الأندلس… الإرث الحي

غرناطة

في حلقة ماتعة من برنامج أفكار وأفكار -الذي يُشرف على إعداده وتقديمه الأستاذ عزيز السعيدي – أخذنا هذه المرة في رحلة إلى رحاب الأندلس البهية وأرضها التي لا تغفل عنها عين السماء، بتاريخها العريق الممتد لقرون طويلة كان للمسلمين اليدُ الطولى والعليا في إعلاء شأن هذه الأرض والسمو بها. وبقيت الهوية الأندلسية عريقة وتليدة ولامعةً في الآفاق رغم كل محاولات الطمس والتهجير والتشريد بعد سقوط غرناطة في عام 1492 وما تبعها من سياسات قمعية بإشراف الحكم الملكي الكاثوليكي.
أخذنا في هذه الحلقة (الأندلس.. الإرث الحي) الضيف المحاضر ابن قرطبة الدكتور أنطونيو مانويل راجعا بالزمن إلى الوراء ثم صاعدًا بنا إلى الوقت المعاصر في حديثه عن الهوية الأندلسية والهوية الموريسكية ما بين أجداد الأمس وأحفاد اليوم. فتنوعت المواضيع سواء بما عرضه من تاريخ استقصائي لهذه الهوية والإرث الأندلسي والموريسكي أو ما أجابه من أسئلة، مُنوِّعًا الحديث ما بين الثقافة والفكر والعادات والسلوكيات الاجتماعية في إطار محكم حول الأندلس الحيّة، ومتمحورًا حول الهُوية التي ما زالت تنبض بالحياة. فعلى الرغم من محاولة طمس الهوية الأندلسية في التاريخ الإسباني عبر جعل هذه المرحلة مُفرَّغة وقفزة من عصر ما قبل المسلمين إلى عصر ما بعد المسلمين عبر شقين يذكرهما المحاضر متمثلين في أكذوبة الغزو الإسلامي لإسبانيا وفي طرد المسلمين من إسبانيا إذا جُعل التاريخ الهُوياتي الإسباني يبدأ من هنا عبر إقصاء الآخر، لكن هذه المحاولات كان مصيرها في نهاية المطاف الفشل، فقد أنبتت الأرض جذور الهوية الأندلسية من جديد وما كان اختفاؤها إلا تواريا مؤقتا وإجباريا في بيئة عرفت التأقلم مع الآخر ولم تكن قبل المسلمين عدائية تجاه المختلف وهذا ما نراه -كما يقول- مع الرومان والتمازج المحلي السكاني مع الإمبراطورية الرومانية. ولهذه الطبيعة القابلة على التمازج والتماهي الفضل في الحفاظ على الهوية الأندلسية مِن قبلِ مَن بقي بعد سقوط غرناطة أو ما سيعرفون بالموريسكيين أو من قبل أندلسيي الشتات الذين احتفظوا بأندلسهم في قلوبهم متجاوزين حدود الزمان والمكان.
ومن المواضيع المهمة التي تطرّق لها الدكتور أنطونيو هو التفريق بين الإرث الأندلسي والإرث الموريسكي، وبطبيعة الحالة التفريق بين الهويتين رغم المنبع الواحد لهما إلا أن الظروف المحيطة والبيئة الحاضنة لها الأثر البارز في تحديد معالم وسمات هذه الهُوية التي هي مثار نقاش وجدل، وسباق وسعي من أجل استعادة اعتبارها بعد قرون من الطمس والتهميش. ومما زاد هذا التمايز بين الهوية الأندلسية والهوية الموريسكية هو الانقسام الحياتي للموريسكيين (الداخلي الأسري والخارجي المجتمعي) هذا الانقسام والتباين جعل معالم الهوية الموريسكية فارقة عن أصلها الأندلسي، فهي إن كانت فرعا من أصل فقد أصبحت أصلًا جديدًا قائما بذاته. ومن الأخطاء التي يقع فيها حتى الأكاديميون كما يشير المحاضر هو الخلط بين الاثنين، ولا بد من التفريق بينهما ويشير إلى مقابلة جوهرية ما بين الإرث الأندلسي والإرث الموريسكي وما يتفرع منهما من هويات وثقافات وعادات: هو أننا حين نتحدث عن الإرث الأندلسي فنحن نتحدث عن نسخة طبق الأصل عن الأصل، أما الإرث الموريسكي وهويته فهو متخفٍ ومقاوم وموارب وممتزج مع البيئة المسيحية.

وفي إجابته عن سؤال كيف نميز هذه الهُوية الموريسكية اليوم في شوارع أندلس الأمس وما سماتها في كل مجالاتها ومظاهرها؟
يجيب إن في المقام الأول ضرورة عدم ربط الهوية الأندلسية في منطقة جغرافية محددة، فهي متوزعة في مناطق مختلفة من إسبانيا حتى التي لم تعرف تاريخيا بكونها جزءًا من الأندلس، لذا يجب أن نزيل الحد الجغرافي لهذه الهوية التي لها دلائلها الثقافية والاجتماعية واللغوية والتي تصل إلى الأطعمة والحلويات.
أما في تركز الحديث عن الأندلس فيرجع احتفاظها بهويتها إلى سببين: أنها آخر المعاقل،
وأنها بقيت محافظة على إرثها كونها منطقة مقاومة لكل عمليات الإبادة. ويضيف ثمة مفارقة في هذا الباب، ونجد أبناء الأندلس أكثر محافظة على الإرث الموريسكي وإظهار الطباع المسيحية في حياتهم اليومية. وثمة دليل في هذا التناقض أو الاستقطاب المتبادل فالجنوب ما زال ينظر إليه أنه هجين وانعدام نقاء العرق والدم ثم عدم النقاء الثقافي، حتى إننا نرى الذي لا يُعمّد يُسمى موريسكيا اليوم للدلالة على عدم الأصالة الإسبانية.

**
ومن المحاور الرئيسة في حلقة أفكار وأفكار فكان موضوع إحياء الهوية الأندلسية.
تعد قضية إحياء الهوية الأندلسية واحدة من أهم القضايا الأندلسية والموريسكية المعاصرة، أما الأب الروحي لها فهو بلاس إنفانتي الذي مدَّ الجسور بين الإرث المُستلب من الموريسكين والتاريخ المعاصر، وأفاد برفع الحيف عن الشعب وأبناء الأندلس الذي كان من أسبابه فقر هذه المنطقة وفقرها بسبب إجلاء أبنائها عنها، وهي القضية التي أفنى حياته لأجلها. وإحدى نظرياته المهمة مفادها أننا لا يمكننا الحديث عن منطقة الأندلس دون الحديث عن الأندلس التاريخية، ولا يمكن أن نفهم تطور منطقة الأندلس المعاصرة دون مرور بالأندلس التاريخية، وفهمنا لحضارتها لا يمكن فصله عن هذه البيئة الحاضنة.
أما فيما ذكره إنفانتي بأن الدين الإسلامي جزء من الهوية الأندلسية، يعلّق الدكتور أنطونيو ربط الإسلام بالهوية الأندلسية لأنه لُوحقَ وبُتر في هذه المنطقة، ومن بقي هنا من الموريسكيين هم أخوة وتربطهم رابطة الدم مع أندلسيي الأمس الذين أُجلوا بالقوة وكان غالبيتهم من المسلمين. ولا نتحدث عن الأندلس من دافع الحنين إلى الماضي بل من باب العدالة وتجبير الوضع، ومنها طلبنا منح الجنسية الإسبانية لأحفاد الموريسكيين الذين هُجِّر أجدادهم لأنهم جزء من حاضرنا.

 

أما السمات الثقافية لهذه الهوية فيتمثل جزء رئيس منها في الفلامنكو فيجيب عن سؤال:
لماذا تجعلون الفلامنكو قضية محورية في الدفاع عن الهوية الأندلسية، وما هي الفراغات التي يملأها الفلامنكو في رواية التاريخ الأندلسي؟ قائلا: إن الفلامنكو يعد الدليل القاطع على وجود وضخامة الإرث الأندلسي اليوم. فبإمكانك أن تسجن شخصا وتحرق وثائقه لكنك لا يمكن أن تسجن صوته، لذلك حاول الموريسكيون أن يحبسوا هوياتهم حيث لا يمكن أن تُسجن أو تُحارب أو تُصادر. ولو تأملنا الفلامنكو فمثة صوتان يغلبان عليه آي وأولي. فالصوت الأول “آي” صوت يعبر عن الألم، والآخر “أولي” هو للإشادة ويسهل الاستدلال على أصله من لفظ الجلالة الله، فالفلامنكو جمع الألم والأمل. ذات الشيء يمكن الحديث عن الجذور الصوفية للفلامنكو مثل سيدي ليا سُكريتيا (سكرة الروح في حب الله). وبتعلم الموريسكيين لغة جديدة وبتأقلمهم مع الوضع الجديد نرى أنهم أدرجوا كلمات في الفلامنكو هي بمثابة نسائم الهوية المُستلبة التي تمثل المقاومة والصمود. وهذا يحيلنا إلى تركيب كلمة “الفلامنكو” نفسها، الكلمة مألفة من عبارة فلاح منكوب، والنكبة أكبر كلمات الدالة على التشرد والقتل والتهجير لهؤلاء الذين كان أغلبهم من المزارعين والفلاحين.
**
انتهى بعدها مطاف الرحلة بإجابة المحاضر عن أسئلة المشاركين والتعليق على مداخلاتهم، ليُسدل الستار عن حلقة الأندلس بانتظار حلقات قادمة في حضرة برنامج أفكار وأفكار.

 

مؤمن الوزان.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.