مراهقات – جميلة بالوالي

جاءت هذا الصباح مصحوبة بوالدتها بعدما تغيبت يومين أو ثلاثة عن المدرسة . كنت جالسة مع مليكة في مكتبها نتجاذب أطراف الحديث ..سألتها مليكة عن سبب تغيبها ..لم تستطع الكلام والدمع واشك الهبوط من عينيها وأصبح وجهها يميل للسمرة وخداها شاحبان بعدما كانا يشعان نورا وتوهجا ..

  أخبرتنا أمها أنها لا تدري سبب انزعاج ابنتها و اكتئابها ..لقد حاولت بشتى الطرق إخراجها من تلك الحالة ولم تفلح..أقامت لها حفلا بمناسبة عيد ميلادها ودعت إليه العائلة وبعض الأصدقاء ..ولم تفلح ! 

غادرت الأم وأخذت التلميذة ياسمين  إلى مكتبي ..أغلقت الباب وطلبت منها أن نتحدث بعدما وعدتها بأن لا شيء مما ستحكيه لي سيخرج من هذا المكتب .أنا مربية وأم لثلاثة بنات وأظنني من أكثر الأشخاص الذين يمكنهم تفهم نفسية وظروف تلميذة في سن المراهقة ..طلبت منها أن تخبرني بأكثر أغنية تحبها فبحثت عنها في جوجل وشغلتها فكانت أغنية لشيرين عبد الوهاب ” يا بتفكر يا بتحس ” .استمعنا لحن وكلمات الأغنية معا ولم تكن تتجاوز الخمس دقائق ..سألتها:

– من هو؟

– ماذا تقصدين، أستاذة ؟ حاولت التهرب في البداية.

– الشخص الذي لا يحس بك ،ولا يقدر كل هذا الجمال وهذه الرقة والعذوبة ؟ أجبتها محاولة كسب ثقتها ورفع معنوياتها..

– والله يا أستاذتي إنه شاب موظف وظيفة محترمة ويملك بيتا وسيارة و خلوق أيضا عرفته عن طريق خالتي لأنه كان يساعدني أحيانا في حل بعض التمارين الرياضية ..

– ووسيم أليس كذلك ؟وماذا وقع بينكما؟ 

– كنت أعتقد أنه يحبني ..خصوصا بعدما تحدث عن خطبتي بمجرد حلول العطلة الصيفية ..

– وبعد؟ 

– التقيت به مرات معدودة على أصابع اليد ،وكان قد نصحني بارتداء الحجاب ..وفعلا أصبحت أرتديه وخصوصا كلما ذهبت للقائه..لكن في الأسبوع الماضي ،كان ينتظرني عند باب المدرسة ..سررت كثيرا لما رأيته ..لكنه كان غاضبا مني لأنني لم أكن أرتدي الحجاب هذه المرة كما وعدته ..قال إنه لم يعد يثق بي نهائيا ووصفني بأنني خنته وخنت العهد بيننا وبأنني سوف أدخل جهنم لأحرق فيها نتيجة تبرجي وعصياني لأوامر الله تبارك وتعالى.

– كم عمرك يا ابنتي ؟

– خمسة عشر سنة .أجابت وهي منهارة ،ترتجف من شدة الألم والحيرة.

– هل سبق وأن فكرت في ارتداء الحجاب قبل دخول هذا الشخص في حياتك؟

– لا! بصراحة .

– هل نرتدي الحجاب لإرضاء الله سبحانه وتعالى أم لإرضاء الناس؟-

 – لإرضاء الله طبعا!

– إذن لا تفكري كثيرا سوف ترتدين الحجاب عندما تقتنعين به..واسمحي لي ،ابنتي ،أن أقول لك بأن ذلك الشاب لا يحبك ..لو كان أحبك فعلا لأحبك كما أنت بشخصيتك ،بعيوبك ومحاسنك . الرجال يا ابنتي ،إلا من رحم ربي، يعشقون التحكم في النساء ..لا تعطيه هذه الفرصة وإلا سوف تندمين طول حياتك .أنت ما زلت شابة في مقتبل العمر والحياة أمامك .عليك أن تركزي في دراستك وتثبتي ذاتك وتختبري إمكانياتك وتفكري في العمل بعد الدراسة من أجل الاستقلال المادي عن أي شخص آخر.أنت تلميذة متفوقة كما نعرف لماذا تهدرين قدراتك وتحطمين مستقبلا زاهرا بإذن الله من أجل زواج محكوم عليه بالفشل منذ البداية! فكري جيدا في كل ما قلته لك ..ولا بد أن نكمل حديثنا مرة أخرى ..عديني بأن تخبريني بكل جديد.

– أكيد ،أستاذتي ،شكرا جزيلا لك . خرجت من المكتب بعد أن قبلتني ..وكان وجهها يعود شيئا فشيئا لإشراقته الأولى .

  غادرت المكتب لألتحق بمليكة في ساحة الثانوية .سألتني عن ياسمين فأجبتها مبتسمة:

– الفتاة  تمر بفترة مراهقة ..وهي حساسة إلى حد كبير..

– خرجت بملامح مختلفة من مكتبك ..عقبت مليكة.

– صحيح ..كلنا مررنا بهذه المرحلة لكننا لم نجد أبدا من يفهمنا.

– آه مراهقات ..نطقناها سويا وضحكنا حتى ظهرت نواجذنا

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.