في ضيافة عبد الله بوصوف، من ذكريات معرض الكتاب 12 – أحمد حضراوي

وصلنا رواق مجلس الجالية الفاخر، الذي لو خصصت الأموال التي خصصت لتشييده وزخرفته لإبداعات مغاربة الخارج لما كفاهم معرض بحجم معرض الدار البيضاء لعرض منتجاتهم الفكرية والإبداعية، وبدأ ترتيب الندوة واختيار أماكن المشاركين بعناية، كما تم حشد ذباب بوصوفي كثير في كل جوانب الفضاء، وقامات فكرية وشعرية وإبداعية عمرما جاءت لتشاركنا العرس الثقافي وقد أعلنا عنه على صفحاتنا بمواقع التواصل الاجتماعي.
كانت السيدة حرم الأمين العام في استقبالنا ككل مرة، وككل مرة نتساءل ونعيد التساؤل: من أين تستمد سلطة حضورها بكل هذا الجأش والإدارة لنشاط هذه المؤسسة، وهي حسب علمي لا منصب رسمي لها بها، هل وصل التسيب بالمؤسسات الدستورية إلى هذا الحد لتشرك نساء مسؤوليها في مسؤولياتهم؟
وقفنا أربعتنا على جانب مدخل الرواق، بينما رأينا الشاعرة إياها التي فرضت علينا فرضا قد أخذت مكانها فوق المنصة، واختارت صدارتها إلى جانب مقعد الدكتور الذي اختاره المجلس لإدارة الندوة، اقترب منا الدكتور وعرفنا بنفسه بلباقة وأدب، اكتشفنا من خلال تبادل بعض الكلمات حول الندوة واقتراحاته حولها أننا أمام قامة فكرية تمتلك نواصي الطرح والحوار، فشعرنا بشرف عظيم أن تقترن أسماؤنا باسمه، فأخذ كل منا مجلسه وقد شعر بتكريمه أيما إكرام، كان غياب عبد الله بوصوف عن ندوتنا بعكس كثير من الندوات السابقة هو علامة الاستفهام الكبرى التي حلقت فوق رؤوسنا.
طلب مني الدكتور المسير باعتباري رئيس الرابطة ترتيب المداخلات، فأجبته باللغة الفرنسية: Les femmes d’abord.كان لابد وأن نضع من فرضت علينا فرضا أمامنا لا خلفنا حتى نعطيها فرصة بناء موقف على مداخلاتنا، كان لا بد أن تفتتح هي ليعرف بوصوف أن لعبته قد انكشفت من قبلنا منذ البداية، وبأننا لا نلدغ من مثل مناوراته تلك.
كانت ما زالت تتذكر ما أسررت لها به من كلمات، فاطلقت مثل عنترة في ساحة الوغى تمتدح التجربة الثقافية المغربية الرسمية في الخارج، وتعرج على كل الوزارات والمؤسسات وصولا إلى مجلس الجالية، تشكره على رؤيته الثاقبة، وإسهامه الكبير، ودعمه اللامحدود لمغاربة الخارج ليس في الجانب الثقافي بل وفي شتى المجالات حتى كادت أن تؤلهه. ولعل أجمل ما راقني في مداخلتها التي تشبهها تماما، هي أنها بمجرد ما انتهت منها حتى التفتت نحوي وحيتني مبتسمة وكأنها تقول لي: “لقد أديت دوري وفق توجيهاتك وإرشاداتك تماما سيدي”، ولسان حالها يقول: ”بل كما رسمه ولي نعمتي”.
ثم أخذت دوري لأفتتح لأصدقائي طريق المداخلات -وذلك وفق ما اتفقنا عليه-: أول ما بدأت به مداخلتي هو أنني قهقهت عاليا في وجه المسير والحضور، وفي وجه الكاميرات الكثيرة التي قيل لي قبل دخولي إلى الندوة أنها لمسؤولين كبار في “المجال” ومنها ما هو “لأصحاب الحال”، الذين اصروا على توثيق كل مداخلاتنا صوتا وصورة. ثم نقلت نظري بين الكتدخلة وبين الجمهور الكريم متسائلا: ”من أي كوكب جاءت هذه المتدخلة -المحترمة-؟ وعن أي دور تتحدث وأي إنجازات تقصد؟”.
أدركت أنها قد وقعت في الفخ، وأدرك من كان من ورائها أن حيله لم تنطوِ على مثلنا، واستمر تدخلي في نفس السياق، بل تجاوزه إلى هدم كل منظومة هذا المجلس التسويقية لنا كمغاربة العالم، ولم تسلم من صراحتي لا وزارة الثقافة ولا غيرها من الوزارات والهيآت، التي لا علاقة لنا بها هنا في الخارج إلا الخير والإحسان، أما وجود دور لها في حياتنا اليومية فكلام نشرات أخبار لا غير.
كانت أطروحات باقي أفراد الرابطة في نفس الاتجاه، تناقشنا بعد انتهائنا من المداخلات مع الحاضرين الذين أعجبوا بمستوانا الفكري ووعينا وسلامة لغتنا، ما إن رفعت الجلسة حتى أقلعت تلك المحشورة بيننا عنوة من مقعدها، واتجهت مسرعة متجهمة نحو وجهة مجهولة.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.