ذكريات على ضفاف نهر الأمستل __ نجاة تقني

ذكريات على ضفاف نهر الأمستل 
– قصة قصيرة –

   جلس على كرسي في إحدى الحدائق العمومية، يستمتع بخضرة المكان، وزقزقة العصافير، وهديل نهر الأمستل. ينظر إلى المارة، ويحاول أن يدخل إلى أعماق شعورهم، وأحيانا يتحدث معهم خلسة دون أن يسمعوا حديثه.
لمح عجوزين يمشيان يدا في يد، يبدوان في سن السبعين، رغم أنه من الصعب تحديد سن العجائز في أوروبا، فمنهم من تجاوز سن التسعين ويبدو وكأنه قد تجاوز عمر الستين فقط.. أمعن النظر في الزوجين أو الحبيبين العاشقين، كانا يمشيان بتمهل، يتحدثان والابتسامة لا تفارق شفاههما، ويداهما متشابكتان وكأنهما جسد واحد، تمنى حينها أن يلتقي بتوأم روحه، لكي يقضي بقية حياته سعيدا مثل هذين العاشقين الجميلين.
لم تشأ عيناه أن ترمشا حتى لا يفوته هذا المنظر الجميل، الذي منح لقلبه سعادة مؤقتة بعد الألم والحزن والحجر الصحي الذي عاشه مؤخرا.
بعد اختفاء العجوزين الجميلين عن الأنظار، لمح سيدة شابة في سن الثلاثين تمشي وراء طفلين يركبان دراجتيهما الهوائيتين.. الطفلة تبدو في سن الثامنة، والطفل ابن الخامسة تقريبا، كانت السيدة تنظر إلى هاتفها وكأنها تبحث عن شيء مهم في هذه الآلة الصغيرة، التي شغلت العالم، وأصبحت من الأساسيات للصغير والكبير، والغني والفقير، والمثقف وغير المثقف.. فجأة سمع صراخ الطفلة التي سقطت عن دراجتها متألمة، أراد أن يركض إليها ويساعدها، لكنه تراجع عن موقفه بعد أن لمح الأم تعانق طفلتها وتهمس لها….
أحس بألم شديد بعد رؤيته الطفلة وهي تصرخ، لا يتحمل رؤية أو سماع الأطفال يبكون، لا يتحمل آلام الأطفال.. تذكر حديثه مع أحد أصدقائه بخصوص اغتصاب الأطفال! لم يتمالك أعصابه حين قال لصديقه: ” لو سألني واضع قانون الاغتصاب عن رأيي، لطلبت منه الحكم بالإعدام على كل من يفكر في اغتصاب الطفولة، وكل من يتجرأ على هذا العمل المشين!!!”.
سمع صوت الأم تتحدث إلى طفلتها، فاستفاق من غيبوبته وشروده في الماضي البعيد..
قالت الأم لطفلتها : ” من يقف بعد السقوط، لم يسقط.. ولكي نتعلم، علينا أن نستفيد من أخطائنا، ولكي لا نسقط مجددا علينا التركيز في العمل الذي نقوم به.. أنت شجاعة عزيزتي، اركبي دراجتك، وأكملي سيرك، سوف تتعلمين ركوب الدراجة، ولن تسقطي بعد الآن…”
كلمات مشجعة من أم تتحدث مع طفلتها، وكأنها تتحدث مع شابة.. لمح الأخ الصغير واقفا بجانب أخته يربت على كتفها، أما الطفلة الدامعة العينين فكانت تنظر إليهما وقد توقفت عن البكاء..
تصرف الأم التي رمت بهاتفها في حقيبة يدها وكان كل اهتمامها طفلتها الصغيرة، شَدَّهُ كثيرا، وتمنى حينها أن يقابل امرأة حنونة مثلها يكمل معها بقية مشواره، وينجب أطفالا يحققون له الأحلام التي لم يستطع تحقيقها. لكن عندما تذكر زوجته الطريحة الفراش منذ أكثر من عشر سنوات، توقف عن الحلم المستحيل، ابتسم ابتسامته الحزينة، ثم همس لنفسه قائلا : ” لا تحلم بالمستحيل، فقدرك أن تخلص لزوجتك المريضة، وتعيش الحياة التي خططها لك قدرك!!.”
سمع صوت الطفلين يغنيان أغنية تركية، علم حينها أن الطفلة نسيت سقوطها، وتابعت نزهتها الممتعة مع شقيقها وأمها، ولمح الأم تصفق لولديها وتغني معهما…
في الضفة الأخرى من النهر، كانت تقف فتاة في سن الأربعين، تصور مجموعة من البط الذي يسبح في نهر الأمستل، تلبس لباسا رياضيا، وتحمل حقيبة ظهر.. أحس بخفقان قلبه، وشعر أنه يحلق فوق السحاب من شدة الفرح، وبرغبته في الهرولة إلى الضفة الأخرى ليتعرف على الفتاة التي تملك مغناطيسا خفيا شده منذ لمحها. لوح لها بيده لعلها تنتبه لوجوده، لكنها كانت منشغلة بعالمها، تصور المناظر الطبيعية.. فجأة توقفت الفتاة عن التصوير، وضعت هاتفها قرب أذنها اليمنى وكانت تحرك شفتيها.. همس لنفسه :
” إنها تتحدث مع شخص ما في الهاتف،  ترى من يكون؟ هل هي متزوجة؟ مرتبطة؟ ما اسمها؟ ماذا تعمل؟ ما هي جنسيتها؟ …”
تعددت أسئلته التي لم تتجاوز ضربات قلبه، فقرر الذهاب إليها والتعرف عليها، نسي أنه لا يستطيع بدء حياة جديدة، إخلاصا لزوجته المسكينة، نسي العالم الذي حوله، ولم تعد ترى عيناه سوى الفتاة الحسناء التي دخلت قلبه، وتربعت على عرشه منذ اللحظة الأولى التي لمحها.
مشى بخطوات سريعة مخافة أن تغادر المكان قبل وصوله، وتمنى أن تلمحه وتبادله التحية، لكنها كانت مستغرقة في حديث هاتفي مهم، لا تهتم لمن حولها..
اقترب من المكان الذي تقف فيه، حمل هاتفه وبدأ بتصوير البط ونهر الأمستل والخضرة التي تحيط بالنهر، ومن الحين للآخر يتنحنح لعلها تنتبه لوجوده. وضعت هاتفها في جيبها بعد انتهائها من المكالمة الهاتفية. لم يسمع حديثها وبالتالي لم يعرف أي اللغات تتحدث، صورت آخر صورة منظر طبيعي، ومشت بضع خطوات وكأنها تتأهب لمغادرة المكان، فكان عليه أن يفعل شيئا لكي لا تغادر.. قال لها باللغة الإنجليزية:
” عفوا سيدتي، هل بإمكانك أخذ صورة لي بهاتفي؟”
أجابته: “بالطبع سيدي.”
أخذت هاتفه وصورته.. تمنى أن يستغرق أخذ هذه الصورة أكثر وقت ممكن، لكي يبحر في عينيها البنيتين ويغوص فيهما، لكنها كانت بارعة في أخذ الصور.. ناولته هاتفه بعد دقائق قليلة قائلة:
” أخذت لك أكثر من صورة سيدي، وعليك اختيار الصورة التي تروق لك.”
قال لها بصوته المرتجف، وكأنه يقف أمام أستاذ يجتاز أول امتحان له في حياته العاطفية :” ألف شكر لك سيدتي. هل أستطيع التجرؤ وأسألك عن بلدك الأصلي؟”
قالت له مبتسمة: ” كلنا أولاد آدم وحواء.. والجنسيات اختراع إنسان يود التفريق بين البشر…”
جوابها شجعه لمتابعة الحديث معها: ” صدقت سيدتي، كلنا أولاد تسعة أشهر، ليس مهما في أي بلد ولدنا، وليس مهما لون بشرتنا،  المهم طيبة القلب ونقاء الروح.”
ابتسمت قائلة: ” صدقت سيدي، أتمنى لك يوما موفقا.”
يا للهول، ستغادر..  ترى أي المعجزات ستجعلها تبقى.. لا أريد فقدانها بعد أن وجدتها،  إنها ملكة قلبي التي بحثت عنها طويلا…
قال لها :” سيدتي، أودّ أن أخبرك سرا..”
نظرت إليه مستغربة.. ثم قالت: ” تود أن تقول سرا لامرأة غريبة لا تعرفها؟”
قال لها :” بل أعرفها!”
اكتسى وجهها طابع الجد.. قالت : ” تعرف من؟”
قال لها :” منذ لمحتك وأنا أحس أنني أعرفك منذ سنين، هذا هو السر الذي أودّ أخبارك.”.
ابتسمت من جديد وقالت له: ” كلام كان سيكون جميلا لو أن الكثيرين لم يقولوه للكثير من السيدات. شكرا لك سيدي وأتمنى لك يوما موفقا.”
قال لها :”لو استمعت إلى سرعة دقات قلبي لعلمت أن كلامي هذا لم أقله لامرأة غيرك.”.
أدخلت يدها في جيبها لتخرج هاتفها الذي كان يرن.. موسيقى هادئة للموسيقار موزار…قال لها:
” موزار… لدينا نفس الذوق الموسيقي.. أنت توأم روحي..”
لم تمنحه الفرصة لإكمال حديثه، قالت له : “معذرة، يجب أن أجيب على اتصال هاتفي… ألو….”
ثم غادرت المكان… وكأنها تمنحه بطاقة مغادرة جنته التي ظن أنه دخلها أخيرا…
تابع خطواتها إلى أن اختفت عن الأنظار.. وبقي واقفا في المكان ساعات طويلة، آملًا أن تعود لكي يكمل معها حديثهما الشيق، لكنها لم تعد، والشمس بدأت تتحرك ببطء في الأفق معلنة عن بداية غروبها..
اتجه نحو أول السوبيرماركات القريبة من الحديقة العمومية، اشترى برتقالا وسوشي جاهزا. ثم قرر الذهاب إلى منزله مشيا، لأنه لا يتحمل وضع الكمامة، وبما أن الكمامات إجبارية في وسائل النقل، وبما أن ركوب الحافلات قد يتسبب في إصابته بعدوى فيروس كوفيد-19، اختار المشي والتمتع بالمناظر الطبيعية.. بعد نصف ساعة تقريبا كان يقف أمام منزله، دخله متنهدا وكأنه يدخل سجنه الذي صنعه بيديه.. رغم جمال المنزل، ورغم طيبة وحنان زوجته، إلا أن السعادة غادرت هذا المنزل منذ عشر سنوات، منذ مرض زوجته المتمسكة بالحياة، خوفا منها أن يتزوج زوجها بغيرها.. ترى هل هذا حب أبدي أم أنه أنانية زوجة تحرم زوجها حقه في عيش حياته الطبيعية؟
سمعت زوجته خطواته وحاولت مغادرة السرير، اتجهت نحو غرفة الضيوف، جلست على الأريكة التي اعتادت الجلوس عليها، واستقبلته بابتسامتها المشرقة: ” أهلا حبيبي، هل استمتعت بجولتك اليوم؟”
أجابها نفس الجواب الذي يكرره دائما عندما يرجع من جولته :”نعم، كانت جولة ممتعة.”
اتجه نحو المطبخ، وأعد عصير برتقال. ووضع السوشي في طبقين. ثم رجع إلى غرفة الضيوف لكي يشارك زوجته عشاء خفيفا.
استرخى على الأريكة المقابلة لأريكة زوجته، ضغط على زر جهاز تحكم التلفاز، واختار القناة الأولى لهولندا التي كانت تبث أخبار الساعة السادسة.
قالت له زوجته: ” معظم الأخبار تتحدث عن كورونا  هذا الفيروس أنسى العالم أن هناك من يعانون أمراضا أخطر من كورونا…”
لم يشأ مشاركة زوجته الحديث، كانت مخيلته عالقة في آخر حدث قرب نهر الأمستل.. المرأة التي سرقت قلبه وغابت.. نظر إلى هاتفه، بحث عن آخر صور له، هذه الصور تذكره بها.. صورته وحملت هاتفه لكي تترك له أثرا جميلا يذكره بها…
سمع زوجته تناديه: ” آدم، ماذا بك؟ تبدو شاردا ولا تشاركني الحديث، هل حدث شيء ما لا أعرفه…”
قال لها: ” أنا متعب لأني مشيت كثيرا اليوم.”
نظر إلى طبق زوجته الفارغ، ثم تابع حديثه :
” سوف أغسل الأطباق، وأخلد للنوم باكرا.”
وكأنه يبحث عن مهرب، لكي يتجنب نظرات زوجته له، خوفا من أن تكتشف الشخص الجديد الذي دخل قلبه الصغير.
حمل الطبقين والكأسين واتجه نحو المطبخ، لكي يتمم عمله المنزلي لهذا اليوم. تعود أن يقوم بكل الأعمال المنزلية، ليعفي زوجته من مسؤولية منعها مرضها القيام بها.
هو لا يتمرد على ذلك، لكنه لم يعد يحتمل العيش دون عاطفة.. الحب والمودة هما روح الجسد، إذا غاب الحب مات الجسد…
اتجه نحو غرفة النوم، لعله يستطيع النوم مبكرا كما ادعى.. لكنه لا يعلم أن العشق والنوم خطان متوازيان لا يلتقيان. سمع زوجته تتحدث في الهاتف مع أختها، ثم سرعان ما دخل من جديد إلى عالمه الذي صنعه منذ سنوات، عالم زينه بكل شيء جميل، وسمح للناس الطيبين بمشاركته إياه، وها هو الآن يرى محبوبته تتجول في عالمه، تخيلها قرب نهر الأمستل بابتسامتها الجذابة، وعينيها البنيتين، وقامتها المتوسطة البهية. تخيل هدوءها، وحديثها الشيق… وتمنى أن تتكرر تلك اللحظات…
فجأة،زسمع خطوات زوجته، فدفن نفسه تحت الغطاء معلنا عن نومه…
في اليوم التالي ذهب إلى نفس المكان، منتظرا قدوم توأم روحه، لكن المكان كان يضج بأنواع مختلفة من البشر إلا بشخص يشبهها.. وتكررت زياراته لنفس المكان دون جدوى…
مغادراته لمنزله قليلة جدا، يتسوق أو يذهب إلى الحديقة العمومية بحثا عن المرأة التي ملكت قلبه.
يقضي معظم وقته في المنزل، يعمل عن بعد، منذ ظهور كوفيد- 19. ورغم تواجده الكثير في المنزل إلا أنه لا يتحدث كثيرا مع زوجته، التي تقضي معظم وقتها أمام التلفاز، تشاهد برامج الطبخ، والأفلام التركية والهندية، وأحيانا الأخبار.
بعد مرور شهرين من مقابلته للمرأة، التي لم تغادر مخيلته منذ قابلها، تجدد لقاؤه بها في إحدى الندوات الثقافية، طلب منه صديقه الحضور معه.. في البداية أعلن عن رفضه لعدم اهتمامه بمثل هذه الندوات، لكن صديقه أصر على حضوره..
جلس قرب صديقه في الصفوف الأمامية، ولمح سيدتين تتحدثان في الصف الأول، همس لنفسه قائلا. :” هي.. نعم هي محبوبتي التي تجلس هناك.”، أحس بخفقان قلبه واحمرار وجنتيه، ورغبته في التحليق فوق سمائها.. سمع صديقه يقول له : ” ماذا بك يا رجل؟ احمرت وجنتاك! هل المكان حار هنا؟”
أجاب صديقه بصوت خافت :” بل قلبي الذي يحترق يا باسم”.
سأله صديقه : ” آدم، هل أنت من الذين يؤمنون بتعدد الزوجات ههههه؟”
قال له آدم : ” بل أنا من الذين أصابهم سهم الحب القاتل ! تلك التي تجلس في الصف الأمامي.. قابلتها منذ شهرين في الحديقة العمومية القريبة من منزلي، وحاولت الحديث معها لكنها لم تهبني أكثر من هذه الصورة التي أخذتها لي بهاتفي.”
ابتسم صديقه وقال له : ” هل تريد أن أحدثها وأعلمها بحبك لها؟ ”
قال آدم متلهفا : ” أسرع يا صديقي، ربما كنت أشجع مني!”
توجه الصديق نحو السيدتين.  تحدث إليهما.. ثم لمح آدم صديقه يمنح حبيبته بطاقة صغيرة.
بعد رجوع الصديق سأله آدم :” تحدثت إليها؟”
قال له صديقه :” منحتها بطاقة عملي، ستتصل بي قريبا وأخبرها…”
قال لصديقه : ” كم أنا غبي ! لماذا لم أمنحها بطاقة عملي!”
أجابه صديقه :” لأنه لديك صديق مثلي يساعدك ههههه.”
لم يستمع لمضمون الندوة الثقافية لأن كل اهتمامه كانت المرأة التي حركت مشاعره.. كان يتابع تحركاتها ويتحدث معها بصمت دون أن تسمعه… كان يعيش خياله الذي صنعه وأحبه، الخيال الذي يسمح له بالتواجد مع توأم روحه دون باقي البشر.
بعد انتهاء الندوة اتجه هو وصديقه نحو السيدتين، سمع صديقه يقول لهما : ” تشرفت كثيرا بالتعرف إليكما سيدتَيَّ المتألقتين.”
نظرت إلى آدم ثم قالت : ” أظن أننا تقابلنا قبل الآن؟”
قال لها : ” نعم قرب نهر الأمستل.. تحدثنا قليلا عن الجنسيات و..”
قاطعه صديقه قائلا : ” الوقت ليس مناسبا لمثل هذه الأحاديث.، نترك السيدتين تذهبان إلى منزليهما قبل حلول الظلام. دمتما متألقتين، مع السلامة.”
لم يرق له تصرف صديقه، و كعادته لم يحرك ساكنا ! وقف كالتمثال يشاهد مغادرة من تمنى أن يقابلها مجددا… وبعد لقائها لم يقم بأي خطوة لكي يقربها منه أكثر ! …
بعد تلك الندوة الثقافية، كان يهاتف صديقه كثيرا، لعله يسمع أخبارا تسره، لكن صديقه كان يجعل الحديث مأساويا، يتحدث عن ضجره، وعدم قدرته على تحمل الحجر الصحي، ومشاكل لا تعد ولا تحصى…
وفِي أحد الأيام، كان يجلس على الكرسي في الحديقة العمومية، التي تعود زيارتها لعله يقابل أميرة قلبه.. مر بجواره رجل في سن الخمسين يحمل كتابا ة.. نظر إليه طويلا ثم صاح قائلا :
” آدم ! أينك يا رجل ! لم نتقابل منذ أكثر من خمس عشرة سنة ! ” أراد الرجل مصافحته، لكن آدم وقف ثم ابتعد بضع خطوات إلى الوراء قائلا :
“لا أريد دفع ضريبة كورونا ! علينا الالتزام بقوانين الصحة والابتعاد متر ونصف عن بعضنا البعض. ”
ثم تابع قوله قائلا : ” من أنت سيدي، اعذرني، ذاكرتي ضعيفة في الآونة الأخيرة…”
قال له السيد متهكما : ” ذاكرتك ضعيفة أم أنك خشيت أن تدفع ثمن القهوة لصديقك ههههه”.
تعرف عليه من خلال نبرة صوته وطريقة فكاهته.. قال له: ” مصطفى ! اشتقنا لك يا رجل ! ما أسعدني بلقائك اليوم ! كيف حالك؟ وماذا فعل بك الزمان يا أخي؟ ”
قال له مصطفى :” الحمد لله.. أنا بخير.. صاحب مقهى في روتردام وأب لأربعة أولاد.. اليوم حضرت مع زوجتي والأولاد لكي نزور خالتهم التي تسكن في أمستردام.. وأنت صديقي العزيز، كيف حالك ؟ هل تزوجت وأصبحت أبا؟ أم أنك عزفت عن الزواج ومازلت تبحث عن توأم روحك هههههه أذكر أنك كنت تصر على أنك لن تتزوج دون الوقوع في الحب ههههه.”
قال له آدم :” أعمل في البلدية ومتزوج من امرأة طيبة.. ليس لنا أولاد..”
قال له مصطفى مستغربا : ” آدم يتزوج دون حب هههه لا أصدق، الأسبوع الماضي قابلت صديقنا باسم، كان برفقة زوجته.. علمت أنه قابلها في إحدى الندوات الثقافية وأنه أحبها من النظرة الأولى هههه.”
كلمات مصطفى كانت رعدا قويا هدم عالمه الجميل الذي كان يزوره ليهرب من واقعه !
صديقه باسم تزوج من المراة التي أحبها !!
لم يسمع بقية حديث مصطفى، كان يحاول أن يستوعب ما سمعه ! غدر صديق وفقدان توأم الروح!
استفاق على كلمات صديقه الأخيرة : ” هذا هو رقم هاتفي، اتصل بي متى تشاء لكي نجدد اللقاء ونتصل بباسم أيضا إذا أردت.”
قال له آدم: ” بوركت صديقي العزيز مصطفى، وهذا هو رقم هاتفي.. نبقى على اتصال إن شاء الله، دمت في رعاية الله وحفظه.”
وضع جسده المنهك على الكرسي القريب منه، ومسح دمعتين سالتا رغما عنه.. همس لنفسه :
” هل الطيبة غباء ؟ هل أنا جبان لم أستطع الوصول إلى قلب محبوبتي ؟ هل الوثوق في الناس جريمة؟ هل تقبلي لواقعي المتجمد شهامة أم أنها جريمة في حق نفسي؟ ترى هل علمت محبوبتي أنني أحبها؟ ماذا قال لها باسم عني؟ وهل حدثها عني؟ لماذا غدر بي صديقي المقرب؟ ربما تصرفه هذا خير لي ولزوجتي المسكينة… يجب أن أقبل بقدري وأتعايش مع ظروفي!
أسئلة كثيرة راودت آدم.. لم يجد للكثير منها جوابا محددا.. لكنه قرر قطع علاقته بشبه الصديق الذي خطف منه أجمل إحساس كان بلسما لقلبه الضائع في حياة لا تعرف معنى الحب…
حاول النهوض والمشي ببطء على ضفاف الأمستل.. كان يمشي بخطوات جد بطيئة وكأنه يودع المكان الذي ولد فيه أجمل إحساس لم يفطم بعد!

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.