قسوة الأقدار وخلود الذكرى! – د. محمد الشرقاوي

يعتصر القلب حزنا وتضيق النفس آسى في مواساة صديقنا البشير حيمري وعائلته في الدانمارك والمغرب في فقدان ابنه نضال، ذي الثالثة والعشرين من العمر، إثر حادث سير في كوبنهاغن صباح اليوم. هي لحظة تفوق كل عقلانية أو منطق الحياة برمّته عندما تخطف الأقدار شابا مفعما بالحيوية والطموح لاستكمال دراساته العليا وتحقيق ذاته بين الجيل الجديد من المغاربة المغتربين في العالم. وكما يقول أحد الشعراء:
لكلّ نفسٍ وإنْ كانتْ على وجل
من المنيّة آمالٌ تُقوّيها
المرءُ يبسِطُها والدّهر يقبضُها
والنّفس تنشرها والموت يطويها!
لكنّ في رحيل نضال حاجة لا ينبغي أن تغيب في لحظات الحزن التلقائية وهي أن نستلهم من اسمه ومن حياته القدرة على “النضال” ليس في بكاء فراقه فحسب، بل وأيضا في تخليد ذكراه ومواقفه وأحلامه لتبقى الروح معنا تطلّ من عل وإنْ غادرنا الجسد إلى الدار الأخرى. هو نضال القلب والروح والعقل معا عندما نعانق أبا نضال وأمّ نضال في لحظة تضامن روحي وعاطفي بما يتجاوز هذه اللحظة الحزينة، وأن نكون جميعا ممّن يحتفون بحياة نضال وابتسامته المعبّرة عن صدق المشاعر ونبل الأخلاق وشهامة القلب.
وكما قال صديقنا عبد العزيز سارت في بروكسيل: “لا تسعفنا الدموع ولا الكلمات اليوم للتعبير عما يخالج قلوبنا وذواتنا من حزن وأسى عميقين أمام نعش شاب في مقتبل العمر تخطفه المنية غصبا في يوم عيد الأضحى”.
في هذه اللحظة المؤلمة، نشعر جميعا بقسوة الأقدار عندما يطرق الخبر المحزن أبواب بيوتنا أو يأتي نذيرا عبر سماعات التلفون بين المسافات البعيدة. فيثير فينا السؤال عن متاهة الهجرة إلى أوطان بديلة وإلى أحلامنا الأولى وأحلام نترقبها في مسيرة أولادنا وبناتنا. قد تحرّك اللحظة فينا مشاعر رمادية وذكريات تلحّ في سرعتها بين الأزمنة، وقد تتعثر اللغة في التعبير عما يخالجنا إزاء هذا المصاب الجلل لأخينا وصديقنا البشير وعائلته الكريمة. ولا أجد في رثاء نضال أفضل من لغة الشعراء ورهافة الحس الأدبي:
حكمُ المنيَّة في البريَّـة جـارِ
ما هذه الدنيـا بـدار قـرارِ
يا كوكباً ما كان أقصرَ عُمـره
كذا تكون كواكبُ الأسحـارِ
عجل الخسوفُ عليهِ قبل أوانهِ
فمحاه قبـل مظَّنـة الإبـدارِ
فكـأنّ قلبـيَ قبـرهُ وكأنَّـهُ
في طيِّه سـرٌّ مـن الأسـرارِ
درّتْ عليك من الغمام مراضعُ
وتكنّفتك من النجوم جوارِي
رحمك الله، يا نضال ومُلهمَنَا في النّضال!
وبشّر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.