برفقة صديقتي سليمة – فاطمة الزياني

من لحيته المنسدلة على عنقه كشعر امرأة سافرة، ومن لباسه الأفغاني، فهمنا أنه “اخوانجي” ذو ماركة محلية. ومن أمازيغيته المنكسرة اتضح لنا أنه من آيت عبد الله وما تحت.

نظر إلينا أنا وصديقتي سليمة، وتمتم في سره كلاما كأنه يستعيذ بالله من شياطين الأرض والبحر والجو، لكنه وافق على توصيلنا بما أننا ننتمي إلى نادي المحجبات. نحن الاثنتان نؤمن بحجاب العقل وهذان القماشان اللذان نلف بهما جمجمتينا ليسا إلا لمسايرة القاعدة الاجتماعية نفاقا وتفاديا لمشاكل نحن في غنى عنها. لو علم هذا السائق الظلامي بأفكارنا لأوقف سيارته وقذف بنا في صهريج الماء الذي يتواجد بفاراطو حذاء الطريق الرئيسية الذاهبة الى المدينة.
لم نتجرأ على الجلوس بجانبه، اقتعدنا الوراء، فكرت: “النساء في المساجد يصلين وراء الرجال”، ولا أدري لماذا حضرني الحديث الذي يقول: “يقطع الصلاة: المرأة والحمار والكلب”! ولكي لا أستغرق في هذا المنحى استعذت بالله وحوقلت وبسملت وقرأت قل هو الله أحد ثلاثا. تمنيت لو أجهر بقراءتي هذه ليطمئن صدر السائق ويركز في طريقه، ولكني خفت منه أن يعتبر صوتي عورة. اكتفيت بالصمت وإظهار الوقار، آه لقد صرنا نخاف من البشر أكثر من الله..
حدقت في قفاه الذي يشبه جذع شجرة يابسة، يمكن للقفا أن يعبر عن ماهية صاحبه: هل هو حر أم عبد ذليل؟ ويبوسة هذا الذي أمامنا، إن دلت على شيء إنما تدل على تعرضه للصفع والنخز كثيرا. الرجال في هذا الإقليم المنسي شمالا، حتى وإن أبانوا عن كبريائهم وتكبرهم، ظلوا إلى عهد قريب يأكلون العصا ويتعرضون للإهانة في الإدارات، في مخافر الشرطة، من طرف المشغلين ومن طرف أصحاب لاكريمات وسيارات الأجرة..
أذناه طويلتان، يبدو أنه سيعيش طويلا. حاولت صديقتي أن تمزق شرنقة الصمت بسعال مصطنع، بنحنحة، بطرق خفيف على الزجاج لكن دون جدوى. غمزت لي بطرف عينها. يا للمصيبة، لو لمحها في تلك المرآة المعلقة التي يراقب بواسطتها الأماميون الورائيين بتلصص وخبث. أشحت ببصري بعيدا.. مداشر ومقابر. أطلال منازل من زمن الزلزال. بيوت مبنية بالآجر قد بقيت عارية لم يجد أصحابها إسمنتا يكسوها ويستر عريها الفاضح. تساءلت سرا: “يا ترى ماذا يقول دين هذا السائق المتعصب في فجور هذه البيوت العارية من الإسمنت؟”، “ثم أين ذهبت تلك الملايين التي جاءت من بلدان المسلمين ومن بلدان الكفار؟”، “بأي اسم نهبت؟”.
وصلنا أجدير، عند “الرمبوان”. هذه النقطة الطرقية شاهدة على الراشين من سائقي الشاحنات والحافلات، ومن المهربين والمخروطين ومن مدمري قانون السير، وعلى المرتشين من شرطة الطرق. انعطف الطاكسي يمينا ببطء، الشرطة واقفون يمينا ويسارا.
هناك واحد منهم مختفٍ وراء شجرة الصفصاف بشكل مضحك، يريد أن يقنص المسرعين. لا سرعة هذه الأيام، كل السائقين يعرفون بوجود الملك.
سألت سليمة بعفوية وهي تمرر بصرها على جنبات الطريق مستعرضة كل أنواع البذل: الأمن، الدرك، العسكر..: “هل حضر الملك ؟” أجاب السائق بسرعة كأنه كان ينتظر فرصة للكلام: “نعم، لقد حضر الملك !”. حدقت في وجهها، شعرت بها وهي تفكر. حاولت أن أقرأ أفكارها، يا إلهي هل تريد أن تغير موضوع رسالتها بعد أن سارت بعيدا في كتابتها؟ شدت على يدي بقوة، حررت يدي من يدها بقوة، يدها قالت ليدي: “لقد ظل الملوك بعيدين عنا، نبعث بالجباية إليهم، ونعيش سعداء رغم الإجحاف والتهميش. كان السردين رخيصا والحبوب والبطاطس كذلك، وكان الصيد متاحا والاصطياف لا يكلف شيئا. أما وقد فكروا في العودة.. تنهدت بمرارة. تجنبت عيناي عينيها، فجأة أمرت السائق بعصبية: “من فضلك أريدك أن ترجع.. لا أريد الوصول إلى الحسيمة”.
أجابها بنفس النبرة: “لا أستطيع الآن، ألا ترين الدولة كلها هنا، أتريدين أن أكمل باقي أيامي في السجن؟
عاد أدراجه من محطة كلابونيطا إلى رمبوان أجدير، ثم دار على يمينه ونزلت سيارته في اتجاه إمزورن. أكيد أن السائق يتبرك باليمينية حتى في انعطافاته. فكرت: “اليوم هو اليوم العالمي لليساريين!”، اليساريون دماغيا وليس إيديولوجيا. وتمتمت قوله تعالى: “فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة، والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم. “ها هي ذي إمزورن بمنازلها المقفولة أبدا. توقفت السيارة، نزلنا ثلاثتنا، أخرجت الصديقة الفلوس ومدتها له غاضة بصرها، تأمل اليد الأنثوية الرطبة بعشق. كشفت حقيقته في آخر المطاف، ثم تناول المبلغ وأدخله في جيب مستغفرا، ومن الجيب الثاني أخرج سبحة وراح يتمتم.
جلسنا في مقهى، مقاهي هذه المدينة الذكورية ذكورية أيضا بامتياز. تطلعت نحونا كل البآبئ باستنكار كأنها تقول: “ما هذا المنكر العظيم؟ في مقهانا نساء؟”. قالت لي سليمة وهي ترتشف قهوتها: “يبدو أن الرجال هنا قد أحكموا قبضتهم!”، أجبتها متسائلة: “هل أحكموا القبضة على مفاصل الدولة؟”، أردفت: “لا.. لا.. أحكموا القبضة على مفاصل النساء”. قلت مغيرة الموضوع: “هل الشماليون، الذين يكتبون بأيديهم اليسرى يعتبرون من أصحاب المشأمة؟! ضحكت: الله أعلم، وقامت. وفي طريقنا إلى المكان المقصود قالت: “المهم عندي أن نكتب حتى ولو كان بالأرجل”.
أخذنا طاكسيا جديدا. حرصنا على ألا يكون صاحبه ملتحيا، اللحية قناع، ونحن لا نستطيع التعامل مع المقنعين. في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لم تكن بعد شفرات ولا مواد الحلاقة، لذلك كانوا كذلك. صديقتي تريد التعرف عن كثب على هذه المناطق الريفية الأمازيغية التي تكتب عنها وتسردها تاريخيا وجغرافيا في رسالتها الماسترية. أبواها من آيت قمرة، لكنهما هاجرا مبكرين إلى تطوان. وهناك ولدت سليمة، وهناك درست. إلا أن حديثهما عن إقليم الحسيمة خلق فيها حنينا مستمرا، رغم أنها تزور بلدها الأصلي كل صيف، وقد تعلمت الريفية بشكل لا بأس به.
وصلنا آيت بوعياش، هذه البلدة التي ما تزال أزقتها متربة. فتحت المقاهي والحوانيت التي مررنا بها بحذر، لا وجود لحس المرأة خارج البيوت. قالت لي سليمة: “كأننا في قلعة مبنية لسجن النساء!”. نعم هذا هو، هنا الذكور ولا شيء غير الذكور. أكملت كلامها: “هؤلاء هم الذين انخرطوا في مظاهرات 20 فبراير.. يريدون الحرية والكرامة ويتبنون قيما كونية كبرى.. ما هذا؟ يستعبدون النساء ويطالبون بالحريات؟.. والدولة لماذا تتعامل معهم بحذر الخائف؟..”. أردت أن أشرح لها أن ما يفعلونه تجاه نسائهم من اعتقال، وما يفعلونه تجاه المخزن من رفض وانتفاض، يعتبرونه رجولة وشرفا وشهامة. ثم إن المرأة هنا لم تهم بالمطالبة بحقوقها. المكاسب تسلب ولا تعطى.. لم أقل شيئا. العيون تحاصرنا، هل تحرسنا؟ هل تتحرش بنا؟ هل تحاول معرفة من نكون نحن المتجرئتان على اقتحام عالم لا يخطوه إلا أصحاب الشوارب التي تقف عليها الصقور؟.. أسرعنا في المشي.. لهثنا.. وابتلعنا زقاق مليئا بالأطفال، وبضجيجهم الأمازيغي المألوف.

مقالات ذات صلة