‎ الحب كما أراه – مريم عرجون

في المعنى الأول، أي في مقام المخلوق، وجد الحب في الأصل ليكون دليلا على المحبوب، وصفة لصيقة تجمع بين الخالق والمخلوق دفعا به وبالوجود بانسيابية نحو كل منابع الجمال. وهذه الصفة هي صلة عالية من الكثافة في حال العشق والترابط، وهي صبغة أخلاقية تشير إلى رباط الاحترام والتقدير بين الطرفين حسب مقامات الوجود والتواجد لكل منهما.
‎ومن أثر معجزة خلق الله للحب في حياة الدنيا، أن الإنسان مهما بلغ منه التعب ومرت به الصعاب والأزمات، ينسى كل الآلام حين يحب من أعماق قلبه، ويولد من جديد في كل مرة ينظر فيها في عيني محبوبه أو يستشعر قربه.
‎جلسة صفاء واحدة في حضن المحبوب يحكي فيها كل منهما للآخر شوقه إليه وينصت لما يدور في ذهنه ويختلج صدره، كفيلة بأن تشعر الإنسان أنه ملك سرا من أسرار الحياة الكثيرة، وملك الإكسير السحري الذي يجب ما قبله من محن وفراق ووحدة ووحشة، يتجلى بعض منه فيما غنته الست: “العمر كله في يوم وليلة”.
‎والعلم لله، لربما كان هذا جزءا من شعور دخول الصابرين إلى نعيم الجنة. حين يسأل الله عز وجل المؤمن الحمول قائلا: يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط؟؟! هل مرت بك شدة قط؟؟! ليقول له: لا والله ما مر بي شيء من ذلك قط”، والعكس صحيح.
‎هو شعور يشبه لحظة إطلالة الجنين من رحم أمه برأسه، تلك اللحظة التي تتقلب فيها حبال روح الوجود ومشاعره بين قمة الألم حتى الموت إلى قمة الراحة حتى السكينة والحنان الغامر، والذي هو بدوره إعجاز آخر فوق حدود استيعاب العقل البشري المحدود.
سر إعجازه أنه لا يقبل الوجود والترعرع إلا في أعماق تربة الزهاد القانعين والمتواضعين، ميزانهم التعلق الأعلى في لوحة للخيال، أي أنه حين يرى الزهرة تتجلى متعته الكبرى في أن ينحني بلطف ويسقيها بمنتهى اللين والرقة. هذا لأن المتلهف على الدنيا بطبعه جامد وقد يصبح قاسيا، يأخذ أكثر مما يعطي، وهو غارق في أهداف الأنا، متناسيا تماما أن هدفه الأول هو صقل الأنا فيه، وذلك عبر ربط الإنسان فيه بدرب المودة وجبر الخواطر.
‎جبر الخاطر هذه، هي رحم الحب في أصل تكوينه الأول.
‎على سبيل المثال، خلقنا جميعنا أحرارا، لا أحد منا يمتلك أحدا، لا أحد منا يحتكر أحدا، ولا أحد يملك حقا في فرض شيء على أحد غيره، أو ينتقص ما عنده، لأن أي أحد هو كل أحد في الوقت نفسه.
‎فما الذي يجعل رجلا في دائرة التزام عاطفي أو اجتماعي بسيدة ما، وهو على سفر طويل مثلا، يقابل فيه الأجمل منها والمختلف عنها، وسواء عرضت هي نفسها عليه بدلال، أو سال لعابه هو عليها وبدأ يقفز يمينا ويسارا في كل الدروب لكي يحظى منها بإذن القرب.
‎كنظرة قشرية جامدة للمشهد، لهذا الرجل مطلق الحرية في خوض التجربة وإطلاق العنان لرغباته ونزواته، فقد قلنا أنه لذاته، وأنه كيان مستقل، وأيا ما كان قراره، فليس في الأمر مخادعة أو خيانة لأحد. لكن هذا بمعايير، حدودها النظرة المادية الإسمنتية أو الصدئة للأشياء. فحين نعبر لدولة معايير الروح والنظرة الخام للجوهر، فهو السقوط في قاع الفقدان. ‎هذا لأن السيدة البعيدة هي محك القيم العميقة، وهي معاني لرباط الاحترام الذي يلخصه تقاسم المشاعر عبر العطاء الصافي والخالص لذاته، وهذا الأخير أصيل ينهمر بشكل متوازٍ مع درجة مستوى الشفافية ووضعها في تقديرها الصحيح. والذي يحدث في حالة قرر الشريك البعيد تقاسم تفاصيله مع كيان آخر، هو أن ينتج في الأفق نوعا من ظلام الظلم، أو ما يسميه الناس خيانة، التي لب مضمونها هو كسر الخاطر، خاطر الصفاء الذي هو موصول بحبال التجليات الرحمانية، وهو من إعجاز إبداع الصدق.
لذلك لا يعقل أن يضيع المرء أنفاس الحب والقيم بنزوات ومفاسد الأخلاق، أو يخون برعونة التطرف في التقدير الناتج عن الأنا العمياء، فيقع في مأزق الإخلال بميزان القلب، الذي يعتبر عقل الأخلاق وضابط الاعتبارات. نعم الإنسان حر لكن خارج عهود الثقة، والثقة هي التي تعود بنا إلى فتح درب الحنان الغامر الذي فيه سر الحياة.
ومن عجائب التركيبات النفسية التي خلقها الله، نتاج فرط الحنان حين يلتقي النموذجان بعد طول غياب وشدة شوق، فكلاهما متعلق بالآخر.
‎النوع الأول متمرد مختال بنفسه، مر بالدرب الحنون أول حياته وأصبح خالي الوفاض، فظن أن وجوده أمر معتاد، وأنه في طريقه نحو الذروة بتوقعات عالية وهمية. فيكون نصيبه أن يحيا بائسا يائسا محبطا، يتنقل بين خيبة وأخرى في بحث مضنٍ لا يسمن ولا يغني من حب، وحين يدرك عماه، لا يجد له قرارا سوى الذكرى والحسرة، وحياة معلقة بين ندم وتشرد.
أما ‎النوع الثاني، فيحيا في نمطية الجودة المحدودة، بل وفي ساحة اللاجودة، من أنانية وقسوة وإهمال، وتحمل وتضحية من قبله، فيحدث أنه حين يلتقي بالحنون تتحطم أحزانه ومخاوفه ويتبدد قهره بدون عناء وباستسلام تام، على أعتاب السكينة والاطمئنان والسلام وكل المعايير التي تحترم ذات الإنسان. لكنه ما يفتأ أيضا أن يشعر بالحسرة، لأنه أصبح كالمعلق، ينادي ظمأ الإنسان فيه باستمرار: هل من مزيد؟
‎وسواء المعلق الأول أو الثاني، فكلاهما معلق في رحمانية كنز الوجود: “سر الحنان”.
وخلاصة السحر، أن الاحترام وحده ضابط معنى وجود الحب في عالم الصور وعالم الوجود، وهذا هو المعنى الذي يدفعني دوما للبوح، أنا المخلوق الذي يستوطنوني من هبت منه نفحات الخُلُق، ويذيبني صاحب الأدب، ويحييني غنائي بالحب وهو ديدن وجودي.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.