ماذا يقول شارل داروين في أصل جمال الدبّوز؟ – د. محمد الشرقاوي

لم تكن فلتة لسان عابرة أو عبارة طائشة غير مقصودة، بل نكتة سابقة التركيب بعناية في ذهن هذا المهرّج عندما قال في أوج ما بدا له لحظة نجومية سانحة أمام الكاميرات إنّ تصرف المغاربة المسافرين من أوروبا نحو المغرب عبر إسبانيا “كتصرّف البقر الوحشي (les gnous)، وأن همّهم الوحيد هو استخدام دورات المياه لقضاء حاجتهم في محطات البنزين بالمجان.” كانت لحظة استهزاء بالذات المغربية واحتقارها بشكل مقصود كقطيع متوحّش يرمي إفرازاته وقاذوراته خلال موسم الهجرة إلى الجنوب. هي لحظة انطواء طوعي وانكسار معنوي عندما يتلمس الدبّوز الرضا بين المسود والسيد، وينفخ في ريش المصفقين له من “نبلاء باريس” المتشبعين بعقدة “التفوق” الاستعمارية التي يجترّونها منذ حكم الحماية في المغرب منذ 1912.
في المقابل، قد ينفع جمال الدبّوز برمته أن يكون عينة مختبرية لدراسة تطوّر جيناته وأصله الأنثروبولوجي في أي مختبر يريد تجديد نظرية شارل داروين، ومعرفة مدى القرينة العضوية والتاريخية بين الدبوز والقردة. وقد يختلف العلماء في الرأي عند تفكيك جينات الدبّوز بشأن فرضيتين مرتقبتين: هل جمال الدبّوز من فصيلة الغوريلا أو البابون، أم من فصيلة المكاك صغيرة الحجم، أم فصيلة العواء وفير الشعر البنيّ على جلده. وهذه فرضيات غير مستبعدة تتماهى مع شكل الدبّوز ودوره كمهرّج السيرك في جلسة التلفزيون، وقد يكون ظاهرة بيولوجية مخضرمة تؤسس لداروينية جديدة Neo-Darwinism!
هي لحظة تختزل أيضا الكثير عن التركيبة النفسية وتجليات القوة في كولونالية الذهن، أكثر من استعمار الأرض أو سلب الموارد الطبيعية، لدى أكثر من جمال الدبوز وسائر المحتمين بإيماءة رضا من الأسياد الفرنسيين. تنطوي نكتة الدبّوز على معضلة نفسية وثقافية هي التشبع بمركب الدونية واحتقار الذات. ولا يبدو أنه طالع كتب فرانز فانون مثل “بشرة سوداء وأقنعة بيضاء” و”معذبو الأرض”. وأستحضر أيضا كتابات مثقف يهودي تونسي هو يمیم تربلأ أو Albert Memmi الذي ترعرع في تونس ودرس الفلسفة في الجزائر وفي السربون في باريس، وعانى مشكلة التمزق بين ثلاث ثقافات في الأربعينات والخمسينات. من أشهر كتابات “المُستعمِر والمُستعمَر” The Colonizer and the Colonized التي نشرها عام 1957 وكتب مقدمتها جون بول سارتر.
قد يجد جمال الدبوز وأمثاله في هذه المؤلفات بعض التنوير الفكري والتعافي النفسي من معضلة الدونية المتواترة بين أغلب الفرنكفونيين!

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.