في ضيافة عبد الله بوصوف، من ذكريات معرض الكتاب 11 – أحمد حضراوي

تغيرت معاملة عبد الله بوصوف لنا ونحن ما زلنا ضيوفه بعد هذا اللقاء الطويل، وقل حماسه لنا واحتفاؤه بنا وقد فهم أن القوم غير القوم، والمعدن غير ما تعود على فركه بيديه، حتى إذا التقينا به صدفة في أحد جوانب الفندق سلم علينا وكأن الموت يتعقبه واعتذر لنا بضيق وقته عن عدم قدرته على البقاء معنا أطول. ما تغير هو أن زوجته أصبحت تلتقي بنا “صدفة” في الفندق لأكثر من مرة، وتحدثنا عن إنجازاتها في كتابة الشعر والرسم، وعن عدد الدعوات التي تأتيها من الخارج لأمسيات أدبية ومعارض فنية، لا تستطيع تلبيتها جميعها، كما لم تغفل كل مرة أن تمتدح جمعنا واجتماع قلوبنا مع التركيز على أحدنا بالحديث أكثر والإطراء أشد، وعرض الإقامة في الفندق لمدة أطول حتى بعد انتهاءمعرض الكتاب، إلى ما شاء وسمح به وقته، فالبيت بيته -أقصد الفندق فندقه-. تركيز على شخص واحد دون غيره كأنها تريد أن تفصله عن الجمع والاستئثار به والاستفراد بهخارج نطاق الرابطة، كمحاولة أخيرة لشق أواصر الرابطة.
كان اليوم الموالي هو اليوم المحدد لنا كرابطة لتقديم ندوة عن الوضع الثقافي في المهجر، وعلاقة المثقف المهجري بمؤسسات المغرب المستحدثة للتعامل مع هذا الشأن، قبل أن ننطلق إلى المعرض أقبلت “إحداهن” ممن تدعين الشعر، مقيمة بفرنسا واقتحمت مجلسنا في إحدى زوايا صالة استقبال الفندق، لتخبرنا أن السيد عبد الله بوصوف أصر إلا أن تأتي من فرنسا خصيصا لتحضر معنا ندوتنا، فلم تجد بدا لقبول عرضه، لم تمر إلا لحظات حتى أقبل بدوره يحيينا هذه المرة بابتسامة عريضة ويصافح كل واحد منا بحرارته المعهودة ثم يضع ذراعه على كتف “الآنسة” ويقدمها لنا كشريكة في مائدة الندوة. استغربت من عرضه وعرضها وبادرته أننا نقدر نوايا السيدة الطيبة في الظهور معنا في ندوتنا، غير أنها ليست ضمن رابطتنا وليست ملمة برؤيتنا وتصورنا الثقافيين، وغير مؤمنة بالتالي بنفس خطنا التفكيري بالضرورة. أبى عبد الله بوصوف أن يسمع منا المزيد، وأبى إلا أن تساهم معنا بمداخلة من طرفها. كنا أمام خيارين: إما أن نقبل بالوضع أو نعتذر عن الندوة، وكنا نعلم أن اعتذارنا عن الندوة التي صرفت مبالغ كبيرة لإحضارنا إلى المعرض لتقديمها في رواق المجلس سيؤول إلى ما لا يمكن أن يكون في صالحنا.
طلبت من أعضاء الرابطة أن يثقوا بخطتي التي ألهمت بها بعد أن أخذتهم بعيدا عن آذان وعيون المتطفلة علينا، اقترحت عليهم أن نقنعها بعكس ما ننوي أن نطرحه من أفكار وحقائق، وأن يتركوا لي تنسيق الندوة وإدارتها وترتيب مداخلتها. عدت وأخذت تلك السيدة المزروعة في ندوتنا عنوة وحاولت إقناعها بأننا جئنا إلى الدار البيضاء لنقبل الأيادي والرؤوس لعله يجودون علينا ببعض العطاء والدعم، وأن المنظمين لا يجب أن يشعروا أبدا أننا مستائين من سلبية دورهم تجاهنا كمثقفين مهجرين، وأن تقتصر مداخلاتنا على كيل المدائح لهم والشكر لهم والإطراء عليهم والتوسل إليهم لينظروا إلينا بعين العطف والشفقة.
نظرت إلي باستغراب وقد كانت تظن أننا ننتوي العكس، حيث باحت لي بأنها ارتاحت الآن وقد سمعت مني هذا الكلام، فالظرف لا يسمح بانتقاد المجلس أو الانتقاص من دوره أو المساس بالقائم عليه وهو الذي يأمر السحاب ليجود علينا بكل غيث.
استوت جيدا على جودي كلماتي المطمئنة لها، غابت عني للحظات ثم لحقت بي وبالمجموعة، ثم جاء دور السيد الأمين العام الذي احتلت ابتسامته نصف وجهه، واكبنا حتى سيارة الليموزين الواسعة التي خصصها لنا لتنقلنا إلى معرض الكتاب، اهتمت وصال براحتنا طوال الطريق، حتى وصلنا إلى ضوضاء الكتب.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.