“أنا حميد اللاش”.. دردشة مع د. محمد كنوف – مريم عرجون

– ماهي حبة الحب الحقيقية يا معلمي؟
– الحب هو التعلق الى درجة الغياب في المحبوب، فيصير هو أنت بعدما فنيت أنت فيه. وحبة الحب هي شغف القلب والنار التي تجلت في الفؤاد فأنارت تجلي التعلق، فصارت مركز الحس والذوبان في أوصاف المحبوب.
الحب ليس شهوة، بل فناء الحس في شوق صفات المحبوب وعدم القدرة على الاستغناء عنه. فيحصل التكامل بين الصفات والتجلي الباطني على وجه ومعنويات المحب. فيصير بذلك تقابل التخلص من الذات في ذات المحبوب، فيكون المحبوب يد المحب، ورجله، وعينيه، لتنمحي وجودية المحب في ذات المحبوب نحو الوجود الأكمل.
حبة الحب عين الحقيقة، عين الرحمة والمودة من الودود. وهي جذوة لا تنطفئ أبدا. كلما وقع شكل النار المتجلية في روح حطب المحب.
– كثيرا ما أفكر في سر غيبوبة بعض الناس عن كنز المحبة. لا أريد أن أقلل من شأن عقولهم، لكن من لا يفقه الحب هو إنسان ذو شأن ضعيف وبأشواط طويلة من الناحية الفكرية والإنسانية. صراحة هو الفراغ بعينه.
– يحدث ذلك لأن أغلب البشر لا تحب بعضها البعض بالقلب الحقيقي، بل لم تفهم معنى الحب من أصله. هي فقط عشرة على منوال العادة في الصحبة. ولاريب أن كل من فقد حبا حقيقيا مر به ولم يدركه إلا متأخرا، يبقى وحيدا في صميم وجدانه، بل ويتطور الأمر أن أغلبهم يعانون من أمراض عقلية ونفسية عميقة جدا قد تنفجر في أي لحظة. هم لم يقدّروا بساطة المعنى في الحب، فكل فاقد له كان يفهم العالم المادي فقط.
– فما هو سر الغفلة عنها، أعني كنز المحبة؟ لماذا لا يعرف أغلب الناس قيمة ما يفقدونه إلاّ بعد فوات الأوان. وتجدهم في أرذل العمر يتباكون على حقيقة خسارتهم. على سبيل المثال، العرب والشرق عموما هما أكثر من بكيا وتباكيا ورثيا نفسيهما في أشعارهما ومؤلفاتهما على وهم فقد المحبوب بمبالغة في المشاعر وتضخيمها، وتجد إن بحثت في عمق القصة شخصا فارغا لم يخرج يوما عن منظور نزعة شهوة النفس والمصلحة الشخصية، بعيدا كل البعد عن منظور القلب. طبعا أنا أتحدث هنا عن ظاهرة وليس عن أصل، على الأقل في العصر الحديث.
– العرب جنس قاسٍ بطبعه، أثرت فيه حياة الصحراء بشموسها وقساوة طبيعتها، أغلبهم أعني. وهذه الفئة العريضة حتى شهوة الجسد لا تعرف أصولها وأساسياتها. واستهلاك الجسد هو قمة ما يفكرون فيه وبميكانيكية غريزية. أما الغفلة عن كنز المحبة فسببها التركيز على الظاهر والماديات، ويمكن للمرء أن يكتب بشكل مستفيض عن هذا الجانب.
– صحيح، بالنسبة لموضوع الصحراء وما تعكسه من طبع القساوة. فالمبدأ ذاته ينطبق على الأندلسيين وأمازيغ المتوسط، لكن في شقه المعاكس. فإن تأملنا لوجدناهم أكثر رقة وتعقلا، لأنهم ولدوا واحتكوا بالخضرة والماء.
مؤخرا مثلا، شاهدت وثائقيات عديدة لساعات وساعات تتحدث عن أسرار الحضارة الفرعونية والحضارة الصينية والبابلية. سبحان الله تعددت لغاتهم وتفرقت ثقافاتهم واجتمعوا جميعا في الهوس بالخلود. مع العلم أن الفراعنة كانوا موحدين تم خداعهم، تماما كالمسيحين تمت زحزحتهم. المهم، في توابيت موتى الفراعنة لفافات تحاكي حقيقة سؤال القبر وميزان الحسنات والسيئات وجزاء الفردوس من عدمه إلى آخر التفاصيل. طبعا تم تحريف كل شيء بفضل الكهنة والسحرة عبر مر العصور. ناهيك عن الحضارة الصينية التي بنيت على الاستبداد المطلق.
وبعيدا عن كل هذا، وجدتني أفكر، أين هي هذه الحضارات؟؟! أعني حقيقة وجودها. فوجدت أن شمال إفريقيا وأمازيغ المغرب العربي وأمازيغ جنوب مصر فاقتهم قوة جميعا بل هي أقوى حضارة على وجه المعمورة. فالآخرون اختفوا جميعا لغة وتقاليد، بينما الأمازيغ موجودون، وسبعين في المئة من سكان شمال إفريقيا يتحدثون اللهجات الأمازيغية لليوم، ناهيك عن القدرة العجيبة في الاحتفاظ بالعادات والتقاليد أينما حلوا وارتحلوا.
– الأمازيغ والأندلسيون قوم فيهم طبع الرقة الطبيعية، متوازنون في سلوك العاطفة، وتلك دفقة الطبيعة المائية. لذلك كانت الرطوبة تغلب عندهم على الجفاف، فأبدعوا في العلوم وفهموا سر الروح.
أما الفراعنة فقد أفسدهم طبع النفس، فغلبت عليهم طبيعة الخيال والوهم إلى درجة أنهم اعتبروا ذلك عقلا ومنطقا يقدرون به على الخلود. والخلود مفسدة آلهة الخيال الذين تحكموا بخداع الطبع البشري الفطري، الذي طبع به الفراعنة أقصد عامة الناس.
وسر أن المغاربة والأمازيغ لم يختفوا، فهذا لكونهم شعب قانع في معيشته منزوٍ على نفسه بسيط بطبعه. والذي أنقذهم أكثر دين الله الذي أعانهم على التماسك.
– نعم سبحان الله، أكثر ما يظهر عظمة قوة ومتانة الحضارة الأمازيغية في المغرب مثلا هي الجهة الجنوبية، لامست بعضها في رحلتي لمرزوكة في الصيف الماضي. تلك المناطق مهيبة وغنية بالطبيعة الخرافية والواحات المبهرة وبساطة الناس التي قل نظيرها سبحان الله. كرماء وبسطاء فوق الوصف، وأرواحهم ما تزال تحتفظ ببريق القناعة التي غابت عن العديد من أهل المدن التي شبعت الدلال المادي والمعنوي والجغرافي بشكل عام، وأعني بذلك البحر والخضرة.
لكني أستغرب دوما لماذا النبي من الصحراء؟؟! أعرف الجواب على نحو ما. لكن ومع ذلك أعيد طرحه دوما. لماذا لم يكن من الشام وهي الغناء؟! فهي جميلة وعذبة وتليق به كطبيعة. وأتساءل أيضا: لماذا لم نسمع عن نبي بعث في الصين؟؟ وهم اأثر ملة اشتهرت بكثرة البشر.
هي فقط تساؤلات عقل آدمي صغير، مصدرها حب الله. نفكر لأننا نؤمن أنه عدل، وأيضا لا نقلق لأنه عدل وهكذا.
– نعم، أقول دائما الشام المباركة. بارك فيها النبي محمد عليه الصلاة والسلام، ولها الأبدال الثمانية وأرض الأقطاب، أي مقام الأولياء الذين يصيرون أقطابا. عددهم 12. منهم 8 بالشام و4 بالعراق. ووجود النبي عليه الصلاة والسلام في الصحراء، فببساطة لأنه مختلف عن كل القواعد، فهو الحبيب الذي نشأ في بيئة تميزت بالعصبية، فجاء ليزيل القبلية. والصحراء قاسية، جاء ليزرع فيها الحياة الإنسانية بدين الحق. ولأن العدل كان منعدما جاء به ليخلق الحق والميزان. ولأن الرحمة كانت عملة نادرة في بيئة الظلم. كان هو الرحمة عينها. أي أن الله أرسل النقيض للنقيض وأخرج الحي من الميت. ولأن مكة وسط الدنيا، فالكعبة في الأرض يقابلها البيت المعمور في السماء السابعة، حتى قيل لو سقط البيت لوقع فوق الكعبة مباشرة. وأزيد، إن سطح الكعبة هو استراحة الاقطاب الأربعة الكاملين، الجيلاني الرفاعي، البدوي والدسوقي. فهم الحاكمون على الجهات الأربعة بالتساوي. أما الصين والبلاد الأخرى فكانت بلا أهمية وقيمة في ذلك الوقت.
– سبحان الملك واللهم لك الحمد واللهم صل وسلم بارك وأنعم على سيدنا محمد.
– هناك سؤال آخر في موضوع آخر يا صديقي، ما رأيك في موجة كورونا؟ الناس انقسمت بين مفزوع أناني هرع للمحلات التجارية وبين منكب على الإحصائيات وأعداد الموتى. مع العلم لم يتحدث أحد عن قدوم مجاعة، ويكفي الالتزام بأسس الوقاية من تعقيم وتقليل التجمعات والغسل المتكرر لليدين والمكوث في البيت أكبر وقت ممكن طالما ألا ضرورة للمغادرة.
– هي حرب بيولوجية جرثومية، خرجت من المعامل والمخابر، وإبليس اللعين يساعد الموالين له على ما يقتلون به أنفسهم. هو شر للأشرار. وطريقة تعامل الناس المختلفة ماهي إلا انعكاس واضح يظهر الفرق بين من يفكر بالعقل وبين من يفكر بالبطن. في حين أن العديد لم يفكروا في سبب جائحة كورونا. مثلا ما معنى أن غالبية الدول والحكومات أغلقت المرافق إلخ إلخ إلى غاية 19 أبريل؟ ما دلالة كوفايد19؟ وما علاقة ذلك بــ19أبريل؟ مجرد تفكير لأنني لا أؤمن بمنطق الصدفة.
لكن للأسف الدنيا ومتاعها هما أكثر ما يفكر فيه الإنسان، لكن الحقيقة والتي هي حق فالكل عنها أعمى.
الشريعة هي ظاهر الحياة والحقيقة هي باطن الحياة، ومنها يعرج الإنسان إلى المعرفة لكي يعرف نفسه ويعرف ربه، فيتخلص من حب الظاهر ويفرغ قلبه من زينة الحياة، ليفنى في محبة خالقه وينال كل الرضا ليحيا خلودا في الجنان.
– غريبة هي الناس وأهواؤها، والأغرب هو لماذا أنها تكذب وتمثل؟ ما المشكلة في أن يكون المرء كما هو؟! أن يكون متوازنا؟! والأغرب تجد الكثير منهم يجتهدون في تضيع وقت وأعصاب بعضهم البعض. والبعض يصبر ويتنازل من أجل تحمل ومسايرة من لا قيمة لهم. لدرجة لا يعلم الصادق أين مكمن الخلل؟ فهو إن تجاهل تألم أو ندم لأنه ليس من طبعه القسوة أو الحدة، وإن تعامل بضميره أيضا تألم أو ندم، كذلك نفس النتيجة. أمر مضحك أليس كذلك!!
– سبق وأن قلت لك، لـ 99 في المائة من الناس اليوم اهتمام فقط بالشهوات، فلا يراعون حرمة، وبالذات الشعوب المتخلفة التي تعيش وهم التدين. وعلى الإنسان المخلص أن يتعود على تسليم أمره لله وجعل كل شيء له وفيه وإليه، حينها لن يحدث الندم أبدا. ويكفيه فقط قول حسبي الله ونعم الوكيل، وألا ينزل إلى مستوى البذاءة، وأن يصبر لله، وحتما سينال جزاءه.
سيدي أحمد الرفاعي رحمة الله تعالى عليه وهو في باب الذل، كان يقول: “أنا حميد اللاش”، أي أحمد اللاشيء، بمعنى أنا عبيد الله ذليل للحق. ويقول لتلامذته: “والله أنتم في مقام أعلى من مقامي، فإنني منتسب بكرسي التدريس وأنتم تبذلون النفيس من أجل تحصيل العلم”.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.