إلى عُلماء السَّلاطين ومَشايخ السَّوءِ __ ذ. أحمد بن محمود الفرارجة

  بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم
الحمدُ للهِ ربِّ العالَمين، والصلاةُ والسلامُ عَلى رسولهِ العربيِّ الأُمِّيِّ الأمين، وعلى مَن سارَ علَى هَديهِ بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين.
وبَعد.
فإنَّهُ يَحقُّ لنا أن نسألَ أنفُسَنا وكُلَّ العُقلاء: أَلَـمْ يَحفَظ عُلماءُ السَّلاطين ومَشايخُ السَّوءِ قَولَهُ تعالَى عن عالِمٍ مِن عُلماءِ بَني إسرائيلَ: [واتلُ عَلَيهِم نبَأَ الَّذِيَ ءاتَيناهُ ءاياتِنا فانسَلَخَ مِنها فأَتبَعَهُ الشَّيطَانُ فكانَ مِنَ الغاوِينَ…وَلَو شِئْنا لَرَفَعناهُ بِها ولَكِنَّهُ أَخلَدَ إِلَى الأَرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ فمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إِن تَحمِلْ عَلَيهِ يَلْهَثْ أَو تَترُكْهُ يَلْهَث ذلِكَ مَثَلُ القَومِ الَذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنا فاقصُصِ القصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ]. الأعراف: 175-176 .
فقد نَزَلَت هذهِ الآياتُ في ” بَلعَام بنِ باعُوراء “، وهُم – أيضًا – يعرِفُونَ مَن هو بَلعامُ، لقد كانَ مِن كِبارِ عُلَماءِ بَني إسرائيل، وقد آتاهُ اللهُ العِلمَ وكانَ مُستجابَ الدَّعوة، فأخَذَتهُ العِزَّةُ بالنَّفسِ والإثم، فدَعا للجبَّارينَ الكافرينَ عَلى مُوسَى- عليه السلام- ومَن مَعهُ مِن المؤمنين، فكَفَرَ وارتَدَّ عنِ الدِّين، وانسلَخَ مِن آياتِ اللهِ وما آتاهُ مِنَ العِلم، فكانَ كالكلبِ الَّذي يَلهَثُ في كُلِّ أحوالِه، ولم يَبقَ لهُ مِنَ العلمِ إلَّا ما يكونُ سَبباً لِلَعنِهِ مِنَ اللهِ والملائِكَةِ والناسِ أَجمعين، أفَهِمتَ هذا ووَعَيتَهُ يا أَعْمَى البَصَرِ والبَصيرةِ يا بَلعامَ الغربِ وأذنابِه؟!.
وقالَ ابنُ كثيرٍ –رحمه الله- في تفسيرِ قولِهِ تعالى: [سآءَ مَثَلاً القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأَنفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ]، يقول تعالى: ساءَ مَثلاً مَثَلُ القومِ الَّذينَ كَذَّبوا بآياتِنا، أي: ساءَ مَثَلُهُم أنْ شُبِّهوا بالكِلابِ الَّتي لا هِمَّةَ لَها إلَّا في تَحصِيلِ أكْلَةٍ، أو شَهْوة، فمَن خرَجَ عن حَيِّز العِلمِ والهُدَى وأقبلَ عَلى شَهوَةِ نفسِهِ، واتَّبَعَ هَواهُ، صارَ شَبيهًا بالكلبِ، وبِئسَ الـمَثَل مَثَلُه؛ ولهذا ثبَتَ في الصَّحيحِ أنَّ رسولَ اللهِ –صلى الله عليه وسلم- قال: ” ليسَ لَنا مَثلُ السَّوءِ، العائِدُ في هِبَتِهِ كالكَلبِ يَعودُ في قَيئِهِ “. انتهى. والحديثُ أخرَجَهُ البُخاريُّ.
وقالَ سُفيانُ الثَّورِيُّ: كانوا يقولون: “مَن فَسَدَ مِنَ العُلماءِ ففيهِ شَبَهٌ مِن اليَهود، ومَن فَسدَ من العُبَّادِ فَفِيهِ شَبَهٌ مِنَ النَّصارَى.
أَلـَم تَسمَعوا وتَعلَموا هذا يا علماءَ السَّوءِ وتَحفَظهُوه؟!.
أَلَـم تَقرأوا قولَهُ تعالى: [فَلا تُطِعِ المـُكَذِّبِينَ … وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ]. القلم: 8- 9.
هل تظنُّونَ يا أربابَ اللِّحَى الوَسخَةِ أنَّ دُعاءَكُم لِهؤلاءِ الطُّغاةِ الظَّلَمَة سَيُغيِّرُ مِن حَقيقَتِكم وحقِيقَتِهِم عِندَ اللهِ تعالى؟!، أَم تَحسَبُ أيُّها المتلَوِّنُ أنتَ ومَن سارَ عَلى نَهجِكَ ممَّن يَتَأكَّلُونَ بالعِلمِ وبكَلِمَةِ التَّوحيدِ، في حِين أنَّ هناكَ مَن يُقتَلونَ ويُسجَنونَ ويُعذَّبونَ لأجلِ ذلك، هل تَعتَقِدُ يا بَلعامَ العُملاءِ أنتَ وأمثالُكَ مِن العُملاءِ الَّذينَ يَصدَحونَ
بالدُّعاء – في الفضائيَّاتِ وعلَى الـمَنابرِ وفي كلِّ الـمُناسَبات- لِلظَّالِمينَ بالنَّصرِ والتَّوفيقِ والتَّمكِينِ والرِّفعَةِ، هل تَعتقِدونَ أنَّ هذا الدُّعاءَ سيَمُرُّ عندَ اللهِ دُونَ حِساب؟، أم هل سَيَحسِبُ اللهُ حِسابًا لأَربابِكُم فيَعفُو عنكُم لأجلِهِم؟!، كَلَّا وألفُ كلَّا، أم ستقولونَ للهِ تعالى يومَ الحِساب: ربَّنا، أَطَعناهُم فأَضلُّونا، رَموا لَنا بفُتاتِ موائِدِهِم فأَغرونا فكُنَّا أَذنابًا لَهُم؟، أم سيكونُ قولُكُم كما جاءَ في القرآنِ عن أَشباهِكُم: [وقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فأَضَلُّونا السَّبِيلا…رَبَّنا ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعَنهُمْ لَعناً كَبِيراً ]. الأحزاب: 67 – 68.
وبالتَّأكِيدِ سَوفَ يَتَبرَّأ مِنكُم هؤلاءِ السَّادَةُ والحكَّام، وأَنتُم كذلكَ ولكِن بَعدَ فَواتِ الأَوان، كما قالَ تعالى:[إِذ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا العَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسبَابُ…وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَو أَنَّ لَنا كَرَّةً فنَتَبَرَّأَ مِنهُمْ كما تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعمَالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ]. البقرة: 166- 167.
أَم تَظُنَّونَ أنَّ دُعاءَكُم لَهُم مُجَرَّدُ كَلامٍ لا يُقَدِّمُ ولا يُؤَخِّر؟!، كلامٌ تقولونَهُ لتَتَقاضَوا مقابِلَهُ الرَّواتِبَ، وتَتبوَّأونَ المناصِبَ، وترَكَبونَ السَّيارات، وتَسكُنونَ بِهِ العمارات، وتملأون الكُروشَ؟!، كلَّا واللهِ، وإنَّما هو كما قالَ تعالى: [وتَقولُونَ بِأَفواهِكُم مَّا لَيسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ]. النُّور:15.
وكما قالَ تعالى:[يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَد قالُوا كَلِمَةَ الكُفرِ وَكَفرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِم]. التَّوبَة:74.
وكَما بَيَّنَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّ الكَلِمَةَ يَقولُها العَبدُ وهو غَيرُ مُكتَرِثٍ بِها ولَها، يَهوِي بسَبَبِها في النَّارِ، وهذا ما أخرجَهُ البُخاريُّ في صحيحِهِ عن أَبي هريرَةَ –رضي الله عنه- أنَّهُ سَمِعَ رسولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- يَقولُ: “إِنَّ العَبدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ ما يَتَبَيَّنُ فيها، يَزِلُّ بِها في النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَينَ الـمَشرِق”.
وفي رِوايَةٍ أُخرَى عِندَهُ عن أبي هريرَةَ –رضي الله عنه- عنِ النَّبيِّ –صلى الله عليه وسلم- قال: “إنَّ العَبدَ ليَتَكَلَّمُ بالكلِمَةِ مِن رِضوانِ اللَّهِ لا يُلقِي لها بالًا يَرفعُهُ اللَّهُ بِها دَرَجاتٍ، وإنَّ العَبدَ ليَتكَلَّمُ بالكلِمَةِ مِن سَخَطِ اللَّهِ لا يُلقِي لَها بالًا يَهوِي بِها في جَهَنَّمَ”. ورواهُ مُسلِم وأصحابُ السُّنَن.
فهل أَنتُم في غَفلَةٍ عن هذا يا مَشايخَ السَّلاطِينِ وخُدَّامَ البِلاط؟!.
وأينَ أَنتُم يا مشايخ الفضائيَّاتِ وعلماءَ البلاطِ مِن قولِهِ تعالى مُهدِّدًا ومُتوَعِّدًا الَّذينَ يَكتُمونَ العِلمَ مِن بَعدِ ما بَيَّنَهُ اللهُ في كتابِهِ وأَمَرَ العُلماءَ بِبَيانِه:[إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدَى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ الَّلاعِنُون]. البقرة: 159.
وقولهِ تعالى:[وإِذ أَخَذ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تكتُمُونَهُ فنَبَذوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوا بِهِ ثمَنًا قَلِيلًا فبِئسَ ما يَشْتَرُونَ]. آل عمران: 187.
فهل أَعدَدتُمُ الجَوابَ لِرَبِّكُم يا ماسِحِي الجُوخِ وهزَّازي الأذناب؟!.
كانَ الأَولَى بكُم يا مَن آتاكم اللهُ عِلمَ كتابهِ وأهَّلَكُم للفتوَى وقدَّمكُم للإمامَةِ بِملايينِ الـمُسلِمينَ أنْ تُعَظِّمُوا كِتابَ اللهِ في صَدورِكم، وأنْ تَنأَوا بِأنفُسِكم عن عَتَباتِهِم ومَجالِسِهِم، وأنْ تَتَرَفـَّعوا عن فـُتاتِهِم ودُنياهُم، لا أنْ تَتمَلَّقوا وتَتزلَّفوا لِلظَّالِمينَ الَّذينَ كُلُّ هَمِّهِم إرضاءُ سيِّدَتِهِمُ الأُولَى أَميركا، والَّذينَ أَباحُوا وأحَلُّوا البَيتَ الأَسودَ لِلبَيتِ الأَبيَضِ، كانَ الأَجدَرُ بكم يا مَن يَتَّخِذهُم كَثيرٌ مِنَ المـُسلمينَ قُدوةً أنْ تَترَفَّعوا عن زَجِّ أنفُسِكُم في مَواطِنِ الشُّبُهات، ورَحِمَ اللهُ امْرأً جَبَّ الغِيبَةَ عن نَفسِه، وأنْ لا يُعَرِّضَ نَفسَهُ وعِلمَهُ للانتقادِ والتَّجريحِ والشَّكِّ حتَّى مِنَ العَوامِّ دُونًا عن العلماءِ وطلَبَة العِلم، ونَحنُ نَعلَمُ أنَّ الكثيرينَ بَدأوا يَرفُضونَ كلامَكُم وفتاواكُم لِشَكِّهِم في دِينِكم، وأنَّ الكثيرينَ يَسألونَ عن حُكمِ الصَّلاةِ خَلفَ أمثالِكُم، حتَّى وإن كانت في الحَرَم الـمَكيِّ بَيتِ اللهِ الحرام، إذ كيفَ نُصَلِّي وراءَ مَن يُجاهِرُ بالدُّعاءِ لأعداءِ اللهِ، ويَدعو لِمَن يُحاربونَ أولياءَ اللهِ بالنَّصرِ والتَّمكينِ والتَّأييد، ويُعلِنُ مُوالاتَهُم ومَوَدَّتَهُم، ويَرضَى عنهم ويَرضَونَ عنه؟!.
وقد جاءَ في كتابِ الـمُجالَسَةِ وجَواهِرِ العِلم لأبي بكر أحمد بن مروان الدّينوريّ القاضي المالكيّ ص 513 قال: عن يوسف بن أسباط قال: مَن دَعا لِظالمٍ بطُولِ البَقاءِ فقد أَحَبَّ أنْ يُعصَى اللهَ. ا . هـ.(1).
هذا كلامُ سَلَفِنا الصَّالح فيمَن دَعا لِظالِمٍ بطولِ البقاءِ والعُمُر، فكيفَ إذا دعا لهُ بالنَّصرِ والتَّمكِين؟!، وعَلى مَن سَيُنصَر؟، فهل أربابُكُم هؤلاءِ جَعَلُوا السِّيادةَ للهِ ولشرعهِ في الأرض؟!، أم أنهم يُحاربونَ الكُفَّارَ وأعداءَ الله ويُدافعون عن أعراضِ ودِماءِ ومُقدَّساتِ المسلِمين؟!، أم أنَّهُم يُحاربونَ الدُّعاةَ إلى اللهِ وإلى تَحكيمِ شرَعِ اللهِ ويتَّهِمُونَهُم بأقبَحِ التُّهَم، ويُذيقونَهم شتَّى أنواعِ العذاب، بل ويَقتلونَهُم؟!.
أليسَ لكُم عُقولٌ تَفهَمُ يا أمَّةَ الإسلام؟!.
أليسَ منكم رجُلٌ رشيد؟!.
أَسقِطُوا مِن حساباتِكم هؤلاءِ المشايخ والعلماء، الذين هم في الحقيقة عملاء للغرب وتَبَعٌ كالكلابِ لأذنابِهِ سلَّطهُم عليكُم لِيَلْبِسُوا عَلى النَّاسِ دِينَهُم.
وتدَبَّروا وافهموا كتابَ ربِّكُم وسُنَّةَ نَبيِّكُم – صلى الله عليه وسلم -، إني لكُم واللهِ لَمِنَ النَّاصِحِين.
وآخرُ دعوانا أن الحمدُ للهِ رَبِّ العالمين.
————
1- ويَرويِهِ بَعضُهُم عَلى أنَّهُ حَديثٌ نَبوِيٌّ مَرفوع، وفيهِ زيادَة: “في الأَرض”، وهذا غَيرُ صَحيح، بل هو مِن كلامِ بَعضِ السَّلَف، وقد ذكَرَهُ السَّخاويُّ في المقاصِد الحَسَنة في بيانِ كَثيرٍ مِن الأحاديثِ الـمُشتهرةِ عَلى الألسنَة 1/646 فقال: حديث ( مَن دعا لظالمٍ بطولِ البقاء فقد أحبَّ أنْ يُعصَى الله )، ذكَرَهُ الزمَخشريُّ في تفسير هُود، والغزاليُّ في مَوضِعَين من الإِحياء، ولم نرَهُ في المَرفوع، ولكن هو في السَّادِسِ والسِّتِّين مِنَ الشُّعَب للبَيهقيِّ، وفي الصَّمتِ لابن أَبي الدنيا مِن قولِ الحَسَن البَصريِّ، وكذا عَزاهُ الغزاليُّ نَفسُهُ في مَوضِعٍ ثالِثٍ مِنَ الإحياء، وأخرَجَهُ أبو نُعَيم في ترجَمةِ الثَّورِيِّ في الحِليَةِ مِن قَولِ الثَّورِيِّ. انتهى.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.