سؤال المرحلة: ما فلسفة الحياة “الطبيعية”، وهل لها من مستقرّ؟ – د. محمد الشرقاوي

تتباطأ عقارب السّاعة رويدا، ويطول الانتظار الطويل لغمامة “كورونية” كئيبة ثقيلة الظلّ شهرا بعد شهر، وتتشبّع العين بالتركيز على شاشة الكمبيوتر أو على صفحات الكتب في عصر المطالعة بامتياز. بعضنا وأنا منهم يعايش الحجر الفردي في فندق خلف الشارع الهادئ جدا على غير عادته، وآخرون يتضامنون في حجر شبه فردي وإنْ وضعوه في نسق عائلي محدود مع تنامي شهية الأكل وتواتر الأطباق اللذيذة. لكن الجميع يحملون تعدد الهواجس المتشابهة، ويُلهمون النفس بأنهم أعضاء في حركة تضامن ديمقراطية عالمية، وقد بلغ منّا حكم الملكة كورونا خوفا شديدا. لكن حالة عدم اليقين تزيد في “حموضة” هذه الحقبة التعيسة.
ما ألهم تفكيري في هذه المقالة فيديو قصير أرسله إليّ صديق من بلجيكا تتحدّث فيه أستاذة الفلسفة في الجامعة الحرة في بروكسيل، باسكال سيز Pascale Seys، المعروفة بأطروحتها Philosophie vagabonde أو الفلسفة المتجولة أو الشاردة، عن تجارب أشخاص انقلبت مصائرهم رأسا على عقب، وتخلص فيه إلى أنّه لا وجود لوضع طبيعي في الحياة.
في ظل ما أصبح وضعا شبه طبيعي بين حالتيْ الحجر الفردي أو العائلي بفعل تفشي وباء كورونا، يكبر سؤالان محيّران: أوّلهما، ما حدود “أنا الذات” مع “نحن الذّوات” سواء الزّوجية، أو العائلية، أو العشائرية، أو الوطنيّة، أو الإنسانية إذا اعتبرناها أنبل ترابط قِيَمِي مع البشرية في أرجاء العالم؟ فكيف تتراءى لنا علامات الفصل بين تلك الدوائر الصغرى والكبرى سواء الواقعية أو المتخيّلة، ومتى تنتهي حدود الذات الأنا ليمتدّ نطاق الذات النّحن؟ المثير أيضا كيف ظلّت هذه الأنا الذات تاريخيا رهينة بحركية الأنا النحن؟ والجميع، من حيث يدرون أو لا يدرون، مصرّون على أنّنا كائنات اجتماعية فوق العادة. لا أحد منّا يقبل عيش الانعزالية، ولا الضّياع في البرية، ولا الهجرة إلى جزيرة نائية. وحتى مخترعو السجن، كنظام سلطوي في منحى ما ذهب إليه الفيلسوف ميشيل فوكو، أمعنوا في أن تكون أشدّ العقوبات هي وضع السّجين في زنزانة انفرادية!
لا تكتمل الذات الأنا إلاّ ببشاشة الذات النّحن في محيط الأسرة والصّداقة وقرب الجوار وزمالة العمل كصيغة منتقاة من عدّة ذوات نحن نتقاطع معها في تداخل المسارات وتموّجات المجتمع. وتكمن حقيقة الترابط النفسي والحسّي بين الذّات الأنا والذّات النّحن في أنّها أنطولوجية تولد فينا قبل أن نولد، تتحرّك عبر جيناتنا وعقلنا الباطني دون أن تترك أثرا لا في تلافيف الدماغ، ولا في أوعية الدم، ولا خلف النزعة التلقائية عند الابتسامة في وجه من هم من ذواتنا النّحن. فلا يكتمل الوجود الأحادي إلا بالحضور الجماعي مثنى وثلاثا ورباعا، وعشرات في أماكن العمل، ومئات في أفراحنا وأتراحنا (وإنْ شاع خاطئ القول “أقراحنا”)، وحشدا متعاظما في الشوارع والملاعب والمتنزهات والأعياد الوطنية وغيرها. هو سؤال محيّر بالفعل، لأنّ ما تشبعنا به حاليا في زمن دكتاتورية الملكة “كورونا” هو الفصل بين الذّات الأنا والذّات النحن، وقد تمّ ترويضنا لأسابيع على تفادي الآخر والشك في شتى الوجوه من حولنا باحتمال أن تكون من عشيرة آل كورونا، وفاق التوجس منها حذرنا من آل داعش. نحن في حقبة بافلوفية كورونية جديدة لم يتنبأ بها إيفان بافلوف منظّر مدرسة الترويض الكلاسيكي والحائز على جائزة نوبل للطب عام 1904. هذه البافلوفية الكورونية تجعلنا نصنع الآخر من ذات النحن رغم حميمية الأمس القريب. وقد يصبح الآخر الأخ، أو العمّ، أو الجار “سي إدريس” في كلّ عمارة، أو “أمّي عيشة” العجوز الطيبة في كل حيّ.
قاومت الأجيال عبر العصور من قبلنا الأنظمة الإقطاعية وبقيّة تجلّيات العبودية، وتوالت في القرن العشرين صيحات نشطاء المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية تدعو لإنهاء نظام الرق. وخاض مارتن لوثر كينغ معركته التاريخية ضد سياسات الفصل العنصري في أمريكا في الستينات ونلسون مانديلا في جنوب أفريقيا في الثمانينات والتسعينات. وناضل يساريو الاشتراكية لعقود طويلة ضد النظام الطبقي المستلهم من تنظير كارل ماركس. وتحمّسنا لشجب العنصرية ضد المهاجرين في أوروبا. وبعد كل هذه الملاحم النضالية، يأتي فيروس صغير يقنعنا طواعية بتمييز لا هو عرقي، ولا طبقي، ولا عنصري، بل كلّ المجموعة البشرية بصالحها وطالحها: الجميع آخر، والآخر الجميع، وكلنّا في معركة دونكشوتية من أجل حماية الذات الأنا، وبعدها الطوفان! فهل سنعود يوما إلى عناق أحبّة الأمس، وتقبيل جبين الأعزّاء من كبار السن أو الصبايا في سنّ البراءة؟ هل سنجرؤ ثانية على ركوب الحافلات والمصاعد الكهربائية، أو التزاحم والانصهار الاجتماعي في حفلات الأعراس وفي الملاعب عند حضور المباريات الحماسية لكرة القدم؟ ببساطة، هل سنكون اجتماعيين كما كنّا من قبل؟ أم أن حكم الملكة كورونا أزلي ستؤرخ به كتب التاريخ لحقبة الكورونية على غرار العولمة والكولونيالية والحداثية والإقطاعية والثورة الصناعية وبقية المنعرجات الحاسمة في وجود البشرية؟
أما السؤال الثاني، فهو ما يختفي خلف الحديث عن ضرورة الانتظار في الحجر الصحي والخطاب بشأن تعزيز الأمل في العودة إلى الحياة الطبيعية؟ وهنا يزداد السؤال متاهة: هل هناك “وضع طبيعي” أصلا؟ ومن روّضنا من قبل على التشبع بفكرة ما هو “طبيعي” في حياتنا اليومية؟ قواميس اللغة تعرّف “الطبيعي” بأنّه كل أمر “اعتيادي”، أو “أساسي” أو “نموذجي”، أو “متوقع”. ثمة تفسيرات وتأويلات متباعدة في تحديد ما هو طبيعي. علماء النفس لا يستطيعون الجزم بنموذج واحد لهذا “الطبيعي”. وحتى علماء الاجتماع لا يعتدون بأي تركيبة اجتماعية طبيعية أو يقيسون العلاقة بين تأثير المجتمع وتأثر الفرد بمقاييس موحدة، بل يتركون الباب مفتوحا على حتمية النسبية الثقافية. هكذا قبلنا بمفهوم ما هو طبيعي من قبيل ما توافقنا عليه ثقافيا ومجتمعيا.
في كتاب صدر عام 1895 بعنوان Règles de la méthode sociologique (قواعد المنهج السوسيولوجي)، قال عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم إنّه ينبغي أن يقدّم المنهج السوسيولوجي مؤشرات أو معالم لتمييز الحالة الطبيعية عن علم الأمراض أو الشذوذ. واقترح أن السلوكيات أو “الحقائق الاجتماعية” الموجودة في معظم الحالات طبيعية، وأن الاستثناءات تشير إلى علم الأمراض. كما أوضح نموذج دوركهايم للحالة الطبيعية أن السلوكيات الأكثر شيوعا أو العامة، وبالتالي السلوكيات الأكثر طبيعية، ستستمر خلال الفترات الانتقالية في المجتمع. ولاحظ أن هناك نسخة ذات شقيّن من الحياة الطبيعية: السلوكيات التي تعتبر طبيعية على المستوى المجتمعي لا تزال تعتبر مرضية على المستوى الفردي. وعلى المستوى الفردي، يستحضر الأشخاص الذين ينتهكون المعايير الاجتماعية، مثل المجرمين، العقاب من قبل الآخرين في المجتمع.
في الأربعينات من القرن العشرين، كتب الفيلسوف الفرنسي جورج كانغيلهيم Georges Canguilhem يتحدّى “الوضع الراهن للحالة الطبيعية”، وشدّد على الفشل في التقاط ما تقوله البيولوجيا التطورية عن الاختلاف. فاستخدم مصطلحا بدليا هو Norme، المشتق من أصله اللاتيني Norma، أو القاعدة للإشارة إلى العمليات المختلفة من التنظيم الداخلي للهرمونات إلى تحول النظم الغذائية، للتذكير بأنه بغض النظر عن مدى ندرة انحراف سلوك الفرد عمّا هو متواتر، فإنه يمكن اعتباره طبيعيا إذا كان السلوك ضمان البقاء على قيد الحياة في بيئة معينة. وفي عام 1978 تحدث الفيلسوف التشيكي جيزي فاشا Jiří Vácha عن الفروق في معاني الحياة الطبيعية. فقد تعني وسيلة متواترة أو متوسط بين مجموع السكان على غرار جرس نموذجي يواصل دقاته بانتظام. ويمكن أن يعني ما هو طبيعي أيضا ما هو كافٍ كما هو الحال في عدم وجود عيب بمعنى اللياقة البدنية أو الاستقرار العقلي. غير أن الاعتداد بما هو طبيعي غالبا ما “ينزلق بين هذه المعاني والتأويلات المختلفة بين النزعات المحافظة والمعيارية إلى ما هو متوقع وجيد”.
ويظل السؤال مثيرا: هل الوضع الطبيعي هو ما تؤول إليه الأمور في منحاها التراجيدي عند شكسبير، أم ما تومئ إليه الحركات الطريفة لشارلي شابلي، أو تنمّ عنه الكوميديا بشكل عام كناية عن تفاهة أن نأخذ الحياة بجدية؟ بعد الحرب العالمية الأولى، انتشر التلويح بالعودة إلى الحياة الطبيعية Return to normalcy عندما ردّد مرشح انتخابات الرئاسة الأمريكية وورن هاردينغ Warren Harding تلك العبارة في حملته الانتخابية عام 1920. وتشاء الصدف أننا نبحث عن سبيل إلى ما تحمله مخيلتنا بشأن العودة إلى الحياة الطبيعية في عام ينتهي رقم 20. وتتقارب الصور بين 2020 و1920 عندما شدد هاردينغ في مقولته الشهيرة على أن “حاجة أمريكا حاليا ليست للبطولات بل للشفاء، لا لعقاقير التلفيق ولكن للحياة الطبيعية، ليست للثورة بل للترميم، ليس للتحريض ولكن للتأقلم، ليس للجراحة بل للصفاء، ليس لما هو درامي بل لما هو رحيم.”
لكن في تراثنا الفكري قبل أكثر من ستة قرون ما يفسر فلسفة التاريخ بشكل أفضل. كان عبد الرحمن بن خلدون من أوائل من درس العمران البشري، وكيف تتداخل العوامل الاقتصادية والطبيعية والدينية المختلفة في تطور تاريخ المجتمعات. فهو يقول إن علم التاريخ “يحتاج إلى العلم بقواعد السياسة وطبائع الموجودات واختلاف الأمم والبقاع والعصور في السِيَر والأخلاق والعوائد والنحل والمذاهب وسائر الأحوال، والإحاطة بالحاضر من ذلك، ومماثلة ما بينه وبين الغائب من الوفاق أو بون ما بينهما من الخلاف. وتعليل المتفق منها والمختلف”.
لكن من أروع ما يقدمه ابن خلدون بشأن مقولة الحياة “الطبيعية” أو الوضع “الطبيعي” هو حركية التحوّل المستمر بلا توقف. فهو يوضح قائلا: “من الغلط الخفي الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدل العصور ومرور الأيام وهو داءٌ دوِيٌّ شديد الخفاء. وذلك أن أحوال الأمم والعالم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر. إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال. وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول”.
يا شعوب كورونا اصحوا من مسلّماتكم وانزعوا عنكم خُيالات “العودة إلى الحياة الطبيعية”، واستعدوا لمرحلة جديدة بآليات مختلفة في التنظيم السياسي والاقتصادي. منذ انهيار جدار برلين عام 1989، كنّا نبحث عن تسمية مناسبة لحقبة “ما بعد الحرب الباردة”، والآن، ها هي حقبة كورونا دقّت على الأبواب!

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.