قراءة في رواية “شيشنق، الأمازيغي الذي اعتلى عرش مصر” للشاعر والروائي أحمد حضراوي – ذة. جميلة بالوالي

ليس من السهل كتابة رواية تاريخية، فالأمر يتطلب دراية واسعة لا بالشخصيات وتركيباتها وأدوارها التاريخية فقط.. بل وأيضا ببنية المجتمع وأحوال الناس أثناء الفترة أو الفترات التي يختار الروائي وضع الشخصيات التي يتحدث عنها فيها.
وليس من السهل أيضا تقديم شخصيات تاريخية للقارئ وإقناعه بتقبلها في جميع تحركاتها ومغامراتها بل وحتى في أدق تفاصيلها.. إلا إذا كانت لدى الروائي ثقافة موسوعية تاريخية، اجتماعية، سياسية، اقتصادية وفلسفية..
فإذا كان المؤرخ يكتب ليصف الوقائع والأحداث كما قرأ أو سمع عنها ليوصلها إلى القارئ كما حدثت بالفعل، فإن الروائي إضافة إلى هذا كله، يقدم للقارئ شخصيات تاريخية متميزة معتمدا في ذلك على تحليل كل شخصية على حدة حسب مكانتها في المجتمع، وحسب البيئة التي تعيش فيها والتقاليد والعادات التي تحكمها..
وهنا يكمن سر إبداع الروائي، فهو يطلق العنان لخياله الواسع الذي يسمح له بالتجول في كل تلك الأمكنة والأزمنة الغابرة، ليستطيع في نهاية المطاف تقديم رواية تاريخية في حلة جديدة مليئة بالتشويق والإثارة.
وما من شك أن الكاتب أحمد حضراوي استطاع في روايته شيشنق: الأمازيغي الذي اعتلى عرش مصر، أن يعيد كتابة التاريخ في حلة روائية جميلة ومشوقة تجعل القارئ لا يملها لأنها لم تعد جامدة جمود الشخصيات والأحداث التاريخية التي نقرؤها في كتب التاريخ.
وكما هو حال الكثير من العظماء، تبتدئ قصة شيشنق قبل ولادته مع الهاتف الذي يكلم الأم “تنتسيبة” من وراء الجبل، ليحدثها بأن المولود سيكون ذكرا وسيكون له شأن عظيم..
يكبر الغلام بسرعة ويشتد عوده ويظهر يوما بعد يوم بأنه ليس شخصا عاديا وبأن أمرا جللا وخطبا عظيما سيتحقق على يديه.. ولا تتحقق الأمور العظام إلا بالعقول العظيمة والقلوب الراقية، من أجل هذا يسافر شيشنق إلى أثينا ليعود بقلب وعقل جديدين، عقل للتفكير وقلب للتأمل. يقول شيشنق: إن التفكير هو الحياة، وتعطيل التأمل هو الموت “أفكر إذاً أنا موجود”.
عاد شيشنق من أثينا بعدما نهل من علومها المختلفة، فلسفة وعمارة وهندسة.. وكان يأمل في أن يساهم في تغيير بلاد الفراعنة المبنية حضارتها على الاستعباد وصدى السوط فوق ظهور متقرحة من شدة الضرب والانحناء.. لكن وبعدما حاول إقناع مجلس الكهنة بنظريته الجديدة المبنية على العقل والمنطق لا على القوة وحدها، فوجئ وهو يطرد ويُتابع ويطلب رأسه لولا تدخل “تينشيف” ابنة الفرعون لإنقاذه.. وأثناء مداخلته في مجلس الكهنة والأعيان هذه، كان الكل يندد بأفكاره -عدا بعض الأمازيغ- ويرددون “أمازيغي” غير مدركين أن الكلمة تحمل معنى” الرجل الحر”، وبأن الأمازيغي لا يمكن أن يرضخ للذل والعبودية أبدا..
من هنا تبدأ رحلة شيشنق نحو التحرر والمجد، وسيكون لتينشيف دور مهم في هذه الرحلة، وتتلخص فلسفة شيشنق في القولة التالية: إن الحرب ليست مجرد كر وفر وليست مجرد هزيمة ونصر، هي فكرة مقابل صخرة، الفكرة إذا آمن بها المرء الحر لم تتزحزح عنه ولم يتزحزح عنها ولو فصلت رأسه عن جسده. أما الصخرة فيكفي سوط يرغم عبدا ذليلا ليحملها، حتى يدعي أنه قد صنع منها معلمة قد ينقلها عبيد غيره غدا ليصنعوا منها شيئا آخر!
وسيثبت بطل الرواية، بمساندة حبيبته تينشيف التي تحررت بالكامل من سلطة وجبروت أبيها لتنضم لشيشنق والأمازيغ في حربهم ضد الطغيان، أن التحرر يبدأ من العقول والقلوب قبل أن ينتقل إلى السيوف والقوة.. وهكذا تتخلل أحداث الرواية قصة حب رومنسية عفيفة بين البطل والبطلة.. فشيشنق الفارس النبيل الذي يجمع بين حسن الخلق وشجاعة الفرسان، اختطف قلب ابنة الفرعون تينشيف قبل أن يستولي على عرش أبيها..
ولقد رسم الكاتب ملامح شخصية غير عادية لبطله، بطل يُتنبأ به قبل ولادته وكأنه نبي منتظر لتحرير الناس من جبروت الفراعنة، وكان لابد من أن يكون الحاكم الجديد لضفتي نهر النيل كائنا متميزا، قوي وحازم وقت الشدة ومحب، متفهم وراق في مشاعره تجاه الحبيبة والأهل وكل من يسانده في رحلته نحو التحرر من جند وقواد حرب وكهنة وحكماء.. وبما أن الظلم والطغيان مصيره حتما الانجلاء والزوال فقد التف الأمازيغ الأحرار حول “نبيهم” الجديد، والتحموا جميعا من أجل القضاء على جبروت الفراعنة. وكان انضمام أمازيغ الشرق والغرب وحتى من كان بهيننسو، من الأمازيغ الذين تخلوا عن ولائهم للفرعون وساندوا شيشنق للرحلة، هو من قوى وشد من عضد البطل.. ولقد زاد تخلي تينشيف عن أبيها والتحاقها بشيشنق في برقة من قوة هذا البطل الخارق الذي أثبت أنه يتقن فنون الحرب والحب معا. فهو الذي أسر قلب الأميرة يوما بعد يوم وجعلها تقف إلى جانبه ضد أهلها وعشيرتها.. لكن وبعدما حاصر شيشنق هيننسو واتضح جليا للفرعون الذي خذله جنوده بجبنهم وفرارهم من الحرب، أنه لا محالة مغلوب تدخلت زوجته وابنته باتفاق مع البطل الأمازيغي الذي طلب الأميرة للزواج.. فانتهت الحرب بالسلم والتعايش كفا لإراقة المزيد من الدماء وتكريما لتينشيف التي ضحت بكل شيء من أجل حبها للفارس الشجاع من جهة، وسعيا وراء تحقيق العدل وإنهاء زمن العبودية.
ولا بد من أن ننوه في الأخير بالروائي أحمد حضراوي وبثقافته الموسوعية ورؤيته الشاملة المحيطة بكل جوانب التاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع والفلسفة، والتي جعلت من الرواية تحفة فنية بكل المقاييس. فليس شيشنق بطل الرواية فقط من درس الفلسفة، بل يبدو أن الكاتب أيضا مر ببيت الحكمة والحكماء قبل أن يؤلف روايته.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.