من يستغل الإجماع لاستعادة نموذج الاستبداد والريع؟ – بلال التليدي

أعيش هذه الأيام لحظة تفكير مؤرقة، أفكر في تجارب التعامل مع كورونا وأرى الصراع يحتدم بين طرحين، الأول يستند إلى أن الصين في تجربتها في مواجهة كورونا بمركزية دولتها البيروقراطية ونموذجها الثقافي، والثاني يستند إلى أن ألمانيا نجحت هي الأخرى في هذه التجربة بنموذجها الديمقراطي وخبرتها في تدبير المخاطر.
الفيلسوف الفرنسي مارسيل غوشيه انزعج من الإشادة بالتجربة الصينية واعتبرها مجرد دعاية رخيصة، وأنه ليس هناك أفضل من النظام الديمقراطي لمواجهة الأزمات وتدبير المخاطر.
لست منشغلا اللحظة بتقييم أي النموذجين أصلح، فالوقت، ربما، لايزال مفتوحا لعقد مثل هذه المقارنات، لكن ما يهمني بدرجة أساس هو حالة المغرب.
المغرب ليس بلدا ديمقراطيا، ولا بلدا شموليا يحكمه الحزب الواحد، فلا هو بألمانيا ولا هو بالصين، هو نموذج يجمع بين الدولة السلطانية، وبين الدولة الحديثة، وتقوم عليه سلطة مركزية قوية.
في الديمقراطيات، مهما يحصل من كوارث، فالحكومة مسؤولة عن كل شيء، عن سبب عدم التوقع المبكر لها، وعن سبب عدم التفاعل الاستباقي معها، وعن السياسات التي أنتجت إزاءها.
في النموذج الأمريكي، هناك حيوية ديمقراطية حادة، الديمقراطيون يرون وكأنهم وهبوا ورقة من السماء للإطاحة بترامب والحزب الجمهوري، ويجدون في أخطاء ترامب في التعامل مع كورونا أسلحة دمار شامل، فيما يحاول ترامب افتعال صراع مع عدو خارجي هو الصين بحجة إخفائها معطيات تهم الفيروس، بل ذهب به الأمر حد اتهام المنظمة العالمية للصحة وقطع الإمدادات المالية عنها. والنتيجة ظاهرة، العملية الانتخابية ستكون حاسمة، ولذاك يسارع ترامب لمغازلة رجال المال والأعمال عبر فتح النشاط الاقتصادي لكسب نقاط تعوض ما خسره من سوء إدارته لجائحة كورونا.
ميركل التي تعهدت بعدم الترشح لولاية أخرى، أصبحت تمثل رمزا وطنيا منح من لدن المجتمع السياسي شهادة أحسن مدبر للأزمات والمخاطر، ومع ذلك، فالحيوية السياسية لم تنته، فثمة نقاشات مفتوحة في المجتمع حول قضايا حقوقية حيوية تعلق بالحجر وآثاره، ومنها على سبيل المثال حق الطفل في التمدرس.
لا أريد أن أمضي بعيدا في سَوق هذه التجارب، التي تطرح أسئلة عميقة عن التجربة الديمقراطية في المغرب. فلقد أثبتت تجربة الحجر الصحي أن الذي يملأ المكان كله هو الدولة المركزية، وأنه سواء نجح المغرب في تدبير جائحة كورونا أو فشل، فالأمر لا يمس الحكومة في شيء، مادامت تقر بأن الدولة هي التي توجه السياسة الصحية، وتتخذ القرارات الاستراتيجية بخصوص كورونا.
أتابع أداء الأحزاب، وأحاول أن أرصد دينامية ما، تقنعني بأنها تفعل شيئا في الواقع. أشاهد مشاركات رموزها في ندوات تأطيرية عن بعد، وأرى أن النتوءات التي توجد في العادة بين الموالاة والمعارضة، تضاءلت إلى حد التماهي والتطابق، ولولا قانون الشبكات الاجتماعية، لقال الناس إن الأحزاب في المغرب أصبحت على قلب رجل واحد، ولا يوجد فيها من يجعل من تدبير الحكومة لجائحة كورونا ورقة في النقد والاعتراض السياسي.
أحاول أن أقنع نفسي بما يُقال في وسائل الإعلام العمومي ويتكرر، حول النموذج المغربي في التضامن، والوحدة الوطنية والإجماع لمواجهة هذه الجائحة، لكني لا أفهم كيف تبرمج قوانين في جنح الظلام لا تعلم بها حتى الحكومة، وكيف يرتد الجميع إلى التبرؤ من هذه القوانين، التي أضحت كالعاهرة التي لا يستطيع أحد أن يدافع عنها إن غادرت بيت الشرف، فأشك في الإجماع، وأخشى أن تستثمر لحظاته المشرقة في تمرير قوانين أو قرارات تفكك ما ترسم من منظومة الحكامة، أو ترتد إلى نموذج شمولي يعادي الحريات، أو نموذج يتغول فيه التجار، ويرهنون مؤسسات الدولة وقوانينها لمصالحهم.
ارتد من خلال هذه المفارقة إلى السؤال، أي نموذج نريد للمغرب؟
نموذج ديمقراطي تقوم فيه الأحزاب بدورها، وتسأل الحكومة فيه عن كل الملفات، بما في ذلك المآسي والكوارث التي تتطلب استدعاء الإجماع الوطني؟ أم نريد نموذج الإجماع، الذي تتوحد فيه المشاعر عند الأزمات، وتستدر فيه ثقافة التضامن والتوافق لتغطي على أخطاء التدبير؟
ينبغي أن نحسم الجواب، فإذا كنا نريد النموذج الديمقراطي كما هو معروف في التجارب الديمقراطية، فهي أمامنا ناطقة، وما علينا إلا أن نقوي أحزابنا، ونضمن استقلالية قرارها الحزبي، ونقوي المؤسسات التي تستطيع أن تصمد عند الاحتكاكات القوية التي يحدثها هذا النموذج ويحقق بها الخروج الآمن من الأزمات. وإذا كنا نثق في نموذج الإجماع، المتأتي من الاختلاط بين النموذج السلطاني ونموذج الدولة الحديثة بسلطة مركزية قوية، فينبغي على الأحزاب أن تفتح عينها على مراقبة هذا الإجماع، ورصد كل من يريد أن يتلصص عليه ويستغله لتفكيك ما ترسم من منظومات الحكامة، وما جرى تركيمه من منظومة الحقوق، وأن تحذر من العودة الكلية إلى منظومة الريع.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.