي بوشوى رجل شديد الطموح، قوي الإرادة، كان متزنا في فكره وسلوكه، عشق فن الخياطة والحياكة، يطرز نقاشه ومحادثاته بكثير من فني الأمثال والحكم والاستشهادات بمتون القول البليغ، كما الخياط الماهر في تطريز أثواب زبنائه الأوفياء.. عشقه لحرفة الخياطة ساقه إلى بلاد المهجر خاصة فرنسا في بداية السبعينيات، كما حدثني بها وأنا في حضرة زيارته بمعية الزميل الأستاذ محمد بوعابد، بهدف استكمال خبرته في مجال الفصالة والخياطة ؛ استقر به المقام بباريس مدة ستة أشهر بعد أن رتب تفاصيل استقرار الزوجة الشريفة لالة مليكة والأم / الحماة لالة ودة بمدينة مراكش حتى العودة من بلاد الغربة، وهي الفترة الحاسمة في تشكل وعيه السياسي والنضالي، فترة سمحت له باللقاء برموز الاتحاد الوطني للقوات الشعبية المناضل الفقيه البصري ورفيق درب، وأمين سر المناضل السي عبد الرحمان اليوسفي السي امبارك بودرقة، ومن خلالهما مجموعة من المناضلين الشرفاء الأحرار الذين أجبروا على الاغتراب بفرنسا… السي علي بوشوى سيصقل موهبته الحرفية في الفصالة والخياطة، وموازاة مع ذلك ستصقل أفكاره ومواقفه وتوجهه السياسي والنضالي من علاقته بهؤلاء الرموز…
كانت رحلة استكشاف واستثبات قيم المواطنة الصادقة والنبل والوفاء لقيم الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
حصل السي علي على ديبلوم في الفصالة والخياطة إلى جانب تعميق التشبع والاقتناع والتسلح بالفكر التحرري، ليعود إلى أرض الوطن ويستقر به المقام بحي (العكاري) بمدينة الرباط كمأوى للسكن رفقة رفيقة دربه وأمه لالة ودة، وبحي المحيط كمحل لمزاولة حرفته التي تطورت من خياط تقليدي إلى خياط عصري مدني وعسكري للملابس العصرية.. لم يكن اختياره ليافطة : “خياط العروبة _ مدني وعسكري ” الملصقة على واجهة دكانه اعتباطا، وإنما تحمل من الدلالات ما يفي بالمعنى العميق بحسه الوطني العميق، ونبل فكره التحرري التقدمي، وانخراطه الناضج في مجال السياسة والنضال …
مدرسة الديمقراطية الحقة، مدرسة الحقوق، مدرسة العدل والمساواة، مدرسة قيم المواطنة والنبل الإنساني…

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.