تأملات في متحف موريس كاريم بأندليخت – فكري بوشوعو

بيت مميز ومزين ذو بناء يحمل طابع الرمزية، بحديقة تعطي لزائريه وصف الهدوء والسكون، يحيط به قليل من النسيم الذي يغازل دون اختيار ورودا تعكس جمال الألوان البسيطة على جدران معنونة بلافتة تلخص للتائه والزائر والمتأمل، حقيقة هذا البيت بعنوان: “متحف موريس كاريم”.
صوت خفيف الظل هزيل القوة يعبر مجموعة من الأصدقاء ليرن في أذني يخبرنا بما يتوجب فعله قبل الدخول، كمسح الأحذية عند الباب وترك المعاطف والهواتف في مكان تم تخصيصه لهذا الأمر، ولم يدم الوقت طويلا حتى اتسعت المساحة لرؤية صاحبة ذاك الصوت ولم يكن إلا لامرأة في عقدهاالتاسع، قصيرة القامة جدية في التعامل، مبتسمة وهي تبحث عن أشياء في وجوهنا، كأنها تقرأ تأملاتنا لتجد الطريق الأنسب للإجابة عنها، التأمل الذي سكنني للوهلة الأولى للتسائل عما وراء رمزية هذا المتحف. وزاد التأمل ذاته فضولا عند الاستماع إلى حديث ذات الـ٩٤ عاما، وهي تحكي كل تفاصيل حياة شاعر الحب والسلام موريس كاريم الذي ولد عام 1899 بوافر وتوفي 1978 بأندليخت البلجيكية، هي حكاية تسردها سيدة المتحف بكل الجوارح، وبعيون الماضي والحاضر والمستقبل، وهي نفس الأحاسيس التي تجتاحك وأنت تتأمل شخصية الشاعر في روبتري يتكون من مجموعة صوره، والتي تحمل لمسات وتوقيعات ألمع وأشهر الرسامين بمختلف الجنسيات.
صمت رهيب وأنت تتجول من جناح لجناح، يليه شعور وكأنك تبحر على سفينة عنوانها موريس كاريم وأشرعتها ذكريات للسعي وراء الحرية تحت قيادة قبطانة، جعلتها علاقتها الوطيدة بهذا الشاعر تملك ذاكرة لا يسكنها الخوف ولا النسيان، بل يغمرها حب حياة موريس وذكرياته مع كل رواية تم نشرها أو الاحتفاظ بها بين رفوف مرتبة بطبقات مرقمة لأرشيف كبير له تاريخ أدبي لمسار كله تأملات وحكايات وأسرار كذلك، وقد تشعرك أية رحلة بتعب شديد، لكن أن تملك روحا أدبية فلا يمكن لتعب الرحلات أن ينال من تأملاتك، خاصة عندما تستقر بين إرث أدبي تحمله مكتبة صغيرة داخل متحف موريس كاريم، وكذلك وأنت تسمع لصوت يعشق الأدب قبل أن يعشق الأديب، صوت يردد عن ظهر قلب كلمات بعض القصائد والروايات، ولا تضجر السيدة من تكرارها عبر حديثها خاصة الجزء الخاص بعالم الأطفال الذي جعله الشاعر البلجيكي موريس جزءا كبير في إرثه الأدبي بروايات بعناوين الطفولة كالعصفور، الشمس والقط.. إلخ.
أن تنتهي بك رحلة التأمل في أحضان الحب والسلام والإبداع، هذا يعطيك حقيقة رمزية الأشياء، الرمزية التي بدأت بالمنزل الأبيض عام 1933 ليصبح متحفا بأندليخت البلجيكية لمن رسم البسمة على وجوه الأطفال، ورقصت له ريشات أكبر الرسامين، وتغنت برواياته أصوات أكبر المغنيين، واحتفت باسمه أكبر العواصم الأوربية، إنه الإرث الأدبي الحقيقي الذي يحمل رسائل من منبع المعانات لتكون جسر السعادة لكل العالم، وبين ثنايا تأملاتنا يسكن أمل لكي يصل بالفعل الإرث الأدبي العربي والمغربي بالخصوص إلى زرع رمزية الأدب والإبداع، وخلق أرواح أدبية تتأمل حاضرها بإرث ماضيها ومستقبلها، بإرث حاضرها، وهو المعنى للإرث الأدبي الذي همسته روح سيدة متحف موريس كاريم بأندليخت في تأملاتي برسائل الحب والعشق، وكأنها تعيش كل اللحظات الماضية التي جمعتها بقوة مع الشاعر الراحل موريس كاريم، الذي جعلني أعيش تأملات بدون حدود ولا جنسية ولا ديانة ولا لغة، لأن عنوان تأملاتي كان فقط هو حب الإبداع والأدب، وحرية التعبير.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.