يوميات صيدلاني : عروس.. يا رب “1” __ سيد نصر

عروس .. يارب

  تخرجت من كل الصيدلية، وأديت خدمتي في الجيش، وكان حظي جيدا لأني كنت الوحيد من دفعتي الذي أدى عاما واحدا كعسكري، وباقي الدفعة ثلاث سنوات كضباط، ولم تكن لي واسطة إلا الله.
كانت فرحتي وأنا أستلم شهادة إنهاء الخدمة العسكرية كبيرة، بالرغم أنها كانت جيد فقط، وليست قدوة حسنة أو حتى جيد جدا ….
ولكن لايهم لأنني لن أحتاجها في أي وظيفة، فقد فتحت صيدليتي بمشاركة بعض أصدقائي الأغنياء، وياليتني لم أفعل، فقد كانت البداية ضعيفة، وظللت أعاني من ضعف البداية.
وبدأت رحلتي في البحث عن عروس، لأن أصدقائي الأشقياء كانوا يظنون بي الظنون عندما أخبرهم أنني لا أفكر في موضوع العروس حاليا. ولكني كنت أريد أن أسدي لأمي وأخواتي بعض الجميل في وقوفهم بجانبي،
بتقديم حاجتي عن حاجتهم.
المهم .. أول من بحثت عنهن ذات الدين.. كان لي صديق عينه زرقاء، وشعره أصفر، وكانت له أخت في سن الزواج، فقلت لأختي الكبيرة اذهبي وانظري إليها، ولم أزد على ذلك…
وفعلا لم تكذب خبرا، فلم تكتف فقط بالرؤية… ولكنها حددت موعد الخطوبة، والفرح، وكتب الكتاب، وحتى عدد المعازيم، وأسقط في يدي..
وجاءت مستبشرة متهللة، وقالت فيها قصائد شعر عن جمالها، وأدبها، ووفور عقلها.. وحددت لي ميعاد الزيارة،
وذهبت وتألقت في مظهري وملبسي، واصطحبت معي هدية صغيرة من عند الحلواني.. وخرجت وأنا ممتعض،
فهي لا تكاد تكمل جملة واحدة، وكأنها كانت تنتفض، لعله الإحراج، ولونها أصفر قليلا، يمكن بلهارسيا قديمة !!!
المهم دخلت على أختي مغضبا، وقلت لها : أصلحي ما أفسدت، فلن أخطبها ولن تكون لي زوجة ؟؟
وبعد فترة حدثت المفاجأة التي أخرستني، وأفقدتني الكلام، واذهلتني… أم العروس !!!
فبينما كنت آكل أنا وأختي وأمي في بيتنا الريفي، حيث كانت صيدليتي، إذ دق الباب وذهبت لأفتح، فإذا بأم العروس بالباب.. فلم تكتف بأن تنتظر ويأتيها الرد، ولكنها تجشمت مصاعب الطريق، والمواصلات الشاقة.. حتى فاجأتنا بحضورها، وكأن الجميع قد حط على رأسه الطير.. وساد صمت رهيب، وأشفقت على صداقتي لابنها، وصداقتها لأمي وأختي.. واستجمعت قوتي وقلت لها : ياخالة أم أحمد، ابنتك أختي، وكل شيء قسمة ونصيب.
وكأني طعنتها طعنة نجلاء.. فدمعت عيناها، ودعت وتحسبنت.. وولت هاربة لا تلوي على شيء.
ولكنها تركت ندوبا عميقة في نفسي ..
لماذا لايؤخذ الموضوع ببساطة ؟ ولماذا يؤخذ على محمل الإهانة والكبر، وتنقلب المحبة إلى عداوة مستعرة، ونار تحرق كل أخضر ويابس ……!!!!!!!!!
وعزمت في المرة الثانية أن أتروى في الرد، فلا مانع أن أراها مرة، أو مرتين وثلاث، أو حتى أخطبها.. وقد تبين لي بعد ذلك أن هذا كان خطأً جسيماً، وعرفت أنني تلاعبت بقلوب بريئة كثيرا، وتلاعبت بي كثير من النفوس المريضة.
المهم جاءني أحد الأصدقاء، وقال لي هل لك في فلانة..
ويتكرر التدليس والنفاق، وبدأ ينشد قصائد المدح فيها،
وأخذت موعدا، وفي هذه المرة ذهبت بمفردي حتى يكون قراري من أم رأسي.. وبعد التسليمات، وشوشرة الحضور، حضرت العروس، وتشوشت الصورة في نفسي.. وسألني صديقي : ما رأيك ؟
قلت لم أرها جيدا، وذهبت الثانية والثالثة !!!!!!!
وفي المرة الرابعة كانت مباراة مصر وهولندا، فتعادلا وساد جو مرح، وتغلبت العاطفة، ولبسنا الخواتم (الدبل)
ها أنت الآن قد ألبست الخاتم .. فما الذي يجثم على صدرك، وضاقت عليك الأرض بما رحبت، وتتنفس كأنك تتنفس من سم خياط ؟.
لست أدري مالذي اعتراني واعتراها.. وكما يقولون : (إذا زاد القرب قل التكلف)، وطبع النفوس يغلب..
فهى عصبية تنتابها موجات شديدة من الغضب.. تتلذذ بفقع حب الشباب االذي في وجهها ……!!!!!!!!!!!
لا تجيد الكلام إلا في الأهلي والزمالك وفقط، وتتناول بعض العقاقير أظنها مهدئة.. وقبل أن أتخذ القرار الصعب.. جلست مع نفسي :  هل هو الحب الأول؟؟؟؟
ومالذي أفعله حيال ذلك ؟
أصابها مرض وماتت.. ولكنها مازالت حية بين ضلوعي….
لو كانت حية الآن لطلبت منك أن تتزوج.. حاولت المرة تلو المرة أن أحب غيرها..
فما نسيت عيونها الجميلة، وصوتها الدافئ الحنون..
إذن ما هو قرارك الأخير ؟ أجبت : لا أستطيع أن أستمر..
فشل قريب ينسى مع الزمن، أفضل من نكد دائم، وأطفال معقدون… ولا أحب أن أجني عليها.
واسترحت لهذا القرار راحة عجيبة، برغم الكدر الذي حدث من الاستعطاف والاستجداء والدموع، ولكني أخذت قراري، وخرجت من عندهم وأنا لا أصدق أني نلت حريتي مرة أخرى.
لم يبق إلا أن أطير كعصفور أطلقوه من محبسه، ودخلت في فترة فتور وهدنة مع النفس، حتى أستعيد سلامها،
تخللها علاقات نسائية ساذجة.. بريئة، ولكنها كمن يلحس لبنا سقط على تراب..
إذن فلنعد إلى طريقنا القديم، ولكن قبل العودة. بدأت الشائعات تنتشر حولي  وكلام الناس يكثر، مما جعل الأمور تزدد تعقيدا …
المهم جاءني أحد الاقارب، وهو يعمل بالزقازيق، وأطنب في مدح زميلة موظفة معه، وأنها غنية ويمكن أن تفتح لك صيدلية في الزقازيق.
ولا أخفي عليكم تحرك ضعفي الإنساني، وكأني سوف أخوض مغامرة تروي فضولي، لست أدري..
آذنت العائلة المسكينة أخواتي وإخواني، وأنا تقريبا أصغرهم، بالاستعداد للذهاب إلى العروس المأمولة،
وجاء الموعد، فحملت عصاتي على كاهلي، وانطلقت..
وعندما وصلنا إلى منزلها، كان الإجهاد قد بلغ منا مبلغه، من الحفر الموجودة في الشارع، وكان المنزل متهالكا مستحيا من وقوفه مع المنازل، قد أثرت فيه عوامل التعرية فنحلته وأسقطت محارته.. فدخلنا وجلسنا،
ودخلت العروس متحدية بصوت الحلي الذي يرن في يديها.. وجلست العروس.. وبدل اصطيادها اصطادتنا، كانت تتكلم وهي تبربش بعينيها..
تبربش تبربش المهم الصيدلية..
ودخل أبوها واتفقنا، واشترط واشترطنا، ثم استأذن ليذهب إلى زوجته الأخرى.. ثم انصرفنا وهاب إخوتي أن يكلموني.. فسكتوا وأبدوا موافقتهم على مضض، وفي الزيارة الثانية دخلت وجلست مدة ليست بالقصيرة،
ودخلت إنسانة أخرى غير التي رأيتها، فجمعت بين قبح الوجه وبربشة العينين بزازة الهيئة. .
وأين ذهبت كل الحلي !!؟؟ لعلها كانت قد استعارتها..
وبدأت تمثل البكاء، وعصاها دمعها، وصاحت أنها لا تملك من حطام الدنيا شيئا، وأنها فقيرة، وأن أباها لا يعطيها إلا النذر اليسير، وهي التي تعول أمها وإخوتها.. وقالت : أنا أسفة وأحلك من أي عهد..
وخرجت واشتعلت مشاعري، ولكني عزمت على أن لا أعود. .
ومضت شهور، ذهبنا أنا وأصدقائي إلى النادي في مركز شباب البلدة، وعندما خرجنا صاح بي أحدهم أن بعض الشعر الأبيض بدأ يتسلل إليك من خلف أذنك..
آه بدأت أصابع الزمن تعبث بي، وبدأ القلق يتسلل إلى نفسي.. وكما قال العقاد :
وبكيت كالطفل الصغير أنا الذي
ما لان في عظم الحوادث مقودي
وجلست مع نفسي، وكانت الجلسة عاصفة.. لم يعد الزمان بيدي، بل اشتعل في مفرقي.
وجاءتني صبيحة يوم وأنا في الصيدلية بعض معارفي،
وسألتني السؤال المعهود : هل خطبت ؟
قلت لها أبحث عن عروس.. فأشارت علي أن لها صديقة عندها بنت قمر، وهي تعمل في شركة سياحية.. وذهبت ونظرت إليها، وبهت من منظرها…

يتبع..

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.