رواية شيشنق الأمازيغي الذي حكم مصر “الفصل 2” – أحمد حضراوي

-٢-

وقف خلف الرواق الذي يحجب باب الخيمة يتأمل الأطفال وهم يلهون ويلعبون وسط الساحة العامة، يتشاكسون ويتعاركون ويصرخون ويصخبون، كم ود لو يقاسمهم تلك البراءة والعفوية التي تفوح منهم لكنه لا يحس بما يحسون به من متعة، ولا يشعر مثلهم بالرغبة في العبث. قطعت عليه أمه لحظة إشراقته:
– لماذا لا تشارك أقرانك في لعبهم شيشينقو؟
– لا أدري يا أمي، لا أنكر أن بي رغبة كبيرة في اللعب معهم لكني ربما أشتهي شيئا آخر الآن! -رد شيشنق-.
– أي شيء ذاك الذي تشتهيه بني، هل ترغب ببعض الحلوى أو الفاكهة؟ -تساءلت تنتسيبة-.
– لا يا أمي، ما أشتهيه هو شيء آخر لا علاقة له أبدا لا بأكل ولا بمتعة، لكني لا أدري ما هو بالضبط، قد يكون مجرد فكرة -أجاب شيشنق-.
– فكرة؟! -تعجبت تنتسيبة-.
حاول أن يعود إلى عالمه الباطن الذي أخرجته منه أمه بسؤالها له لكنه لم يستطع وقد أُغلقت مخارجه هذه المرة بإحكام، راودته الرغبة فجأة في الصيد حين رأى قوسه الصغير معلقا على الجدار الطيني، أخذه وجرى نحو الأيكة الخضراء القريبة من الهضبة، ربما استطاع اصطياد بعض الطيور في يومه ذاك أو لعله يصادف عقابا جارحا أو نسرا صغيرا، أو يدرك صديقيه اللذين قد سبقاه إلى هناك وقد صادا بعض الأرانب اليافعة.
ما إن انتصب طير صغير أمامه على غصن الشجرة الصغيرة هناك في المنحدر ضاما جناحيه كما لو كان من رهبة، حتى رقّ له قلبه وعدل عن التسديد نحوه. ليس هذا وقت الرأفة بهذا الطير الهزيل همس مخاطبا نفسه، لابد أن أتجلد وإلا استهزأ بي صديقاي، وقد أُصبح أضحوكة كل أقراني بالمدينة إذا أخبراهم بذلك، هاهما يتمتمان ويتشدقان بكلام أدرك مغزاه جيدا كما أدرك سر نظراتهما الهازئة تلك.
أغمض عينه اليسرى وجذب إليه خيط القوس حتى كاد قاباه أن يلتقيا ثم أطلقه، انطلق السهم لا ليخترق الطير المزهو بألوانه حتى حين، بل ليمزقه فتصبح ألوانه أشلاء من صدمة الرمي القوية التي حطمته. انقبض قلب شيشنق لنبضة حتى كاد أن ينخلع من مكانه لكنه تماسك وزم صدغيه، ها هو قد سفك أول دم في حياته، بل مزق تمزيقا العصفور الصغير الذي قدر له أن يكون أول طرائده.
لم يقفل راجعا إلى البيت إلا مساء، عاد حزينا لكن مزهوا في رفقة صاحبيه، يحمل أشلاء الطائر المسكين وأثر دمه وريشه على سهمه وقد انطفأت في نفسه رويدا رويدا غصة فعلته، نظر إليه نملوت ببعض الإعجاب فهو يرى ملامح التمرس والاخشوشان قد بدأت تطفو على براءة طفله وتحجبها:
– ما هكذا ستصبح صيادا يا شيشنقو -فاجأه نملوت-.
– وكيف يمكنني أن أصبح كذلك يا أبي؟ -رد بتحدٍّ شيشنق-.
– عليك أن تصحبني إلى الغابة الميتة إن شئت، سأخرج هذه الليلة لاصطياد بعض الأرانب -أجابه والده-.
– الأرانب؟ ليلا! حسنا -أجاب شيشنق-.
استعد شيشنق للمغامرة الليلية، أحس بأمه وكأنها تريد أن تعترض خوفا عليه، لكن كيف يمكنها أن تقف في وجه حماس زوجها واندفاعه للمغامرة، ما زالت تراه مرتجفا من الخوف خلال تلك الليلة الماطرة التي أمره فيها أبوه أن يحمل وجبة العشاء لحارس القبيلة الرابض في أعلى الهضبة قرب الشلال الصغير، بكى وامتنع وتردد غير أن نملوت أصر أن يقوم ابنه بالمهمة وحده في عتمة ذلك الليل المبهم. لم يستغرق فيها طويلا، فقد انطلق كالسهم الذي انحدر بيد القضاء نحو حتف ما، غير أن الخوف وحده من رافقه ساعتها.
حمل عدته وانطلق مع أبيه وصديق العائلة “يوبا”، ذلك الرجل النحيل النحيف القوي الذي يلازم نملوت كظله في كل رحلة صيد، لابد وأن صداقتهما قد توطدت منذ زمن طويل. ركبا فرسيهما وحمل نملوت شيشنق أمامه ولف اللجام من حوله. وصلوا المرج الصغير فتراءت الأرانب واقفة متوجسة تتلألأ أعينها الحمراء الشفافة البراقة تحت نور القمر المكتمل. حاول يوبا أن يلتف حول المرج ليمسك إحداها بيديه بطريقته التي يشتهر بها والتي يفتخر بها دائما على أقرانه، لكنه حينما داس بقدميه على غصن جاف استشعرت الأرانب الخطر وفرت. بعدها بقليل جدا تحرك شيء ما ضخم خلف أعشاب الغدير، ظنه نملوت أول الأمر ثورا شرد عن القطيع الذي يرعاه رجال القبيلة في هذه الأنحاء أحيانا، غير أن الوحش الذي بدأت تتلألأ عيناه قرب أسفل قدميه لا يبدو أنه ثور على الإطلاق، لا يمكن أن يكون وحشا ضاريا فما سمع أهل القبيلة عن وحوش بهذا الحجم هنا من قبل، لكنه عرفه بمجرد ما نخر نخرة، آه إنه خنزير بري بأنياب حادة.
توجه نحو حصان نملوت، ودفعه بجنبه حتى كاد أن يوقعه أرضا ومن عليه، أسرع يوبا إلى فرسه وتناول حربته وعاد نحوهما فوكز رأسها في جنب الخنزير، مما زاد من شراسة الدابة فصارت تدفع الحصانين عن يمينها وعن شمالها.
كان شيشنق يمسك بمقدمة سرج حصان أبيه ويحاول أن يتماسك فوقه حتى لا يقع من على صهوته، ظل يرمق كر وفر أبيه وهو يحاول أن يتتبع مناورة الخنزير، وأن يتفادى أنيابه التي يحاول أن يطعن بها الحصان. وجد نفسه ودون سابق تفكير يستل في لحظة خنجر أبيه الكبير من غمده المعلق على عنق الحصان عن شمال أذنه المنتصبة كأذن الذئب الحذر، يقف فوق مقدمة السرج في لمحة عين، لم يمهل أباه أن ينبس ببنت شفة أو يمسك اللجام بإحدى يديه ويضمه هو إليه بالأخرى، ليقفز فوق ظهر الخنزير ويطعنه عدة طعنات سريعة في مؤخرة أذنه اليمنى، ثم عنه إلى الأرض عن شماله ليهوي الخنزير كحائط مال فجأة على يمينه. نهض واتجه نحو ضحيته الثانية في يومه وكأنها أصبحت تترجاه بشخير احتضارها أن يجهز عليها لينقذها من عذاب آلامها، أسدى لها طعنتين أخرتين في رقبتها جعلا وريدها يلفظ كل ما كان به من دماء، مرر مديه على أعشاب المرج بعناية ثم ناولها بثقة لأبيه.
مسح بيده اليمنى على ظاهر كفه اليسرى وقد شعر بنار ألم فجأة بعد أن هدأ، لاحظ ذلك الجرح التي تشكّل من حدود معصمه حتى منبت أصابعه متسعا في وسطه قليلا وكأنه النهر المقدس مشكّلا في إحدى محطاته بحيرة، لاحظ ذلك الجرح بركبته أيضا وهو على شكل فواهة بئر، تساءل في حيرة: “لماذا كل جراحاته على شكل أوجه الماء؟”. ليلتها أدرك نملوت أن ابنه قد ودع مرحلة طفولته وإلى الأبد، لقد أصبح الآن صيادا بل أصبح فارسا، لم يعد أبدا ذلك الشيشنقو الصغير، لقد كبر بسرعة واشتد عوده، لقد أصبح الآن شيشنق.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.