دراسة نقدية تحليلية في قصيدة (أيها الظامي) للشاعر ماهر الأمين __ ذ. كريم القاسم

(الرومـانـسـيـة فـي الـشـعـر)
دراسة نقدية تحليلية في قصيدة (أيها الظامي) للشاعر ماهر الأمين

الرومانسية تعني كل مايخص الخيال الجامح والحب الملتهب، وهي تُعد من التجارب الذاتية النفسية التي رافقت الأدب العالمي ضمن مسيرته الطويلة، ليترك لنا أثرا متنوع الأداء والأسلوب والأهداف. فهي أدب الحب والعاطفة والخيال والتحرر من الواقع، لتجعل الذات تبحر في عالم الحرية ولتقدم نموذجا أدبيا ثوريا خَلّاقاً، رغم أن البعض يعتبرها إرهاصات ذاتية أكثر منها فنا أدبيا خالصا، ويعود سبب تجسّد الحيوية في الصورة الرومانسية ؛ إلى انبعاثها من ذات الشاعر وبيئته الاجتماعية الخاصة المتفاعلة مع محيطه الخارجي.
إن الرومانسيين ابتعدوا عن كل ماهو تقليدي متوارث ، واعتمدوا جمال الصورة الشعرية دون الولوج في الحدث ووصفه وبيان تفصيلاته ، ولذلك نجد النص الرومانسي الحديث هو وحدة متكاملة حيّة متفاعلة تنمو مع تصاعد الصور الإبداعية المبتكرة.
ــ الشاعر المصري (ماهر الأمين) هو شاعر يجاري الكبار من الشعراء ليس بقصد الإعلان والشهرة ، بل حين تقدح مَلَكَتهُ الشعرية عند إرهاصات معينة يستحضر أمامه كلّ أدواته وعتاده الأدبي ، فينتقي ما يشاء ضمن خبرة وذوق وخاطر لطيف . والمجاراة في الشعر أمر معروف منذ القدم ، وقد تعامل بهذا الأمر حتى أكبر الشعراء رتبة ومقاما .
عندما تحضر الرومانسية بين يدي (ماهر الأمين) فبالتأكيد سيكون الوجد والوجدان ضمن الحضور المتلهف للانبعاث ، وفي فضاء الرومانسية هنالك (عامل مشترك) بين الشاعر (ماهر الأمين) والشاعر الكبير الدكتور (إبراهيم ناجي) في الألم والشوق والاعتصار والمرارة والذكريات والجراح والنزوع نحو الحداثة ، وكل هذه العناصر وغيرها جعلتْ (ماهر الأمين) ينهج بذائقته نحو قصيدة (الأطلال) لإبراهيم ناجي ، فهيكلَ قصيدته بمقاطعٍ رباعية الأبيات ، وكل مقطع يمتاز بقافية واحدة ، تختلف عن غيرها في المقاطع الأخرى ضمن توليفة جميلة ونظم رائع يصدح فصاحة وبلاغة وسبك جميل .
ــ لنتفحص ونتأمل هذه القصيدة :
(أيها الظَّامي)
للشاعر/ ماهر الأمين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أيها الظَّامــــيْ جمالاً ولَمى … قد شربنا واستقينا مــن ظما
وتقلّبنا علـــــــــــــى أعتابها …ليت أنّا مـــــــــا وضعنا قدما
يا رجاءً جاء يطـــــويْ خطْوهُ …قـــد تخيّرتَ طريقا مُظلما
ليتنا كنـــــــــا انتبهنا قبلهُ…دمعةٌ سالت وقلـــــــــبٌ حُطِّما
**********
يا جراحا غائــــــــــــراتٍ للأبدْ…يا بقايا الروح في هذا الجَسَدْ
يا صدى صـــوتي على أطلالهِ… صلـــــــــوات ودموع وكمدْ
يا لهيب الشمس يا طــول المدى… أين فـي الأقفار ظلٌ لم نَجِدْ
لـــــــــم نجد غير سرابٍ فانتبهْ…أيها المخــــدوع دنـيا واستعِدْ
*********
أي جبارٍ بعيني لـــــــــــم أرهْ… والمنى قَيْدٌ وها هيْ تنكِرُهْ
وحبيبٌ فـــــــــي أقاصينا لها…أطلق الدمـــع ولا يستكبرُهْ
أتــــــــــــــــراها أضمرت شرا لهُ…ويحهُ قلبي أراها تُضمرُهْ
مُسْتَرَقٌ هـــــــــو أم مستعذِبٌ… هــــذه الآلام فيمن يقهرُهْ
********
ليت شعري كيف عيني أبصرت… عبقريا صيَّر الحب قصيدا
ونشيــــــــــــدا ربّما غنّيتهُ … ليت شعري ما تغنّيت نشيدا
ونثارا مـــــــــــــن ثنايا فَمِهِ… كُنّ وعدا أم ترى كُنّ وعيدا
هذه الدنيا أرتنــــــــــي عجبا… أيّها السَّائرُ قد سرت بعيدا
********
غنِّهِ طِفْلَ خيـــــــــالٍ ورؤًى .. مُرْهَفٌ سمعــي لذيّاك النَّغَمْ
غَنِّهِ واعزف علــــــــى أوتارهِ .. هــــــذه الدُّنيا شقاءٌ وسّأَمْ
وأنا اليوم جـــــــــراحٌ لـو تـرى… أي جرح فيك أبرا والتأمْ
هاتهِ الطِّفلَ يغنِّــــــي للحيا.. ليس يُشجيْ مَنْ يُغَنِّي للعَدَمْ
********
هذه الدنيا …أكانت طلبا؟…………..فتنةً للنفسِ… أم مُطّرَبَا؟
هي أقدامي عليها قد مضى…………….يا رعى الله له مُنْقَلَبَا
أيها الجبار لي جارحةٌ…………..تصطلي دونك ذاك الحطبا
قد ذكت ناري ودوّت صرختي…..ليس يدري من أهاجَ اللهبا
********
مثلما الأطلال روحي فانظري.. كيفها روحي وقولي مَحض روحْ
كلما الذكرى أجدت ما به.. أمسك النّاي وغنّى كالذبيحْ
يا لها الدّنيا.. التي كُنَّا بها…. حين أن كنّا بها….. نغَدُوْ نروْحْ
أيها الجبّار في هذا الفضا… تقْرعُ الوجدانَ بالصَّمْتِ الجَمُوْحْ؟!
********
يا خمود الرّوح أنكرتُ الخمودا…يا قيود النّفس حطّمتُ القيودا
سئِمٌ منها ..ومن هذا الصَّدا…قد طوت أُنْسِي وأنْستْنَي الوجودا
كنت لي أفْقًا رحيبا .ورؤى…كنت أرضًا… وسماءً ..وصعودا
كنت لي قلبا رحيما فاذكري لي..كيف ذاك القلب قد صار حديدا؟!
********
لستُ في الدنيا لأحياها سدى.. قد أذاق القلب ما لا يرغبُهْ
هــــــــــــــي أيامٌ توارت وأنا…أستميــح العذر أو أسْتعْتبُهْ
رهن أحـــــــــلام لديها ورؤى… ووجيب مــــن بعيد أرقبُهْ
ابكه قلبـــــي وقد ضنّت به…أي خيرٍ مــــن ضنين تطلبُهْ؟!

********
عد إليها لست أشكـــــو ألما…عد وسلها كيــــف قلبٌ ظُلِما
شاعرٌ كان يُمَنِّــــــــي قلما…كيف هـــــــيْ قد قصفتهُ قلَما
فــــــــي قوافيه وفي أبحرهِ … هـذه الأشعار صارت عَدَما
فإذا الليل نعيــــــــــمٌ ذهبا… وإذا الصبـــــــح عذابٌ قدِمَا
********
سائلي عنـــــي أكاذيب المنى… والذي صار حطاما سائليهْ
ما ترفّقْتِ بقلبــــــــــي أبدا…ذلك الحب عذابٌ عشت فيهْ
اسمعـــي الصرخة من مُصطرخٍ… ربما قلبك يوما يصطليهْ
أيها الضــــــــارع في معبدهِ… تنشد الصفح لمن لا يرتجيهْ
====================
• بعيدأ عن أصل كلمة (الرومانسية) وجذورها والغوص في تاريخ هذا الفن ؛ نود أن نقتطف ما يحيط بهذه الكلمة من صور شعرية وأساليب إبداعية وعتاد متفاعل في قصيدة الشاعر المصري الرائع (ماهر الأمين) ومعرفة الأدوات التي وظفها الشاعر في سبك هذا البناء الوجداني الرائع .

الطلل المشترك :
ـــــــــــــــــــــــــــ
الشاعران (ماهر الأمين) و(إبراهيم ناجي) ابتعدا عن البكاء على الأطلال كما يفعل الشاعر الجاهلي ، بل بالكاد يستعرض كل منهما ببيت شعري يشير إلى الطلل ، فيقول إبراهيم ناجي :
( اسْقِني واشْرَبْ عَلَى أَطْلاَلِهِ …. وارْوِ عَنِّي طَالَمَا الدَّمْعُ رَوَى )
ــ لكن ماهر الأمين ابتعد أكثر من ذلك ، فهو لا يشير إلى الطَللِ إلا من خلال التشبيه ، بل شبّه روحه بالطلل ولم يجعل التشبيه يخص آثار الحبيبته ، كما في البيت الشعري التالي :

(مثلما الأطلال روحي فانظري …. كيفها روحي وقولي محض روحْ)

ــ وبالنظر لتخصيص المقال في شاعرنا (ماهر الأمين) لذا سيكون المقال على مائدة المقام ، كي نبحر في (الرومانسية) وصورها الشعرية التي استطاع الأمين تجسيدها وترجمتها بصورٍ بليغة مُعبِّرة .

الحب هو الجوهر :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للحُبِ عند الرومانسيين مرتبة متفرّدة لا تجاوز عليها ، فهو الجوهر والأس واللب ، وكلّ مايُنظّم من شعر رومانسي يصب في هذه الخانة ، ولولا الحب فلا رومانسية ولا عاطفة ، لذلك نجد طابع الألم والحزن والشكوى والجوى والهيام وعدم وفاء الحبيبة هو المسيطر على الصورة الرومانسية ، وكل الرومانسيين تزهو نفوسهم وتطرب بوجود الحب .
ــ لنتأمل كيف يصف شاعرنا (ماهر الأكمين) حال الدنيا معه تلك الفترة ، حيث ابتدأ الشاعر بيته الشعري بـ (يا لها) لغرض تصوير إعجابه بفترة الحب التي عاشها ، وكيف لا يعجب بها ، وهي عاصفة بالحب صباحا ومساءً :

(يا لها الدّنيا التي كُنَّا بها …. حين أن كنّا بها نغَدُوْ نروْحْ)

ــ الرومانسي يرى ؛ إن بفقدان الحب تذبل الأرواح وترتحل، ويصبح ذكراه كالطلل الذي يعكس الصدى لا غير، وقد امتزج بالدمع والتحسرات والتأوهات والذبول والألم واصفرار اللون :

(يا صدى صـــوتي على أطلالهِ… صلـــوات ودموع وكمدْ )

الـغـربـة :
ــــــــــــــ

الواقع لا يُعتبر عنصراً ناصعاً في تصوير الشاعر الرومانسي ، بل يراه عالماً مليئاً بالتناقضات والازدواجيات، فهو لا يثق بـ (الواقع) مطلقاً ، لذا نراه يرحل بعيداً في الوجود ليبحث عن ذاته ، وهذا الارتحال يولد لديه إحساساً بالغربة والاغتراب والضياع ، مع قلق يحيط بأركانه كلها ، لذلك نجد الصور الرومانسية التي يتخيلها ويرسمها الشاعر ترحل إلى فضاء بيئة حالمة ، أو إلى فضاء الماضي لطلب العزاء ، أو إلى فضاء مستقبلي يحدد إحداثياته هو .
ــ لنتأمل أحد هذه الفضاءات التي تُجَّسِد الماضي وعزاءاته :

(هـي أيامٌ توارتْ وأنا …. أستميــح العذر أو أسْتعْتبُهْ )

ــ ولنتأمل فضاء آخر من فضاءات الضياع :

(لـم نجد غير سرابٍ فانتبهْ …. أيها المخدوع دنـيا واستعِدْ)

ــ إن استعمال الشاعر لمفردة (توارتْ) في البيت الشعري الأول ، ومفردة ( سراب ) في البيت الآخر هو دليل على الإحساس بالاغتراب والضياع ، وهذه الاستعمالات تُعد من الاستعمالات الذكية ، كونها وُظِّفَتْ بمعناها البليغ .

الألوان والأصوات والحركات :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من عناصر الصورة الشعرية الرومانسية هي (الألوان والأصوات والحركات) ويختلف شكل هذه الصور تماما عن غيرها ، فالشاعر هنا يعتصر ذاته بكل طاقته ، ويلهب ملكته التأليفية بكل ما أوتيّ من قَدْحٍ وشررٍ ونارٍ ، ليزجِّ عناصر الصورة الشعرية في عملية النسج والسبك وبما يناسب فضاءاته التخيلية ، لذا نجد في هذه المحطة عناصر الصورة تكون مكثفة من (ألوان وأصوات وحركات).
ــ لنتأمل في هذا البيت الشعري كيف وفّر الشاعر عنصر (الصوت) والذي تَجسَّد في أكثر من صورة رومانسية في (الصراخ) في القصيدة ، وعنصر (الحركة) في اللهب كما في الشطر الثاني :

(قد ذكتْ ناري ودوّتْ صرختي ….. ليس يدري من أهاجَ اللهبا)

ــ استعمل الشاعر في الشطر الأول الفعل (ذَكَتْ) للنار و(دَوّتْ) لحدث الصراخ ، ولم يستعمل أفعالاً أخرى ، فهو أراد رسم الصورة الشعرية بأعلى طاقتها ، و(ذكتْ النار) أي اشتد لهيبها وحرارتها ، و(الدوي) هو الصوت المُجَلجِل الهادر المصحوب بالصدى لشدته ، ثم استعمل الفعل (أهاج) للهب والنار في الشطر الثاني ، وهذا توظيف رائع ، فالهيجان هو الإثارة العالية ، ولشدة تفاعل الشاعر الرومانسي مع وجدانه وكيفية تصوير احتراق مهجته واستعار الروح والنفس ، فقد كرر صورة النار مرتين ، مرَّة في الشطر الأول والأخرى في الشطر الثاني ، وهكذا نجد شاعر الرومانسية يستعمل كل المعاني لتفعيل طاقاتها الكامنة وإلا سيظهر النظم باهتا غريبا عن مفهوم الرومانسية .

الـمـحـوَر :
ـــــــــــــــــ
في عالم الرومانسية ؛ يُعتبر الشاعر هو (المحور) الأساس في النص الشعري ، فهو الذي تدور حوله تجربته الفنية ، وهو سيد نفسه في النص ، حيث نجده يُرَكّب ويرصِف ما شاء من المعاني اللاهبة المُستعرة بقلم غزير الدفق رهيف الحس ، والأمثلة كثيرة يعج بها النص ، حيث تتوارد ضمائر المتكلم بين ثناياه ، فمثلاً :

(ليت شعري كيف عيني أبصرت… عبقريا صيَّر الحب قصيدا)

ــ حيث تكرر ضمير المتكلم (ي) في (شعري ، عيني) كما هو مرسوم أعلاه ، وظاهرة تكرار ضمير المتكلم تشير إلى رسوخ وتجذر شخصانية الحس والانفعال .

الـطـبـيـعـة :
ـــــــــــــــــــــ
ينجذب الشاعر في هكذا فن إبداعي إلى الطبيعة ، فيناجيها وتناجيه ، ويتداخلان معا ليرسما صورا شعرية يمتزج فيها الواقع بالخيال ، فيحوّل الشاعر هذه العناصر الطبيعية إلى شخوص متفاعلة .
ــ مثلاً في هذين الشطرين :

(يا صدى صـــوتي على أطلالهِ)
(يا لهيب الشمس يا طــول المدى)

ــ فمرة نرى الشاعر يشبّه حبيبته بـ (صدى صوته) ومرة بـ (لهيب الشمس) ضمن مناداة مكررة لتجسيد الإشارة بأبلغ اداة وهي أداة النداء .
لذلك نجده يوزع (عناصر الطبيعة) على أبيات شعرية كثيرة مستعملا مسميات مناسبة للصور الشعرية مثل (صدى ، لهيب الشمس ، قفار ، سراب ، الليل ، الصبح ، أرض ، سماء ، وغيرها الكثير)
ــ ويُبدع الشاعر كذلك حين يستعمل التضاد التقابلي في استثمار الطبيعة ليوظفها رومانسيا كما في البيت الآتي ، الذي صرَّح بالتقابل الواسع الجميل ، فجاء بالليل والصبح ثم النعيم والعذاب :

(فإذا الليل نعيــــــــــــــــــمٌ ذهبا… وإذا الصبـــــــح عذابٌ قدِمَا)

الثـورة والتمـرد :
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الرومانسية تُجسّد روح التمرد والثورة والانطلاق بحرية ، كفَرَسٍ يسابق الريح ، فالشاعر لم يعد مقيدأً بتصوير أو بانتقاءٍ للمعاني ، أو اقتفاءٍ لآثارِ الحبيبة ، بل هو الآن عبارة عن مسرح في فضاء مفتوح ، فهو وحده الذي يعبَّر عمَّا يجول به خاطره ، فمرة نراه يصرخ من هول الألم :

(قد ذكت ناري ودوّت صرختي…..ليس يدري من أهاجَ اللهبا)

ــ ومرّة يغوص في عالم التمني :

(ليتنا كنـــا انتبهنا قبلهُ … دمعةٌ سالت وقلـــــــــبٌ حُطِّما)

ــ ومرّة يعجب مما جرى :

(هذه الدنيا أرتنـــــــي عجبا… أيّها السَّائرُ قد سرت بعيدا)

ــ فالصراخ والتعجب والتمني والتحسر والذوبان واللوعة ، كلها عناصر متفاعلة ضمن أواصر شديدة التقارب ، وهذا التفاعل كفيل بتأجيج الثورة والتمرد للذات .

العاطفة والعقل :
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الشاعر هنا يعتمد محورين (القلب والعاطفة) والغرض (العاطفي) لديه يطغى على الغرض (العقلي) ، والرومانسيون يغادرون فضاء (العقل) ليسيحوا في فضاء (القلب) كونه مسرح الخيال الخصب والإبداع اللامتناهي، فمعدنه الإحساس والشعور والوجدان ، لتنطلق الذائقة بكامل لياقتها ، ولذلك نجد الشعراء الرومانسيين يعتمدون الصورة (الشعورية) لا (الفكرية العقلية) ، حتى إن كثيرا من الباحثين في الرومانسية يجدون أن الشعر الرومانسي ليس تلاعبا فكريا ولا هيجانا ذهنيا ، وإنما هو انعكاس وصدى صادق عميق لدقائق النفس وانطباعاتها .
ــ لو تأملنا القصيدة لوجدنا مفردة (قلب) تواجدت بحدود ست مرات ، لذلك فهو ينطلق في كل إرهاصاته من قلب محطم ملوّع ولهان ، والآتي خير مثال على نزوع الشاعر إلى العاطفة والشعور :

(ليتنا كُـنّـا انتبهنا قبلهُ …. دمعةٌ سالت وقلبٌ حُطِّما)

ــ وعندما يستعمل الشاعر أربع مفردات (دمعة ، سالت، قلب ، حطما) في شطر واحد ، لهو دليل على حجم هذا النزوع الوجداني العاطفي الكبير .

التجربـة والأشـواق :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتحدد فن النظم الرومانسي برتبتين :
1- رتبة مرتبطة بحدود (التجربة) الشخصية ضمن الفضاء الخارجي وثوابتها .
كما في البيت الشعري التالي :

(مثلما الأطلال روحي فانظري …. كيفها روحي وقولي مَحض روحْ)

ــ هنا اعتمد شاعرنا (الصراحة والصدق) كثابت وجودي في الحب ، حيث صرَّح بتجربته الشخصية عندما يشبّه روحه لحبيبته بالأطلال والآثار المندثرة ، ويسائلها بالتأمل في أقواله كيف أصبحت روحه عبارة عن خلاصة وعصير لا يخالطها شائبة رغم اندثارها .
2- رتبة مرتبطة بما تنطقه (الأشواق) الدفينة التي تترجم عناصر الكون وما يحيط به من جزئيات اجتماعية ، كما في المثال التالي :

(كنتَ لي أفْقًا رحيبا ورؤى …. كنتَ أرضًا وسماءً وصعودا)

ــ لقد وظَّف الشاعر مفردات ( أفقا رحيباً ، رؤى ، أرضاً ، سماءً ، صعودا) وكل هذه الصفات التي ضخّها في شطرين كفيلة بجعل المتلقي يفهم كم تتداخل عناصر الكون المحيط لترجمة أشواقه الدفينة الماضية ليجسّد مكانة ذاك الحبيب بهكذا رُتَب ،

الطهـر والعفـة والوفـاء :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تنصل الشاعر الرومانسي الحديث عن هيمنة آلة العشق القديمة وأدواتها ، والتي كان يحركها متى ما حنَّ إلى حبيبته ، فيستحضر الناقة والصحراء أو خرير الماء ولون الشعر كليل بهيم ، والحضن والاحتضان بالسر ، ودخول الخيمة خلسة ، وغيرها من أدوات كان يصرّح البعض بها علناً بصور شعرية فاضحة ، بل ترجَّلَ شاعرنا في فضاء نبيل هادف تكلله معاني الطهر والعفة والوفاء ، فحضْن الحبيبة محترم لديه ، وهو فضاء يجب الحفاظ عليه من الهدم والصدع ، وهو يصبو إلى تحقيق حلمه ولو في كوخ على سطح النجوم .
ــ تأمَّلْ أخي القارئ الكريم الصورة الشعرية في الشطر التالي :

(يا بقايا الروح في هذا الجَسَدْ)

ــ أي وجدٍ هذا ؟
وأي اتزان كبير هذا ؟
وأي تشبيه عالي الرتبة والمقام هذا ؟
ــ لا شك أن شاعرنا ملتزم الحرف ، نقي السريرة ، عفيف الوجدان ، فقد أجاد بوصفه بكل ما يملك ، فيا له مِن كرم وجداني نبيل .
ــ ولنتأمل هذا الوجد الطاهر في البيت الشعري التالي :

(يا صدى صـــوتي على أطلالهِ …. صلـوات ودموع وكمدْ)

ــ وكم جميل هذا المزج (صلوات ، بكاء ، وحزن شديد) لقد امتزجت هذه الأفعال والمشاعر كلها لتتجسد في صدى حبً صار كالأثر لا غير .
ــ والآن نقارن بين هذه الرومانسية الطاهرة وبين رومانسية الشاعر الجاهلي (عمر بن مسعود اليشكري ) :
( فـدفعتُهـا فتدافعتْ … مشْيَ القطاة إلى الغديرِ
ولثمتُها فتنفستْ … كتنفسِ الظبيّ البهيرِ )
ــ فشتّان بين هذا وذاك ، والمتلقي يستطيع أن يدرك الفرق الشاسع بين الصورتين الشعريتين .

تجـاوز التقليـد المـوروث :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا النص الرومانسي تجاوز التقليد مبتعداُ عن التراث في ذكر الطلل ووصفه .
فلنتأمل بعض الأمثلة لشعراء الجاهلية وكيفية افتتاح قصائدهم الرومانسية :
• امرؤ القيس :
(حَيِّ الدِّيارَ التِي أبلَى معالِمَها …. عواصفُ الصَّيْفِ بِالْخَرْجاءِ والْحقَبِ)

• طرفة بن العبد :
(لِخَوْلَةَ أطْلالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَدِ …. تلُوحُ كَبَاقِي الوَشْمِ فِي ظَاهِرِ اليَدِ)

• زهير بن ابي سلمى :
(لِمَنِ الدِّيارُ بِقُنَّةِ الحُجْر …. أقويْنَ مِنْ حُجَجٍ ومِنْ دَهْرِ)

ــ يتبين من أعلاه إن للطلَلِ عند الشاعر الجاهلي رمز كبير وعنصر هام تحوم حوله الكثير من الصور الشعرية ، وهو العمود الأكبر الذي تستند عليه كل جزئيات النص ، وحتى الإفصاح باسم الحبيبة أحياناً كان من ضمن توليفة القصيدة .
ــ أما شاعرنا (الأمين) فلقد تجاوز التقديم المتعارف عليه ومخاطبة الطلل بل ابتدأ قصيدته بالتنبيه للحبيبة بـ (أيها) مع شوق جارف إلى الحبيبة :

(أيها الظَّامـيْ جمالا ولَمى … قد شربنا واستقينا مــن ظما)

ــ من الجميل في نظم هذا النص أن الشاعر استعمل النداء بـ (أيها الظامي) ففي افتتاح قصيدته مستعملا إياه لغرض التنبيه ، وبهذا يكون قد نجح في إرسال الإشارة الأولى إلى حبيبته كي تستمع إلى ما سيأتي من قول صريح بليغ.

ــ وبعد هذا التقديم والافتتاح الرصين ينطلق شاعرنا إلى هدف القصيدة ، لتجسيد الألم والآهات والمعاناة ، ليمر اسم (الطلل) متأخراً ضمن صورة شعرية خلابة :

(يا صدى صـــوتي على أطلالهِ… صلـــوات ودموع وكمدْ )

ــ وبهذا نستنتج إن (الطلل) ليس هدفاً رئيساً لدى الشاعر الرومانسي الحديث ، بل هو أثر من مجموع ذكريات ينادي بها الشاعر ، أما الهدف الرئيسي فهو الإشارة إلى الحبيبة من خلال خطاب وجداني عميق ، وهو رأس القاطرة .

الاستقـرار الفنـي :
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
رغم أن النص يحمل فكرة قصة حب وشجا وتعثّر وتحسّر، وانتهى بألم وفراق ، إلا أنه بقي محافظا على روح الفكرة بعيداً عن التشظي والتشتت ، بل كل ما نظمه الشاعر يدور ضمن إطار فني باذخ وفير بليغ ، يثير دلالات نفسية عالية الوجد ، وهذا لا يحتاج إلى دليل أو برهان ، فالنص كله مفعم بتلك الصور ، يستطيع المتلقي أن ينتقي ما يشاء .

الشخـوص والصفـات :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المتابع للنص سيجد شخوصا تتفاعل بين الحزن والسعادة والفرح والشقاء والتنعم والألم ضمن توليفة حوارية رائعة بينه وبينهم مرة ، وبينه وبين قلبه مرة .
هؤلاء الشخوص هم خيال خصب يتجسد ويشير من بعيد إلى شخص حبيبته ، وتختلف الصفات والصور الشعرية لتلك الشخوص باختلاف المعنى المراد إيصاله للمتلقي من قبل الشاعر.
ــ فمثلاً يبتدئ الشاعر قصيدته بـ (يا أيها الظامي) :

(أيها الظَّامـيْ جمالا ولَمَى .. قد شربنا واستقينا مــن ظما)

ــ وهنا ترتسم سِمة (الظمأ) لتعطي أول إشارة ، ثم تتعدد هذه الشخصيات بتعدد صفاتها كـ (جراح غائرات ، بقايا الروح ، لهيب الشمس ، مخدوع ، الجبار ، حبيب ، مسترق، مستعذب ، عبقري ، نديم ، الشاعر ، الضارع ) كل هذه السمات والصفات للشخوص المرسومة في الصور الشعرية تتوزع بين الشاعر وحبيبته .
ــ من المًلفِت للنظر ؛ إن الشاعر استعمل لفظ (جبار) في ثلاث أبيات شعرية وفي فضاءات مختلفة ، مما يولد طيفاً هائلاً من اللوعة والألم وقسوة الحبيب الجارفة :

1- (أي جبارٍ بعيني لـــــــــــــــم أرهْ …. والمنى قَيْدٌ وها هيْ تنكِرُهْ)
2- (أيها الجبار لي جارحةٌ …. تصطلي دونك ذاك الحطبا)
3- (أيها الجبّار في هذا الفضا …. تقْرعُ الوجدانَ بالصَّمْتِ الجَمُوْحْ)

ــ لقد وظَّف الشاعر لفظ (جبار) في صور شعرية ثلاث ، ونسج عجز البيت الشعري ليناسب معنى (جبار) وهي سمة حبيبته ، فجاء بـ (قيد ، الحطب ، الصمت) وهو انتخاب لفظي جيد وذكي .

الرمزيـة المحتشمـة :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
أجمل ما في هذا النص الرومانسي هو استعمال الشاعر للرمزية المحتشمة النبيلة مبتعداً عن الرمزية الإباحية في التصوير الشعري ، حيث صَوَّرَها بـ (القلب الرحيم) وهذا أعلى مراتب العِفَّة في الوصف وكما في الصورة الشعرية التالية :

(كنتِ لي قلبا رحيما فاذكري لي …. كيف ذاك القلب قد صار حديدا؟ )

ــ وإذا أراد الشاعر أن يرفع رتبة الوصف القاسي فهو لا يتجاوز أكثر من (جبار) ثم يميل بخلقه النبيل ليأتي ببيت شفاف رهيف يجسد فيه نموذجاً خلقيا رفيعاً حين يأتي بمفردات الاعتذار والعتب (أستميح العذر ، أستعتبه) رغم تواري أيام الحب واختفائها :

(هـي أيامٌ توارتْ وأنا …. أستميــح العذر أو أسْتعْتبُهْ)

الإشـارة بـدل التصريـح :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان من عادة شعراء الجاهلية والشعراء الذين ساروا على آثارهم يُصرّحون باسم الحبيبة أو الاستعاضة عنه باسم آخر للدلالة عليها ، إلا أن الرومانسية هنا تجسدَّت بأرقى المبادئ الفاضلة والنبيلة ، وهنا محطة وفاء يمكن استخلاصها تصب في مصلحة الشاعر .
فبعد كل القسوة والظلم الذي صُبَّ في قِرابه مِن قبل حبيبته ؛ إلا أنه لم يأتِ إلا بالذكر الطيب ، لذلك استعمل أسلوب الاستعارة والمجاز في ذمّه ومَدحه ، وحتى أهل الغزل العذري القدماء كـ (جميل بثينة ) و(قيس بن الملوح) وغيرهم لم يلتزموا بالإشارة والرمزية ، وإنما أُتخِمَتْ قصائدهم بالاسم الصريح للحبيبة ، وإن حضرتْ الاستعارة ففيها نوع من الكشف .
بينما نجد شاعرنا قد اعتمدَ الإشارة من بعيد إلى أنثاه وحبيبته التي يعشقها ، حتى إنه لم يأتِ باسمٍ رمزي كما يفعله الشعراء عادة ، بل اكتفى بسمات وصفات وتشبيهات ينتقيها بما يناسب الفكرة والصورة الشعرية .
ــ ويكفينا مثلاً التأمّل في هذا البيت الشعري الذي بلغ أقصى ما أراد الشاعر من التغزل بحبيبته :

(يا صدى صـــوتي على أطلالهِ… صلـــوات ودموع وكمدْ)

ــ فأقصى تصريح هو التشبيه إن كان ذما أو مدحا ، فناداها هنا بـ (يا صدى صوتي) وهو تشبيه رائع يدل على اندماج الذاتَين ، وهذا ما درجَ عليه كل شعراء الحداثة في الرومانسية.

قدسيـة الحُـب :
ــــــــــــــــــــــــ
الشاعر (ماهر الأمين) لم ينظر إلى الحب من زاوية إغرائية إغوائية ، ولم يجعل هذا الشعور هو مضخّة للنظم والقصيد ، بل اتضح من خلال التجوال في النص ، إنه أراد الافصاح بالنداء إلى الحبيبة ، وبيان اللوعة وكمّ الآهات المُصاحِبة ، لذلك نجده قد اجتهد وكدَّ في انتقاء اللفظ المناسب ، ليحافظ على قدسية هذا المشروع الشعوري :

(ليت شعري كيف عيني أبصرت… عبقريا صيَّر الحب قصيدا
ونشيـــــدا ربّما غنّيتهُ … ليت شعري ما تغنّيتُ نشيدا )

ــ في البيت الشعري الأول يصف حبيبته بالعبقرية الفائقة الذكاء ، كونها حوَّلتْ هذا الحب المكنون في داخله إلى قصائد وجعلته شاعراً رومانسياً . ثم يعرج في البيت الثاني ليوضّح بأن عبقريتها حولَّت هذا الحب إلى نشيد كذلك .
ــ لقد استوقفني البيت الشعري الثاني ، لماذا استعمل الشاعر (ربما) في الشطر (ونشيـــــدا ربّما غنّيتهُ) و(ربما) تفيد الاحتمالية والشك وعدم اليقين ، فلماذا لم يتيقن شاعرنا بأنه قد غنَّى يوما ما ذلك النشيد ؟؟؟ عِلماً أنه مغروس فيه غرسا .
ــ تأملت البيت الذي يليه يقول فيه :

(ونثارا مِــن ثنايا فَمِهِ …. كُنّ وعداً أم ترى كُنّ وعيدا)

ــ (النثار) هو الفُتات الذي يتناثر من بقايا الطعام على المائدة أو مِن بقايا الطعام على الفم ، ويا له من تشبيه رائع وذكي ، فهو يصور وعود حبيبته كهذا الفُتات المتناثر، ليبين أنه صار لا يميز بين الوعد والوعيد لهول قساوة الحبيبة. ولذلك نجد الشاعر لم يتيقن بأنه قد تغنى بهذا النشيد أم لا .
ــ يا له من نسج رصين يا أستاذ ماهر .

الـحـلـم :
ـــــــــــــــ
الحلم هو متعة الشاعر الرومانسي ، فهو كهفه الحصين ، ونوله السري ، وهو وسيلة التعبير الداخلية الحرة ، ولا يسمح لفضاء الواقع الخارجي بالولوج اليه ، ولذلك في هذا المَكمَن ينسج شاعرنا ما يشاء من صور شعرية ضمن فضاء تأمّلي واسع الطيف ، وهذا الفضاء لا يعني الهروب من الواقع ، وإنما عشق الشاعر إلى الانعتاق والتحرر من قيود الواقع التي تجعله سبيكة ألم لا غير هو الذي استوجب ذلك ، فهو يضع تمنيات متعددة رغم الآهات والصراخ والألم ، وهو يتمنى لو أنهما لم يصطليا بنار الحب ، كما في الآتي :

(ليتنا كنــا انتبهنا قبلهُ …. دمعةٌ سالت وقلـــــــــبٌ حُطِّما)

ــ وحتى في هذا التمني لم يكن أنانياً بل أجاد في تصوير الإيثار عندما استعمل الضمير (نا) ليدفع عنه تمني الفراق من جانب واحد.
ــ ومرة يأتي التمني يتبعه الاستفهام :
(ليت شعري كيف عيني أبصرت …. عبقريا صيَّر الحب قصيدا)
ــ حيث إن عبارة (ليت شعري) يليها أكثر الأحيان استفهام،  للتمني بمعرفة ما خفي من أمر .

الهروب إلـى الحضـن الدافـئ :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شعراء الرومانسية غالبا يهربون إلى البحث عن حضن دافئ في التصوير الشعري ، وهو شعور وجداني دافق الثراء ، للبحث عن الأمان والصدق ، بعيدأ عن الاحتضان الزائف الماكر ، وهذا ما يتجسد في هاتين البيتين الشعريين ، حيث يحنّ فيها الشاعر إلى ما كان فيه من الاحتضان :

(كنتِ لي أفْقًا رحيبا ورؤى …. كنتِ أرضًا وسماءً وصعودا
كنتِ لي قلباً رحيماً فاذكري لي …. كيف ذاك القلب قد صار حديدا؟ )

الفضـاء الإصغائـي :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
استعمل الشاعر في خطابه الرومانسي أسلوب الخطاب الفردي الذاتي ، حيث لم يشرك حبيبته فيه ، فهو أراد نسج فضاءٍ إصغائيّ لا غير ، ليفرش مائدة عشقه بكل زادها وعصيرها ، وبحلوها ومرّها وهي مصغية متفرجة فقط ، حتى لم يطلب منها إبداء الرأي أو الإجابة . لذلك أغرقَ الشاعر قصيدته بضمائر المتكلم والمخاطب :

(سائلي عني أكاذيب المنى …. والذي صار حطاما سائليهْ)
(عدْ إليها لستُ أشكـو ألما … عدْ وسلها كيــــف قلبٌ ظُلِما)

ــ الشاعر يركز على فضاء الإصغاء فقط من قبل الحبيبة ، ولذك نجده يكرر التساؤل ، كي يُشبع صوره الشعرية بأنه هو المتكلم المنفرد بالخطاب .

المعجـم الدينـي :
ـــــــــــــــــــــــــــــ
حضور المعجم الديني هو من سمات هذا الفضاء الرومانسي الرحب ، ودلالته كافية لنضوج فكر الشاعر ومستوى التزامه الأخلاقي المتين ، فما تقدحه مَلَكَته الشعرية هو لصيق الروح والطبع ، لذلك تواردت في النص ألفاظ كثيرة دالة على هذا المعجم (الله ، الروح ، الجسد، الرجاء ، دمعة ، صلوات ، الجبار ، الدنيا ، نار ، حياة ، فتنة، النفس ، وجود ، رحيم … وغيرها الكثير ) وإليك مثالا أخي القارئ الكريم على ذلك :
(يا صدى صـــوتي على أطلالهِ …. صلـوات ودموع وكمدْ)

الـــنـــــداء :
ـــــــــــــــــــــ
النداء في الفضاء الرومانسي هو أس راسخ في الخطاب الكتابي والخطاب الشفوي ، وتأتي أهميته من كونه بُنية حيوية كثيرة الاستعمال على الألسن والأقلام التأليفية ، حيث إنه يمتلك الطاقة والقدرة الذاتية على التعبير عن موضوعات وأغراض وأهداف متنوعة ضمن فضاء واسع فسيح ، حيث إن (النداء) يحضر حين تعجز الأدوات الأخرى عن الحضور ، فحين يريد الشاعر أن يعلن ضجره أو إشارته أو أراد أن يتوعد أو يشكو أو يُنبّه فلا مفر مِن النداء ، فهو خير عون وخير بليغ ، حتى أتعبَ النقاد هذا الأمر في أغراضه وتشعباته .
ــ إن النداء هو الوسيلة البليغة المعبرة عن التواصل ، وبما أن الشاعر أراد التواصل مع حبيبته عن طريق الإيماءة أو الإشارة في محطات شتى من الانفعلات .. مثل ( ألم ، صراخ ، تأوه ، تنبيه ، تحفيز ، تذكير وغيرها الكثير ) لذلك نجده قد استعمل النداء بكثرة ، لكن لأغراض شتى ، حيث نجده قد نادى (المحسوس والمجرد وعناصر الطبيعة) وهذا من ذكاء النظم والنسج ، فهو وظّفها خمس عشرة مرّة ، وهذا كمّ توظيفي كبير لا يستهان به ، بل وحده يحتاج إلى دراسة وتحليل ، حيث استحضر الشاعر حقلا كبيرا من النداء . لذلك سنتأمل في هذا النداء التعجبي وهو مثال واحد من كثير للإشارة إلى ما تقدم :

(يا لها الدّنيا التي كُنَّا بها …. حين أن كنّا بها نغَدُوْ نروْحْ)

ــ إن الميزة التي ظهرت في النداءات المكررة في هذا النص هو (الهدوء) في أسلوب الخطاب ، ولم يستعمل الشاعر أسلوبا هائجا صاخباً يثير المقابل ، وكيف يفعل ذلك وهو يخاطب مَن لو أمرته لقال نعم ، إنها الحبيبة .
ـ ولنتأمل في هذا النداء الهادئ :

(أيها الجبّار في هذا الفضا …. تقْرعُ الوجدانَ بالصَّمْتِ الجَمُوْحْ)

ــ الشاعر يصف حبيبته بـ (المتجبرة) في صمتها ، وحتى في صمتها الجموح الهائج الشرود الذي يرفض الاستكانة أو الخضوع فهو يطرق دوما وجدانه ومشاعره ولُبّه . وهكذا خطاب لا يدل على الانفعال والانفلات، بل أراد عدم خدش مشاعر حبيبته حتى في استعمال لفظ (جبار).

الاسـتـفـهـام :
ــــــــــــــــــــــ
لا نريد الغوص في الدلالات البلاغية الاستفهامية كلها في هذا النص ، إنما نريد أن نقدم فائدة نقدية تفيد في إدراك دلالة توظيف أدوات الاستفهام في الخطاب الرومانسي .
ــ في هكذا فضاء نسجي رومانسي يتطلب ذكاء وإبداعا من لدن الشاعر ، ولا بد من استعمال وسائل فنية وخُدَع أسلوبية نسجية لإشراك المتلقي في الخطاب ، ومِن هذه الحيَّل والأساليب هو (الاستفهام) ، وقد رَصفَ الشاعر هنا أربعة عشر استفهاما ، وهذا الكمّ الوفير هو الذي يستدعي الالتفات إلى هذه الظاهرة في النص .
ـــ لنتأمل نموذجاً من هذه الحِيِّلِ الاستفهامية :

(وأنا اليوم جـــراحٌ لـو تـرى …. أيًّ جُرحٍ تحت نارٍ ملتأَمْ)

ــ نلاحظ هنا ؛ أن الشاعر لا يريد جواباً من الحبيبة ، إنما غايته جذب ذائقة المتلقي وإشراكه بمواطن الإثارة والحث والترغيب والتثوير…. كما في التالي من الاستفهامات :

(أتــراها أضمرت شرا لهُ … ويحهُ قلبي أراها تُضمرُهْ )
(هذه الدنيا أكانت طلبا؟ … فتنةً للنفسِ أم مُطّرَبَا؟)
(شاعرٌ كان يُمَنِّـــي قلما…كيف هـــــــيْ قد قصفتهُ قلَما)

ــ نجد الشاعر في نظمه الاستفهامي وكأنه يقدم للمتلقي مواعظ وتجارب قد خاضها في ذاك الحب .

الـخـاتـمـة :
ـــــــــــــــــــ
• من خلال هذا التحليل والكشف بين ثنايا الشعر الرومانسي للشاعر (ماهر الأمين) تبين لنا ما يلي :
1- أن ماهر الأمين مازجَ بين الأدب الرومانسي الإنجليزي من حيث الاهتمام بالخيال والابتكار ، وتوليف الصورة الشعرية ، والتحرر والثورة ، وبين الأدب الرومانسي الفرنسي الذي يميل إلى الخطاب الهادئ المفعم بالحزن والألم ، وبين بدايات الرومانسية العربية كما في مدرسة (أبولو) وثورتها على التقليد متجهة نحو التجديد .
2- ازدحمت قصيدة الأمين بالوجد والشغف والحب واللوعة والصبابة ضمن فيض وجداني إنساني جارف .
3- اتسم النظم بتوافر معاني العفّة والنبل والحياء والصدق والصراحة في الخطاب .
4- تَبيَّنَ أن الشاعر يعتبر الشعر فضاء منفتحا نحو الحياة وإشراقاتها ، فهو مفتاح للروح بكل إرهاصاتها ، وبهذا يكون كقنينة أوكسجين تنعش الذات .
5- استعمل الشاعر ألفاظاً ليست بالغريبة ولا بالوحشية ، حيث استطاع أن يزج مالذَّ وطاب من المفردات المستعملة في حديثنا اليومي ليأتي النص واضحاً مشرقاً مبتعدا عن النفور والتشويش ، وهنا جسَّد مفهوم الفصاحة بلغة تخاطبية سهلة الورود إلى الأذهان.
6- مَزْج العناصر الحيّة والجامدة من قبل الشاعر وزجّها في صور شعرية حية، يمكن إدراكها من قبل المتلقي والاستمتاع بها .
7- امتلكَ الشاعر من القدرة النفسية ما تتيح له صنع صور شعرية باذخة الجمال .
8- الخبرة المتراكمة في نسج العبارات وانتقاء الألفاظ .
9- القدرة على تنويع الموسيقى والأصوات ، كون الرومانسية هي عالم شفاف يحتاج ديناميكية التفاعل والتنقل والتنوع .
10 – توفر العاطفة الجياشة التي تمد الشاعر بكل متطلبات صياغة الصورة وسبك عباراتها.
11 – ثقافة الشاعر الذاتية كانت خير معين على استحضار عناصر الخيال وتعيين إحداثيات الصورة الشعرية المناسبة .

• وإذا لم تتوفر في القصيدة الرومانسية هذه السمات وهذه المتطلبات ، فلا يمكن لنا اعتبارها عملا فنياً بحق.

                          الشاعر ماهر الأمين

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.