وظيفة الشعر في زمن الكورونا – أحمد حضراوي

ما كاد يخبو التهجم على الأديان في زمن وباء الكورونا وتحديدا الإسلام، زعما أن ما تحتاجه الإنسانية الآن هو العلم الذي يعول عليه في إيجاد دواء لهذا الداء، حتى انبرى البعض الآخر للتهجم على الشعر والشعراء مرددين نفس الكلام، ما فائدة الشعر أصلا، وخاصة في ظل هذه الهالة من الموت؟
لن أدافع في هذه التدوينة عن الإسلام فللإسلام رب يحميه، لكن دعونا نتساءل: عندما شهدت استراليا مثلا حرائق الغابات، كان رجال المطافئ في الصدارة لأنهم هم من واجه النيران بشجاعة الماء، لكن لا أحد اتهم زارعي التوليب في مهنتهم، لأنهم يعلمون جيدا أن دور الإطفائي سينتهي بمجرد إخماد النيران ليأتي بعده دوره البستاني ليعمر الغابات والحدائق بالأشجار والورود.
نعود الآن إلى تصريحات رؤساء الدول وساستها، وأقصد بالدول هنا تلك الأشد تضررا من وباء كورونا، كلهم رفعوا أمرهم إلى السماء لتنظر إليهم بعين الرحمة، بل إن ترامب رئيس الولايات المتحدة المتكبر المتغطرس، نفسه ذل رأسه للسماء ولما تتعرض بلاده لفظاعة الفيروس مقارنة مع الصين ودول أوروبية خاصة إيطاليا. الإحصائيات تنذر بسقوط آلاف الضحايا مستقبلا وهناك من يتحدث عن ملايين، رئيس إنجلترا قال صراحة إن المرحلة القادمة هي مرحلة توديع الأقرباء ومرحلة تسلسل الجنائز. الكل مجمع تقريبا على أن الكرة الأرضية مقبلة على وليمة نهمة، قد يقال لها عن قريب هل امتلأت فتقول هل من مزيد!
قد يفتح المحظوظون منا بعد أشهر أو سنوات عيونهم على إحصائيات بشرية جديدة على هذا الكوكب، وبدل أن يشاهدوا مؤشرات أسهم التعداد السكاني نحو النمو كعادتها، يجدونها قد نقصت بضع مئات ملايين في فترات قياسية، وحين ستحتاج الأمم إلى الطاقة الإنسانية من جديد لتعمير الأرض وإعادة بناء الإنسان وفق أسس جديدة، سيحتاجون إلى الشعراء، فالشاعر وحده من يستطيع أن يعطي لعمل البستاني والنباتي الذي عمر الحدائق والغابات معنى، الشاعر وحده من يستطيع يومها أن يبعث رسل الورد حبا يجمع بين عاشقين، يتبادلان كلمات قصائده ليلا ونهارا لتنفجر الأحاسيس وتتشابك النبضات وتدنو الشفاه من بعضها، ويؤسَّس للعناق دولة، يتكاثر شعبها بعد قراءة كل ديوان جديد.
يومها، لن يرضى الشاعر بتبخيس مهنة علماء المختبرات، فالشاعر يعلم أن لكل مهنة ومهمة توقيتها الإنساني الذي يناسب دورها الحضاري المناط بها.

مقالات ذات صلة