قراءة في رواية أحمد حضراوي “عصابة شيرين وببلاوي” – جميلة بالوالي

كتابة سيرة ذاتية من طرف شخص ما غالبا ما تكون نابعة من ظروف اجتماعية واقتصادية ونفسية على الخصوص، وصحيح أنها تهدف إلى تعرية واقع معين بغية استنكاره ونقده وتجاوزه.. لكنها في آخر المطاف لا تعبر إلا عن حالات نفسية ومواقف معينة لصاحبها عند مروره بأحداث ووقائع ومتاهات، كتب له أن يعيشها ويشهدها ويعايشها.
لكن تبقى مهارة الكاتب في تطوير رؤية عامة حول المواقف التي يصفها أو ينتقدها هي الحاسم الحقيقي في الأمر، وبهذا يصبح قادرا على تجاوز نفسيته وهمومه، وبدل الانحصار فيها يتحرر منها وينظر إلى محيطه بشكل أكثر موضوعية، مما يساعده على التوثيق لظواهر اجتماعية واقتصادية ونفسية وسياسية أيضا.
ورغم قسوة ما تعرض له الكاتب أحمد حضراوي من المصريين الذين قابلهم في رحلاته الثلاث إلى مصر لظروف معينة تحدث عنها أيضا في روايته الأولى “في شراك أحمد بخيت”، ورغم شدة تأثره بخياناتهم، إلا أنه في كثير من الأحيان يتغاضى عن “أفراد العصابة” ولا ينشر كل غسيلهم، مثبتا أن الطبع يغلب التطبع لا محالة.
بعدما “طرده” أحمد بخيت من مكتبه وأوصد في وجهه كل الأبواب مخلفا بجميع وعوده له ومستنزفا لمبالغ مالية مهمة تخص الشاعر أحمد حضراوي من دون وجه حق، ضاقت مصر بهذا الأخير ولم يبق له من بصيص أمل سوى تأسيس جريدة “نجوم الإبداع” الإليكترونية التي انطلقت فعلا بالتعاون مع أحمد الببلاوي. لكن هذا الإعلامي لم يكن أقل خسة ونذالة من الشاعر “الكبير” أحمد بخيت. فطوال مكوث الشاعر المغربي القادم من أوروبا “مثقلا” بيوروهاتها -في ظنه- وهو يحاول الاستيلاء على الكنز والغنيمة، حينا تحت ذريعة مشاريع تبين أنها كانت وهمية ومجرد شباك أوقع فيها ضحيته، وأحيانا أخرى اقتراضا صريحا بدعوى قلة ذات اليد. وبعدما ثقلت المبالغ واستعصى عليه ردها كما ادعى، همّ بعرض صفقة مغرية من وجهة نظره على الشاعر بدل تسديد الدين. وكانت الصفقة للأسف هي تنازله له عن زوجته أو بالأحرى عن لحمها ليستمتع بها كما شاء وطوال المدة التي يشاء.. وهي التي كانت تراوده عن نفسه منذ زمن ولم يفكر قط بالوقوع في شباكها: “زوجتي مقابل ما تمنحه لي من عطاء”.
نزلت الصفقة كالصاعقة على شاعرنا صاحب الأحاسيس المرهفة والمبادئ الإسلامية الأصيلة، وجاء رده حاسما: “لا تنس أني مسلم، وما تحاول أن تجرني إليه أنت وشيرين شيء لا يصدق، لذلك سأعتبر نفسي لم أر ولم أسمع ولم أع شيئا..”.
ذكرته حكايته هذه بقصة سيدنا يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز، مع فارق وحيد هو تواطؤ رب البيت هذه المرة وديوثيته..كان الشاعر ينتظر من مصر أن تفتح له ذراعيها بوسطها الأدبي والثقافي الراقي، لكنها لم تفتح له سوى ذراعي نسائها الساقطات..


ولقد أثبت الكاتب الشاعر هذه المرة أيضا أنه روائي مقتدر، ويظهر ذلك جليا في تخيله للحوارات والسيناريوهات التي تدور بين شيرين وزوجها “المنظر” من جهة، وبينها وبين عائلتها من جهة أخرى. ولقد استطاع أن يصور باحترافية كبيرة التناقض القيمي الذي تعمَه فيه كل العائلة. من جهة إعلامي طموح يسعى للشهرة عن طريق الإبداع وتحمل قضايا إنسانية كبرى وهو في حقيقة الأمر لا يستطيع تحمل أدنى مسؤولية في بيته، ومن جهة أخرى أبوان وإخوة لا يتورعون في أخذ المال الحرام الذي توفره لهم شيرين من علاقاتها اللاأخلاقية.. وهم الذين يدعون التدين ويطلقون إذاعات القرآن ليل نهار. ولعل الأسلوب الساخر الذي تناول به الكاتب هذه السيناريوهات، يجعل الرواية بامتياز تراجيديا كوميدية تصف انهيار القيم الإنسانية وتبدل معانيها وانحطاطها، مع انحطاط مشاعر من يحملها.. وها هي شيرين تعطي للتضحية معنى آخر حين تقول لأمها: “هو انا ما ستهلش منكم شوية احترام وتقدير ع التضحية والمجهود اللي بعملهم ولا إيه؟”، فكيف يمكن أن يكون ثمن التضحية هو بيع العرض والشرف؟
يتحدث الكاتب أيضا عن محاولات انتحار عديدة من طرف الببلاوي، وعن محاولة شيرين الانتحار بعد صد الكاتب لها ورفضه للصفقة المشؤومة.. وكأنما قد يغفر قتل النفس وهو من أكبر الكبائر جميع عمليات النصب والاحتيال التي قاموا بها مع سبق الإصرار والترصد. فبدل التوبة والرجوع عن الذنب، يلجأ الإنسان الضعيف في لحظات الغفلة والانهيار إلى الانتحار، وكأنه يسعى إلى تتويج ذنوبه وخطاياه بالخطيئة الكبرى التي لا رجوع عنها. لا شيء يبرر الخيانة لا الدين ولا المنطق السليم ولا حتى أقصى درجات الفقر والتهميش.. فكيف يمكن لأشخاص يعيشون مرحلة حاسمة في مجتمعهم وملحمة تاريخية ألا وهي مرحلة ما بعد ثورة 25 يناير، أن يكونوا بهذه الأخلاق وبهذا المستوى الدنيء من الرذيلة والغش والاحتيال؟ هذه الأخلاق أو اللاأخلاق أصبح يعيشها الزوجان كسلوكات عادية لا استثنائية، بل وأصبحت تشكل لديهما نوعا من المتعة واللذة.
ولقد استعمل الروائي كلمات وتلميحات جريئة إلى حد ما في وصفه الدقيق لتفاصيل حياة زوجية من نوع آخر، مبنية على استهلاك أقصى ما يمكن استهلاكه من الإنسان كإنسان، من حيث المشاعر ومن حيث الجسد والروح أيضا، ولكننا نلتمس له العذر لأن الوقائع والأحداث التي يصفها صادمة للعقل والمنطق السليمين، إلى درجة أن لغة بسيطة عادية محايدة قد تعجز عن إيصال الصورة كما هي إلى القارئ.
لقد عاش الكاتب خلال إقامته في مصر أسوأ أيام حياته حيث كان شاهدا على خيانة عظمى، وهي خيانة المبادئ الإنسانية وقيم الأخوة في الدين واللغة والنسب، وهذه الخيانة ستذكره بخيانة إخوة يوسف ومكرهم لأخيهم ما دام حيا.
وهو الذي قال بعد انكشاف كل المؤامرات: “لا زلت لم أفهم.. كيف لبلد جاءها شوقا شاعر بعدما قطع آلاف الأميال فقط ليتغنى ثورتها التي قامت بها على من ألهب ظهرها بالسوط لعقود، أن تحيك له شراك النصب والاحتيال؟”.
وهكذا يكون الكاتب قد عرى واقعا مؤلما هو واقع بعض من يحملون راية الإعلام والثقافة والأدب في مصر، والذين كان لابد أن تتأثر ثورة 25 يناير والثورات المليونية التي تلتها سلبا نتيجة استهتارهم وتطلعهم إلى مصالحهم الشخصية الضيقة، بدل الانصهار والذوبان في مجتمع ثائر يبحث عن التحرر من كل ما يمكنه أن يذكره بالعبودية، أو يبقيه تحت سلطة الظلم.
ولعل هذا الوسط الثقافي المتردي هو الذي ساهم في إهدار الثورة وخيانتها وقتل رموزها وأحلامها.
وأخيرا يبقى أن نقول بأن الكاتب الشاعر أحمد حضراوي اختار هذه المرة أيضا أن يكتب نثرا وليس شعرا، لأن من يكتب عنهم لا يستحقون أن تنشد خيانتهم أو أن تأتي على قافية أو وزن، لأن غدرهم فاق كل ميزان، ولن تستطيع بحور الشعر كلها أن تستوعبه.

رابط تحميل الرواية:

https://www.alarabimag.com/books/22622-%D8%B9%D8%B5%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D8%B4%D9%8A%D8%B1%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%A8%D8%A8%D9%84%D8%A7%D9%88%D9%8A.html

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.