الصورة الأولى : “تحت الخوخة” __ ذ. عبد العالي بنحريمة

الصورة الأولى :

“تحت الخوخة”

  كان السي البشير الفقيه السباعي سيد الرياض بامتياز ، الكل يحسب له ألف حساب ، الأمكنة تحسب خطواته ، تهمس بلغته البيضاء أركان فضاء الرياض تارة ، وتنزعج برجات صفائحها حينا آخر وهو يتلمس جدرانه الأربعة، ذهابا وإيابا ، واضعا معصمي يديه على أسفل ظهره ، يردد آيات قرآنية بصوت خافت ، بلغته تراقص غيمات الطل المتساقط من وريقات شجيرات الليمون الثلاث، يتوقف تحت ظل غصن من أغصان شجرة الخوخ ، وكأنه يستجدي ابتسامتك أمي لحنينة ، يتوجس عطفك، بكبريائه وأنفته المعهودة الصارمة، في غفلة عنك ، تحدوه لحظة لأداء نافلة قبل التوجه إلى مسجد باب هيلانة ( رك الجامع أو ما كنا نسميه جامع مولاي علي الشريف ). تتبعه لحنينة أمي بين يديها إناء الغسيل( الطاس ) وإبريق الماء الدافئ ( المقراج) . على كتفها منشفة من الثوب الإسفنجي( فوطة) لمسح قدميه المبللتين بماء الوضوء الأصغر ، ليتوجه نحو محراب الصلاة الممشوق وسط القبة ( الصالون ) وكأنه سلطان زمانه ……..
أستفيق فجر كل يوم على صوت حنحنته التي تعودت عليها ، وأنا لم أبرح بعد سن السادسة من عمري ، لنتوجه كلانا إلى مسجد مولاي علي الشريف، والهلال لا زال يردد تهاليله، ولازمته : ….. عباد الله قوموا لا تناموا .. الصلاة خير من النوم…..هذا وقت الصلاة . الصلاة خير من النوم…. ينطلق صوت أذان الفجر عبر مكبر الصوت الدائري المربوط بحبل إلى جامور المئدنة، يدفر ضلعي الأيمن بسبابته لأسرع الخطى ( هز رجلك ؛ طلق راسك ؛ سربي ) ، قبل إقامة صلاة الفجر، وتأدية صلاة تحية المسجد …. نسيم الصبح يدنو منا نحن الاثنين، وحيدين نهرول المشي بالزقاق الطويل ، صوت حفير بلغته المؤنس لعذابي المعتاد المألوف ، بين التوجه للمسجد، وتحركاته، وتنقلاته بين الرياض وحانوت البقالة التي دأب على افتتاحه بعد صلاة الفجر من كل يوم ؛ كان سيد تجار أصحاب البون الخاص بالسكر والشاي……
ما يحز في نفسي وأنا الصبي المغتصبة طفولته، أن توقظني حنحنته القوية، الصاخبة لأقفز مسرعا نحو المرفق الصحي السفلي، أستعد للوضوء وارتداء الجلباب الصوفي ، الذي لم يبارح طفولتي. بعد الانتهاء من صلاة الفجر ، وقراءة الحزب من طرف ثلة من الفقهاء في شكل دائرة بالقرب من محراب المسجد ، أركن إلى ركن من أركان المسجد ، أتحسس النوم الذي لا يزال يراودني ، تختتم قراءة الحزب بسورة الفاتحة ، والدعاء ، ينفلت الفقيه السي البشير السباعي مهرولا نحو حانوت بقالته ليستفتح بأول زبون يطلب خبزا وحليبا أو أي مادة غذائية.. أتوجه أنا إلى لمسيد ( لحضار ) المجانب باب مدخله للمسجد الكبير ، الفقيه / الطالب كما اعتدنا مناداته السي عبد الله السباعي يتبعني متبخترا بجلبابه الأبيض الناصع يوما ، والرمادي حينا آخر، مزهوا بقلنسوته، مغطاة بثوب طويل من القماش الأصفر ، (الشان الشرقاوي) . يمد يده إلى جيبه، يناولني مفتاح باب لمسيد / لحضار ، ألج بسرعة البرق عمق لمسيد ، يشدني اللوح المطرز بالسمغ ، أستظهر ثمن الحزب في بداياتي الأولى، ونصف الحزب عندما اشتد عودي إلى حدود الساعة السابعة من كل صباح. صهريج صغير قرب باب مدخل لمسيد / لحضار ، يتسابق الطلبة / لمحاضرية لمحو لوحهم ، وطليها بمادة الصلصال ، ليخطها الفقيه السي عبد الله بخطه الباذخ ثمنا أو ربعا أو نصف حزب جديد حسب مستوى قدرات المحضار ، وإدراكه الذهني وقدرته على الحفظ والاستظهار ، وحفظها في المساء بعد العودة من المدرسة الابتدائية، واستظهارها على مسامع والدي الذي غالبا ما يمدد مقلتيه نحو أغصان شجيرة الخوخ ، يستنشق ابتسامتك الدافئة ، وكأنه يتوسل اعتذارا لك من سلطته الرمزية ، وأنا جالس القرفصاء بالركن الغربي في فناء الرياض، عكازته لا تفارقه، لتقفز على أي مكان من جسدي في غفلة مني إن أخطأت لعراضة/ الاستظهار ……
يحز في نفسي وأنا الطفل الصبي/ المحضار / التلميذ / المساعد له في حانوت البقالة… سيد العائلة لم يكن يطيق أن أسجل بالتعليم العصري، أو تسجلني لحنينة أمي ذات الابتسامة الدافئة الفياضة حنوا ورقة بالمدرسة العمومية ، لكن إصابته بمرض ضعف القلب ؛ وإجباره على تتبع حمية قاسية جدا ،خاصة تناول الطعام بدون ملح؛ أضعف قوته الجسمانية وخارت قواه؛ سهل مأمورية تسجيلي والتوأم أختي السعدية رسميا حسب وثيقة الحالة المدنية ، سعيدة بيننا نحن الأخوة تحبيبا لها ، بعد أن تجاوزنا السن القانوني للدراسة بنحو ستة أشهر……
اليوم كله أقضيه في هذه الفضاءات التعليمية والتربوية والاجتماعية ( الرياض _ لمسيد/ لحضار _ المدرسة الابتدائية _ حانوت البقالة )
أكتسب القيم والتربية وبعض السلوكات والقناعات…. ..
ما كان يحز في نفسي أكثر ويؤلمني وأنا طفل ، شيطنة الطفل الصغير فينا أو كما تناديه لحنينة أمي بآخر المصران أو ب( بوريال) لاعتياده الذهاب إلى لحضار وفي قبضة يده ريالا تناوله إياه خفية عني..
عبد اللطيف الأخ الأصغر في العائلة كان شيطانا بامتياز ، شيطنته تنعكس في حركاته وانفعالاته وأفعاله وأقواله، .. حين أجبره على الذهاب إلى لمسيد / لحضار وهو في سن الرابعة من عمره يتشيطن في هروبه من لحضار ، وأنا منهمك في استظهار اللوح على الفقيه الطالب السي عبد الله، ينفلت كالبرق مقوس الظهر من تحت نافذة كبيرة تتوسط لمسيد / لحضار.. في اتجاه ملعب لكرة القدم تسمى الدصيصة بالقرب من ضريح مولاي علي الشريف.. كان الشيطان شغوفا مولعا بلعبة كرة القدم ، يداعب الكرة المستديرة حافي القدمين بمهارة عالية. المواظبة على الذهاب إلى لمسيد لا تعنيه في شيء، شيطنته تزداد حيوية حين يعكف على التجول بساحة جامع الفناء وسوق السمارين والرحبة القديمة ، بعد أن اصبح يرشد السياح الأجانب بشكل غير قانوني ( كاماني)، لتتطور أكثر بعد أن أصبح مرشدا سياحيا بشكل رسمي يتوفر على وثيقة رسمية تثبت هويته المهنية..
لحنينة أمي والبسمة الراقية لا تفارق محياها ، لم تتوان في تسجيل الأخ الأصغر عبد اللطيف بمدرسة القاضي عياض الابتدائية ، وهو لم يبلغ بعد السن القانوني للدراسة، حيث قضى بها سنة واحدة ليلتحق بمدرسة أكدال المعروفة بشجرة التوت ، والتي لم تسلم من هجوم الأطفال على ثمارها، ودود قزها.. مرحلة سينطلق معها الشيطان في تطوير مهاراته وإبداعاته الطفولية حتى حصوله على الشهادة الابتدائية ، والتي ستؤهله لعلاقات طفولية جديدة وراقية ، وهو يلتحق بإعدادية ابن البناء بعرصة المعاش ( مدرسة يدرس بها أبناء أعيان المدينة / لغنادر ) وتلك مرحلة أخرى من حياة الأصغر منا ……
الجمعة 04/ 08/ 2020
يتبع..

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.