معجزة الكتابة – شكوح عزوز

تجربة الكتابة تجعلك في مواجهة مباشرة مع شتات نفسك، مع بحر أفكارك وذكرياتك المتلاطمة، فجرب أن تكتب بعنف للقبض على تفاصيل حياتك، وأسر جياد أحلامك الجامحة، لتعيد ترتيب عالمك الداخلي الفوضوي المبعثر، ولكن قبل ذلك خذ نفسا عميقا وركز في ألوان شريط ذكرياتك، وانطلق إلى عالم الكتابة الفسيح.
ستكتشف أنك ربما بالغت في تبخيس نفسك، وربما بالغت أيضا في مخاوفك، حينها ستستطيع ترتيب أولوياتك، وتصحيح صورتك عن نفسك وعن الآخرين، فالكتابة هي مفتاح أسرار شخصيتك الغامضة والمبهمة.
حين تكتب ستستنفر جيوش أفكارك، لمواجهة جيوش أسرارك، ستدخل في معارك ضارية مع نفسك، مع كتائب أعماقك التي تسعى دائما لهزمك في أول مواجهة.
قد تستسلم في لحظات ضعفك، وتنهار مناعتك الذاتية، في سبر أغوار نفسك، وكشف أسرارها، لكنك بعزيمتك الصلبة حتما ستنتصر في النهاية في حل لغز عالمك الداخلي، وستذهل من قدرتك على خلخلة عمرانك النفسي المتهالك، لأنك ستكتشف حجم الخراب المنتشر في داخلك، وهشاشة البناء العشوائي الجواني الذي يشوش صورة ماضيك وحاضرك ومستقبلك.
ربما تكتشف أنك كنت دائما القائد المنتصر، ولكن كان في إمكانك أن تخوض معارك أخرى ترددت في خوضها، تحت تأثير ظروف ما أو أشخاص ما سلبيين منهزمين نفسيا، كان بالإمكان أن تغنم فيها نجاحات باهرة أخرى، فلا تبخس نفسك حقها، وأنزلها منازلها الراقية بالتعبير عن ذاتك.
يكفي أن تكتب لتدرك حجم خسائرك، وحجم أوهامك، وربما زيف أحلامك. أكتب أي شيء عن نفسك، عن طفولتك أو شبابك،عن أحلامك المجهضة، عن تجاربك الفاشلة، عن خططك المحبطة، عن كل نقطة ضعف هوت بك في مهاوي اليأس والتشاؤم والقنوط، ومدارات التخلف والإندحار والسقوط.
حتما ستكتشف في نفسك إنسانا آخر، لاتنقصه إلا العزيمة والصبر والتقدير لينتصر في كل المعارك، ولا تعوزه إلا الثقة‏ بالنفس ليحقق نجاحات كبيرة، ولا يحتاج إلا لدفقة أمل ودفعة تفاؤل، ليقضي على جيوش التشاؤم ‏التي تقاتله في كل خطوة يخطوها، ويسحق كل ما يحبطه ويجعله متشائما، مستسلما لكل المشاعر السلبية والأفكار التي تسمم حياته.
خذ الكتابة بقوة، وحارب على كل الجبهات، ولا يهمك مضاء الحروف وحدة الكلمات، ولا تحدث نفسك بأنك لست ماهرا في التعبير عن حياتك، أو أنك لا تملك ناصية اللغة لتعبر بعمق عن ذاتك، وتفصح عن مشاعرك وأفكارك وأحلامك.
حاول أن تكتب أي شيء يخطر على بالك، ‏ستتفاجأ أنك قد كتبت سيرتك الذاتية دون أن تشعر، وستجد نفسك تتغلغل في أدغال شخصيتك حرفا حرفا، حينها ستتسع زاوية النظر إلى كيانك الداخلي، وسترى عقلك الباطن، ونفسك الأمارة بالفشل والإحباط والتشاؤم في أوضح صورة وأوسع مشهد.
هنا يمكنك أن ترى الوجه الآخر لشخصيتك المستترة، وبفعل التعبير هذا ومعجزة الكتابة هذه تستطيع فعلا ترميم ذاتك، أو إعادة بناء شخصية قوية من جديد في مستوى تطلعاتك وذكائك وعبقريتك.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.