مشروع قراءة واقعية لحالة المسلمين في المَهاجر بين استبداد الداخل وشعبوية الخارج – أحمد حضراوي

استغل جورج بوش الإبن هجمات 11 سبتمبر 2001 لتصفية حساباته مع دول عربية وإسلامية أهمها العراق وأفغانستان، لتعود أمريكا بعد سنوات مهزومة مدحورة في شخص ترامب وتترجى حركة طالبان للجلوس معها على طاولة المفاوضات دون أن تضع سلاحها أو تتخلى عن مبادئها، وأعتقد أنه لو كان أسامة بن لادن حيا لطلبت الولايات المتحدة التفاوض معه، ولربما رشحته لنيل جائزة نوبل للسلام، بعدما جعلته على رأس قائمة الإرهاب .
وكذلك يحاول ماكرون الانتقام لهزائم فرنسا المتتالية ضد العالم الإسلامي منذ الحملة الصليبية الأولى حتى اندحارها من الجزائر، مستغلا جريمة قام بها شاب شيشاني ضد أستاذه الفرنسي، لوقف تمدد الإسلام على جميع الأنماط داخل فرنسا بل وعلى صعيد أوروبا كافة، وستخسر فرنسا معركتها الصليبية الجديدة كما خسرت سابقاتها، وسترفرف قلوب المؤمنين بالإيمان في فرنسا كما ترفرف قلوب الرهبان حتى يومنا هذا في المغرب والجزائر ولبنان بإيمانهم الذي ارتضوه، دون أن يُكرههم أحد على تركه أو ينصب لهم المشانق.
ماكرون يريد إعادة إحياء عهد محاكم التفتيش في أوروبا التي فشل في إحيائها صرب البلقان تسعينات القرن الماضي من خلال سن المذابح والمجازر.
ماكرون خلال تأبين الأستاذ الذي استهزأ بنبينا صلى الله عليه وسلم أكد أنه لا تراجع عن نشر الصور المسيئة لأن ذلك معناه المساس بحرية التعبير التي تشكل أهم ركائز العلمانية الفرنسية، وكأنه لم يعد يجد ما يهاجم به “أعداءه الانتخابيين” بعدما فشل فشلا ذريعا في تحقيق أي مكسب إنجاز يمكن أن يحسبه له من توسموا فيه خيرا للبلاد، إلا الهروب بهم في مسار الهوية الفرنسية أو “فرنسا المهددة من تنامي مظاهر الإسلام فيها”، ولا نظنه إلا سيفشل في تجنيده لفرنسا خلف خطاب كراهيته حتى لو أدخل تلك الرسوم في مقررات تدريس معاهد الرسم والفن.
نفس الخطاب تبناه رأس الشعبوية المتطرفة في أمريكا دونالد ترامب وفشل، بل وجلس إلى أعداء الأمس وأثنى عليهم وتمنى رضاهم. كان مصطلح “طالبان” بالأمس القريب رديفا للإرهابي اليوم ثم أصبح رديفا لشريك السلام، واليوم تطور المصطلح من متطرف، ظلامي، إسلامي إلى إرهابي مسلم، لكن إذا ثبت مسلمو فرنسا وأوروبا على دينهم ومبادئه ورحمته التي جعلت كل العالم يتساءل عن مظلوميتهم الآن سواء كانوا إلى صفهم أو في الجهة المقابلة لهم، فسيصبحون وقريبا جدا صانعي الأمن والأمان في أوروبا والعالم وسيرشح مليارين منهم وأكثر لنيل جائزة نوبل وليس فقط ممثلوهم.
وهنا نفتح قوسا للحديث عن تمثيلية المسلمين في أوروبا وأخص بالذكر المسلمين المغاربة. من يتحمل الوضع المتردي الذي وصلته أوضاع المسلمين المغاربة في أوروبا، وانتقال التردي إلى المعسكر الآخر الذي وجد فيهم شتاتا -وأؤكد مرة أخرى على كلمة شتات- ليجدهم فريسة سهلة وعجينة يشكلها كيف يشاء حسب هواه. فلا شك وهذا ليس سرا أن المهاجرين المغاربة منذ سنوات الهجرة الأولى لم يكن لديهم هاجس نشر الإسلام في أوروبا بل كان لديهم هاجس البحث عن العيش الكريم وإيجاد فرص لم يتحها لهم بلدهم المغرب ذو الإطلالة على بحرين عظيمين وذو الأنهار والجبال والسهول، وذو الموارد الطبيعية الكبرى لعل أهمها الفوسفاط والذهب، لكنه بلد لا يقاسم الفقراء رغيفا ولا يمنح المرضى دواء بمقابل معقول ولا يهتم بطموحات شبابه ولا يعتمد خبرة نخبه، هو بلد مسخر لبطانة معينة وفئة محسوبة على أولي الأمر فيه وليذهب الباقي إلى قوارب الموت. كانت فرنسا وكانت بلدان أوروبية أخرى حلم من لا حلم له وإيلدورادو الجائعين. لكن بعدما ترسخت أقدامهم فيها واستعادوا هويتهم الإيمانية بعد سنوات ضياع وذوبان في مجتمع مضيف، شعروا بعزلهم لهم في شكل غيتوهات منبوذة مع الوقت، دق بلد البلد الحرية واحترام حقوق الإنسان والمساواة والإخاء والحرية نواقيس العلمانية كما يزعم، فخطر هؤلاء أصبح حقيقيا، تدعمه بيانات المعاهد المحايدة ودراسات مراكز الأبحاث التي تؤكد أن المسلمين وخاصة المغاربيين ورغم حالة الضعف التي هم فيها ورغم عدم تنظيمهم وتأطيرهم بشكل صحيح، وحالة الشتات الفكري والمرجعي وتشتت كلمتهم وتفرق أحزابهم ومذاهبهم، بل وحتى تنوع لغاتهم ولهجاتهم، يمكن أن يشكلوا خطرا على علمانية فرنسا. وكيف يتم القضاء على خطرهم؟ بتأجيج أجهزة المخابرات العالمية لغسل أدمغة بعض منتسبيهم لتصنع منهم “أدوات إرهابية” تأتمر بأمرها في الوقت المناسب -والذي يا للغرابة يصادف دائما فترة انتخابات- ليوجهوا “قطيع الناخبين” وهم تحت واقع الصدمة للإدلاء بأصواتهم لتيار أوروبي متطرف يحمل من الأسماء البراقة ما لا يمكن كشفه من طرف الناخب البسيط إلا بعد تمام الكارثة.
وأعود إلى تحديد المسؤولين عن هذا التردي في أوروبا؟
لقد دخل المغرب الرسمي على خط تدين مغاربته بأوروبا بعدما اشرأبت أعناقهم إلى تجاوز رؤيته المسيسة للدين وتوجيهه نحو خدمة فكرة واحدة وفئة محدودوة استثرت من ورائه أكثر مما استثرى أصحاب البترودولار، فدين الله أصبح سلعة تباع وتشترى من طرف مسؤولين ووزارات مغربية تاجروا بها أكثر مما تاجر فيها أشخاص وصوليون يعرفون اليوم بـ”تجار الدين”، وأكثر مما تاجرت فيه جماعات وأحزاب تحسب على الدين والدين منها براء. فسياسة المغرب الرسمية تجاه الإسلام وتحديدا تدين جاليته المقيمة بالخارج وأشد تحديدا أوروبا مشتتة على عدة جهات، أولها أجهزة مخابراته التي لا ترى مغاربة الخارج إلا من الشق الأمني، وهذا تجريم محتمل لهم وتصنيفهم خطرا محتملا على الداخل وعلى أماكن إقاماتهم، وهذا ما صرح به ماكرون ويصرح به زعماء “العالم الحر” كما يسمونه، ثم وزارة الأوقاف التي لا يلمس لها أحد حضورا إلا في مراكز محدودة جدا وفي بلدان أوروبية محدودة جدا، ومجلس جالية “بوصوف” الذي ترك كل تخصصاته وانكب على الشأن الديني لأنه وجد فيه مصدرا للثروة وإحياء تنظيماته السرية القديمة، ومؤسسة الحسن الثاني التي يمكن ملاحظة هوسها بالشأن الديني على موقعها الرسمي وتصريحات القائمين عليها حول” توعية وتأطير الحياة الدينية للجالية المغربية المقيمة بالخارج خصوصا خلال شهر رمضان، عن طريق إرسال وفود من الأساتذة الجامعيين والوعاظ وقراء القرآن الكريم إلى البلدان التي يقيم فيها مغاربة الخارج، وذلك إلى جانب برنامج خاص بالأمسيات الدينية وغيرها من الأنشطة المنظمة في هذا السياق. ومزاحمة وزارة الخارجية لهؤلاء في نفس الاختصاص ومن ورائهم جميعا الوزارة المحُجبة،أقصد وزارة نزهة الوافي المنضوية تحت كنف بوريطة، وهيآت أخرى لا شغل لها إلا تمزيق لحمة المسلمين وتقديمهم قربانا ليمين بلدان إقامتهم، كالمجلس التنفيذي للمسلمين ببلجيكا في ظل زعامته الحالية، وجمعيات ونشاطات أحزاب، كلها وجدت في مرتع تدين الجالية مكانا لها سواء لابتزاز مغاربة الخارج وتسليم رؤوس من لا تقبل منهم توبة لمقاصل أجهزة مخابرات دولية حاقدة على الشأن الديني، أو مادة خامة تستخرجها لتبيعها ببخس لكل من يعرض مالا، ولو ترك كل هؤلاء الخلق للخالق لفعلوا خيرا ولقدموا للإسلام والمسلمين في أوروبا أكبر خدمة.
لم تضع الدول والهيآت الرسمية يدها على الملف الديني إلا بعد أن قام بأيدي المتطوعين البسطاء، فتم تأسيس المساجد والمراكز من مال السخاء ومن طرف نخبة مثقفة أو متوسطة الثقافة لكنها كانت ذات نية حسنة في بداية أمرها، حاد بعضها عن طريق “الدعوة إلى الله بالتي هي أحسن”، واتجه بعضها نحو الغلو والتطرف بفضل المال الذي صُبَّ عليها صبا، وأهم هذه الجهات الداعمة لم تكن تدعم الرؤية السمحة التي انطلق بها مشروع “التأسيس الديني الأول”، بل تملكته بمالها ووظفته لتصفية حساباتها مع دول وجهات دولية أخرى، حرب أفغانستان الأولى مثلا، وكانت أبرز تلك الدول العربية السعودية، تلتها إيران ثم الإمارات التي توظف ذات الاتجاه السلفي الذي اعتبرته قديما متطرفا وشاذا في صراعها مع قوى الربيع العربي التي تريد إعادتها إلى حاضرتها، يبرز ذلك في فترات وينكُس في أخرى خاصة في أوقات الفتن والحروب وما أكثرها اليوم. ونسأل مع السائلين: ما محل المغرب الرسمي ومؤسساته من رقعة الشطرنج هذه؟ بكل تأكيد الجواب سيكون: لا محل له من الإعراب.
إذا ما جدوى تحمل ميزانية الدولة المغربية لكل أعباء هذه الجهات التي تدخل أنفها في الشأن الديني ولا تفيده في شيء إلا الإثراء ونهب المال العام من ورائه، والاصطفاف كطابور خامس لدى أجهزة المخابرات العالمية لشيطنة كل معارض لها ومدرك لخطورة تجارتها، ولماذا لا يتم حلها ما دامت منتهية الصلاحية والشأن، وترك المبادرة للنخبة التي تفهم جيدا في الشأن الديني الأوروبي والمهجري، والتي وحدها تستطيع أن تخاطب المجتمع المدني الأوروبي الذي عبرت رموزه أكثر من مرة ألا غرض يرجى من وراء شيطنة المسلمين في أوروبا إلا خدمة مصالح جهات ضيقة الرؤية ضعيفة التأثير بالحجة، لم تجد أمامها لتحقيق أهدافها إلا عملاء الجهات والمؤسسات التي تضع على مداخل مكاتبها في بروكسل وباريس والرباط زورا وبهتانا عبارات التوحيد والتهليل والتكبير، وتزين مكاتبها الفاخرة بآية “الكرسي”.
وسنخصص سلسلة من الكتابات والمقالات في الشأن الديني “الأوروبي” نشيد فيها بمن يستحق الإشادة به، ونفضح من خلالها ممارسات بني جلدتنا الخبيثة، ونرفع الغموض عنها ونفك خيوطها المتشابكة، لأن السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه هو: من أشد بطشا بالمسلمين في أوروبا: ماكرون وأمثاله أم هؤلاء؟

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.