ماذا يمكننا أن نتعلم من رواية الطاعون لألبير كامو؟ وماذا ينبغي علينا تجاهله منها؟

ما شعورك لو وجدت أن منطقتك، مدينتك، بلدك، معزول عن بقية العالم، ثمة عدوى منتشرة، والناس حبيسة منازلها، وآلاف من المصابين، وآلاف آخرون أُخْضِعوا للحجر الصحي؟ كيف ستتأقلم لو كان هناك وباء يعطل الحياة اليومية؟ المدارس تغلق أبوابها، والمشافي تعج بالمرضى، لا تجمعات من أي نوع، إيقاف المناسبات الرياضية والحفلات الموسيقية والمؤتمرات والمهرجانات، وعلِّقت خطط السفر إلى أجلٍ غير مسمى؟ عادةً ما تكون أسئلة كهذه أسئلة نظرية.
قدّم ألبير كامو عام 1947 بسن الرابعة والثلاثين وهو الكاتب الفرنسي المولود في الجزائر، إجابة تفصيلية وثاقبة عن هذه الأسئلة بعملهِ الروائي (الطاعون). (فاز بجائزة نوبل بعد ذلك بعشر سنوات وتوفى بعدها بثلاث سنوات إثر حادث مروري). يؤرخ العمل التفشي السريع والانحسار البطيء للطاعون بمدينة وهران الجزائرية الساحلية، في وقتٍ ما في أربعينات القرن الماضي. وبمجرد ما أعلن الوباء المتباطئ عن وصوله حتى خيّم على حياة وعقول أهل المدينة قرابة العام. حينئذ رحل مسرعا وغير قابلٍ للتفسير. “تسلل خلسة عائدا إلى الجحر الغامض الذي انبثق منه”.
“يُظهر كامو مدى سهولة الخلط بين الوباء وأيَّ أذًى آخر”.
يجب عليك التوقف عند هذا العمل سواء كنت قد قرأته أم لا، بل إنه يتطلب إعادة القراءة حتى نعيش لحظات عصيبة دوليا وعالميا، حيث يكتسح فيروس كوفيد 19 الناجم عن شكل جديد من الفيروسات التاجية – العالمَ. منذ ظهوره في أواخر العام الماضي في مدينة ووهان الصينية (أغلقت المدينة منذ مطلع العام) حتى بدأ في مسيرته وغزا دول العالم تباعا، ذعر عام، وانهيار للأسواق المالية، وثمة مناطق ومدن وبلدان تحت الحجر الصحي، إيطاليا من بينهن. أغلقت أماكن العمل والمدارس، وعملت الجامعات عن بُعد هذا الأسبوع (13-3) في العديد من المدن الأمريكية، ألغيت العديد من الفعاليات، ومُنع السفر لغير الضرورة القصوى. سرعان ما ارتقى الوباء إلى جائحة. ونظرا لكل هذا قد تجد وقتا للقراءة أكثر من المعتاد. ورواية كامو لها أهمية ملحة، حيث أنها تضج بالتجارب والعبر.
مهما بدا لك أن فيروس Covid-19 مرعبا فكن على يقين أنه لا يقترب من الطاعون الباطش في عمل كامو. في القرن الرابع عشر تسبب الطاعون الدملي والذي عرف أيضاً “بالموت الأسود” بقتل ما يقارب ثلث البشر في قارة أوربا وحدها. وعندما اجتاح لندن بين عاميّ 1656 و1657 قتل ربع السكان. وفي حالة لم تكن تعلم، فإنه ما يزال موجودا حتى يومنا هذا، ولا يطوف في آسيا وأفريقيا فحسب بل وينتشر في جنوب غرب أمريكا، إذ إنه ينتقل عن طريق براغيث القوارض المصابة. يتسبب الطاعون في ارتفاع درجة الحرارة والقيء وتورم مؤلم بالفخذ يسمى دُمل (مشتق من اسم دُملي). وحتى مع العلاج بالمضادات الحيوية فأن معدل الوفاة قد يصل إلى 10% وفي حالة عدم العلاج يصل إلى 90%. فيروس كورونا ليس بهذا السوء بعد.
عندما كتب كامو عمله هذا لم يكن هناك وباء في مدينة وهران، مع ذلك فقد فتك الطاعون بالمدينة في القرنين السادس والسابع عشر (تفشى في وهران مدة شهر عام 2003). بالوقت الذي تنتقل به أعراض الطاعون وآثاره المدمرة بشكل يتسم بالكفاءة بالعمل، إلا أن الكاتب لم يركز على الجانب الفيسيلوجي كثيراً بل على الجانبين الاجتماعي والفلسفي. وعلى الرغم من أن روايته تتتبع تطور وباء معين في مدينة وبلد وإطار زمني معين، فإن موضوع كامو الحقيقي يقع خارج الزمان والمكان.
كان هدفه من العمل هو تناول موضوع العدوى التي قد تباغت أي مجتمع على نحوٍ مجازي كالكوليرا والإنفلونزا الإسبانية والإيدز والسارس وكوفيد 19، وحتى الأيديولوجيات الهدامة كالفاشية والشمولية التي تصيب مجتمعات بأكملها. عندما كان كامو يكتب هذا العمل، رأى النازيين يقتحمون باريس في سنة 1940 خلال الحرب العالمية الثانية. تولى حينها رئاسة تحرير مجلة كومبات، المجلة السرية للمقاومة الفرنسية، التي كان من بين مساهميها أندريه مالرو وجان بول سارتر وريموند آرون. أبصر كامو حينئذ العلاقة المتأصلة بين العدوى النفسية والجسدية، واتضح هذا جليا بالعمل.
مع بداية القصة تنسل الفئران من الظلال إلى النور واحدةً تلو الأخرى، ثم تتعاقب على دفعات، تتجول في الشوارع على نحو مقزز. أول من فطن لهذا هو طبيب محلي يدعى ريوكس، الذي استدعى حارسه ميشيل ليتعامل مع الإزعاج، ذهل الطبيب حين رأى حارسه يمر بفورة غضب بدلاً من الاشمئزاز. ميشيل كان مقتنعاً أن هذا لا يعد أكثر من مزحة سمجة من الشباب ذوي السلوك السيئ الذين يتسكعون بالأرجاء. وحال ميشيل كان كحال أهل وهران حيث إنهم غالباً ما يسيئون تفسير “الظواهر المحيرة” مبكراً، ولا ينتبهون إلا بعد فوات الأوان. في بادئ الأمر جل ما قاموا به هو التذمر من السلطات وإدانة إدارة الصرف الصحي المحلية. يعبر الراوي عن هذا بقوله: “كان السكان متقوقعين على أنفسهم بهذا الشأن”. و”كانت إنسانيتهم تصدهم عن الإيمان بالأوبئة”. وبهذا يوضح كامو كيف يسهل على الناس الخلط بين الوباء وأي أذى آخر.
يتنبه الطبيب لهذه الآفة بعد مرض ميشيل وموته، يطمئن ذاته قائلاً “يجب ألا يفطن العامة لذلك، فإنه لن يعود بالنفع عليهم بكل الأحوال”. يوافق بيروقراطيو وهران على ذلك، حيث إن الوالي (مثل العمدة أو الحاكم في مستعمرة الجزائر) مقتنع شخصيا أن هذا لا يتجاوز كونه إنذارا كاذبا. كما يصر البيروقراطي الأدنى منزلة “ريتشارد” أنه لا يجب أن يسمى المرض بالطاعون رسميا، لكن يشار إليه بأحد أنواع الحمى فقط. لكن مع زيادة وتيرة عدد الوفيات، يرفض الطبيب المحلي ذلك التعبير الملطف. يضطر عندئذ القادة لاتخاذ إجراءات صارمة.
يحمّل كامو السلطات مسؤولية الحد من انتشار الوباء. في حين أنه لا سبيل إلى إنكار الأدلة على وجود المرض، فإن رد الفعل السلبي أكثر خطورة من رد الفعل المفرط. يوضح كامو أن الجميع لديهم هذه النزعة، نشترك في هشاشتنا الإنسانية. يقول: “يعلم الجميع أن الأوبئة لديها طرق خفية لتكرار وجودها، لكننا وعلى نحو غامض نجد صعوبة في تصديق وجود ذلك البلاء الذي يهوي على رؤوسنا من سماءٍ زرقاء”.
سرعان ما تُغلقُ المدينة، ويُفرض الحجر الصحي، حيث يعزل سكان وهران عن بعضهم وعن العالم الخارجي. يقول الراوي: “أول ما أحضره لنا الطاعون كان المنفى”. بعد إغلاق بوابات وهران يعلقُ صحفي يدعى رامبر هناك، يلجأ الصحفي إلى الطبيب ريوكس ليعطيه شهادة صحية تمكنه من العودة إلى زوجته في باريس، إلا أن الطبيب لا يتمكن من مساعدته. يقول له الطبيب: “هناك آلاف العالقين مثلك في هذه البلدة”. يشعر رامبر كسائر سكان هذه البلدة بعدم جدوى الخوض في محنته الشخصية، وذلك لأن الطاعون يمحو “خصوصية حياة الأفراد” حتى مع زيادة وعي الأفراد بمدى وهنهم وعجزهم عن التخطيط للمستقبل.
هذه الكارثة جماعية، يقول كامو: “تصبح احتمالية انفصالك عمن تحب، شعورا طبيعيا يتقاسمه الجميع على حد سواء”. هذا الكرب بالإضافة إلى الخوف يصبح “أعظم مأساة تواجهنا في مدة العزل التي تنتظرنا”. يمكن لأي شخص اضطر مؤخرا إلى إلغاء رحلة عمل أو فصل دراسي أو حفلة أو عشاء أو إجازة، أو لمِّ الشمل مع محبوب، أن يشعر بعدالة إبراز كامو للتداعيات العاطفية بوقت الطاعون: مشاعر الخوف، العزلة، فقدان السلطة. وهذا هو “التاريخ الذي يمرُّ عليه المؤرخون العاديون مرور الكرام” والذي يدونه كامو في روايته، وما تدونه رواية فيروس كوفيد 19 حاليا أيضا على الحياة المدنيّة.
إذا كنت قد قرأت رواية الطاعون منذ عهد بعيد، ربما في أحد فصول الجامعة، فمن المحتمل أنك تأثرت بالعذاب الجسدي الذي وصفه الروائي ببراعة وعلى نحوٍ عميق، ربما أنك كنت قد انتبهت أكثر إلى الأدغال والحفر الجيرية، عوضاً عن “الحمى المتفاقمة” التي تحاصر المرضى في فقاعة الوباء. المرضى الذين حاربوا شعورهم بالعزلة من خلال ارتداء الملابس، والتجول بلا هدف على طول شوارع وهران، ويخرجون إلى المطاعم، متهيئين للهرب في حالة سقوط أحد رفاقهم أثناء العشاء. “محاصرون بالرغبة المحمومة للحياة، التي تأخذ بالازدهار بدواخلهم في قلب كل كارثة كبيرة”. لكن وفي سبيل إراحتكم، مواطنو طهران لم يكن لديهم موارد عالمية كالموارد التي بحوزتنا الآن. في أي مدينة نبحث عن المجتمع في الواقع الافتراضي، مع استمرار الوباء واستقراره في هذا العصر الرقمي، هذا يقدم لنا دليلا جديدا على الرؤية الحادة التي يتمتع بها كامو للخلفية العاطفية من العدوى.
في وقتنا هذا، فإن المصابين بالطاعون معزولون بعالم خاص بهم، بسماتهم المميزة يعيدون تلوين صورة كامو. ونحن ذاهبون إلى البقالة نهمل وبشكل متعمد كل النصائح المنتشرة بجنون في مواقع التواصل الاجتماعي، لا نلقي لها بالاً، غسل أيدينا، وعدم المصافحة، وأخيرا “التباعد الاجتماعي” يمكننا ممارسة حياتنا عن بعد، والعمل عن بعد، وذلك كله من أجل تجنب الإصابة أو نقل العدوى. يمكننا تجنب المهرجانات والحفلات الموسيقية والمطاعم. لكن إلى متى؟ كامو يجيب عن هذا: “لا يمكننا أبداً أن نعرف”.
الرجال والنساء الذين عاشوا في وقت الاضطراب منذ نحو قرن مضى، والذي سعى كامو لإعادة توضيح وتصوير الويلات التي جبروا على التعايش معها من خلال روايته الساحرة. جل ما ينبغي لنا التأكد منه هو استحالة استمرار هذا الوضع إلى الأبد. ستنجلي غمامة هذا الفيروس اللعين وينحسر لا محالة. كما أننا نأمل ألا تكون هناك فيروسات أخرى شبيهة له لكنها آتية رغم أنوفنا. وعندما تفعل سنحاربها بقراءة هذا العمل كما نفعل الآن، ونقرأ أنه حذرنا من هذا منذ زمن خلا وحثنا على تفسير “الظواهر المحيرة” تفسيرا صحيحا وعاجلا. يقول كامو “مرّت على هذه الأرض أوبئة كثيرة بكثرة الحروب لكنها دائما ما تفاجئ الناس كما تفعل الحروب”.

ليزل شيلينجلر: ناقدة ومترجمة وتدريسية.
ترجمة: شوق العنزي.
تدقيق لغوي: مؤمن الوزان.

مقالات ذات صلة