التأصيل في أعمال محمد إدارغة، رحلة الصيف والشتاء نموذجا – د. عبد الناصر لقاح

ها أنت الآن، أيها المتيم بالوصف، تتلمس جدارات تحلزنها.. من قصة شذرات من أدب الحمار ص..37

* * *

ثمة ألوان من التأصيل في الكتابة القصصية عند محمد إدارغة، على مستوى الموضوع والشكل معا، نحب في هذا المقام الوقوف عليها بوجازة شديدة لا بتفصيل وفضل نظر، ذلك أن الذي يشغل بالنا هو توكيد وجودها لا تسويغ ورودها.
التأصيل، في معنى من معانيه، التأثيل والعودة إلى الأصل وهو أمر ينسحب على إعمال الفكر واستعمال اللغة ونحت المفهوم وفق ما يقتضيه السياق الكلامي بعامة.
والتصور عندي أن التأصيل عند محمد إدارغة في أعماله الإبداعية والنقدية معا يتمثل جليا في لغته وموضوعه وأسلوبه.
في القصص التي يضمها كتاب رحلة الصيف والشتاء كثير من الاحتفال بما هو يومي وموصول بالبيئة المغربية بخاصة والعنونات نفسها دالة في هذا السياق: العجين، ماسح أحذية: طبعة مزيدة غير منقحة، السفر ممنوع والرزق على الله، حفيظ والقط.. الضاد في غرفة الإنعاش.. ومضامين القصص جميعها لا يمكن أن تحيل على غير حالات مغربية.. قد تشترك في الموضوع مع حالات مصرية أو جزائرية لكنها في الحكاية لا تكون إلا مغربية.. ويدل على ذلك استعمال اللسان الدارج المغربي العربي والدخيل وذلك في الجملة والكلمة معا.. لدعم الاتصال المباشر بالبعد البيئي المغربي.. وفي هذا إلحاح على تأصيل القصة مغربيا وهو أمر صنع، مثله، نجيب محفوظ ويوسف القعيد مصريا والميلودي شغموم مغربيا، كل وفق تصوراته الخاصة وأنظاره الإبداعية الجمالية.
وفي هذا السياق نفسه تسترعي انتباهنا وبقوة آسرة وساحرة لغة الكاتب التراثية أيضا، وهي في هذه الحال امتداد لأصل في الكتابة أو في الحكي عند العرب القدامى.. ومن ثم، فأنت تقرأ محمد إدارغة وتأنس في لغته لغة الجاحظ وأبي حيان التوحيدي وهما صارمان ضابطان، كما تقرأ محمد إدارغة وتجد في لغته من اللسان الدارج مما تجد له مثيلا في مقامات الحريري تراثيا.
وحينئذ فأنت، لغويا، تواجه تأصيلا على مستويين: لغوي بحت وهنا اللغة الرسمية التي نسميها فصيحة ولغة دارجة.. في الأولى احتفاء صريح بأساليب القدامى وتعبيراتهم، وفي الثانية نحو من التعامل وأسلوب من التوجيه دون توسل باللغة نفسها أو بالتعبيرات ذاتها، وإن كان الاشتغال هو عينه.
في الأولى تأصيل تراث من خلال اللغة وفي الثانية تأصيل هوية من خلال اللغة أيضا، وبينهما بون شاسع بالطبع.
واستنادا إلى ذلك، يبدو لي أن محمد إدارغة ينحو نحوا مختلفا عن كثير من القصاصين المغاربة المعاصرين.. ذلك أنه بدل الجمع بين التراث والحداثة يجمع بين التراث العربي والحديث المغربي، وهو في هذا موضوعي جدا ومنسجم جدا.. لا يعاني وعيا شقيا.. ولا يعاني، أيضا، في مفهومه للكتابة من استلاب زمني واستلاب مكاني.. هو في حالة امتداد عربية.. عربية قديمة وعربية مغربية حديثة تنطلق من محيط عربي.. ومن ذات ساخرة لغويا.. سخرية تمثلها بمكنة عالية قصته الموسومة بـ: حالة سلوكية، وقصته التي بعنوان: زغرودة في كأس.. والسخرية وحدها موضوع ثر في أغلب قصص محمد إدارغة..
وثمة ملاحظة تصل الكاتب بالتراث لغويا، تلكم الوجازة الشديدة مع تفصيل في الوصف، وهو مما يحمد له لدلالته على قدرة لغوية فائقة، وكلنا نعرف مدى صعوبة الوصف في السرد لما يحتاج إليه من طاقة لغوية دقيقة ومعرفة بالفروق اللغوية.. والوصف لا يكون إلا تفصيلا ومع ذلك يتم بوساطة اقتصاد شديد على مستوى العبارات والجمل. والقصة ما تكون إن لم تكن فكرة عميقة مؤداة بتكثيف شديد وفق وصف دقيق ومفصل..؟

مقالات ذات صلة