النموذج التنموي الجديد على بعد مرمي حجر من لجنة بنموسى – الحسين فاتيش

يقول المثل المغربي الشهير “دير مادار جارك ولا ارحل من احداه”، والمغرب هو الجار الجنوبي لدولة إسبانيا التي أصبحت قبلة للمواطنين المغاربة الفارين من لظى الجحيم المغربي بعد أن كان بلدنا في وقت من الأوقات أكثر تقدما وأكثر أمنا وأمانا ورفاهية من إسبانيا، التي كان شعبها يرزح تحت وطأة التخلف، وتحت فاشية الدكتاتورية الفرانكوية، وكانت إسقاطات محنة الحرب الأهلية التي مر منها الشعب الإسباني لا تزال ذات ارتدادات وذات مفعول سلبي قوي يعيق المسيرة نحو تحقيق النمو، ويغرق البلد في الفقر والبطالة، لدرجة أن إسبانيا كانت أكبر بلد مصدر لهجرة اليد العاملة نحو بلدان أوروبية صناعية، مثل فرنسا وألمانيا وسويسرا..
بعد أن نفضت إسبانيا عنها غبار سنوات الدكتاتورية وكتب شعبها دستور 1978 الذي أعطي انطلاقة لمسلسل الانتقال الديمقراطي، وسنت الحكومات الديمقرلطية المتناوبة على الحكم رؤى سياسية سليمة وواقعية من برامج اقتصادية واجتماعية ركزت على التخطيط، لما بجب أن يتحقق لتجاوز معيقات النمو وضمان الاستقرار والتطور والرقي،.وترسيخ دعامات الدولة الاجتماعية التي لا تترك أحدا خارج حمايتها..
دون أدنى شك، كان المؤشر الأكثر أهمية لنجاح الاندماج الإسباني في مجموعة الاتحاد الأوروبي التي انضمت إليها في فاتح يناير 1986، هو التقارب في مستوى دخل الفرد، في عام 1985 كان دخل الفرد في إسبانيا يعادل 71 ٪ مقارنة مع دخل الفرد في أوروبا، في الخمسة عشر. في عام 2004، ارتفعت آخر البيانات المتاحة إلى 90 ٪، بعد التوسعات الأخيرة مع الدول الأكثر فقراً، كانت إسبانيا بالفعل أعلى من متوسط الدخل (100.7٪)
الملاحظة التي تفرض نفسها أمام شساعة البون في التفاوت بين البلدين الجارين على كافة الأصعدة، وما يعكسه الواقع السوسيو اقتصادي في كليهما معا من حقائق تعكس بجلاء ووضوح لكل ذي بصيرة، أنه بقدر ما تتقدم إسبانيا وتحقق المعجزات، بقدر ما يتقهقر المغرب ويسجل تراجعات خطيرة في كافة المجالات، إذ اعتبر التقرير السنوي للعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان حول وضعية حقوق الإنسان بالمملكة خلال سنة 2018، الذي جرى تقديمه في الأسابيع الماضية بالعاصمة الرباط، أن المغرب واحد من البلدان التي تتخذ الظرفية الدولية “المتحولة” و”المتقلبة”، كـ”ذريعة لتبخيس عمل المنظمات الحقوقية والنقابية والسياسية. وفي المجال الاقتصادي قال المندوب السامي للتخطيط، أحمد الحليمي، إن المغرب بذل مجودات خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة في الاستثمار، لكنّها لم تُفض إلى جعل المجال، الذي يشكل 30 بالمائة من مجموع الطلب الداخلي للمغرب، يساهم في رفع نسبة النمو على النحو المطلوب. الأمر الذي يترتب عنه فقدان الحكومة المغربية القدرة لدعم سوق وقطاع العمل وتطويره، مما يتسبب في حدوث نقص في الإنتاج ورأس المال، وتدني فرص العمل، .ومن تم انتشار ظاهرة الفقر والهشاشة، وتنامي الرغبة لدى الشباب في الهجرة بواسطة قوارب الموت التي لا يستثني منها حتى الأطفال، انطلاقا من المغرب نحو جارته الشمالية، حيث تعيش وتعمل جالية مغربية قوامها 714,338 (حسب إحصائيات المعهد الإسباني للساكنة لسنة 2019)، المرتبة الأولى من بين الجنسيات الأجنبية التي تقيم وتعمل بإسبانيا. هذا بصرف النظر عن احتماء حوالي 20 ألف طفل مغربي بالمؤسسات الخيرية الاجتماعية بمختلف الأقاليم الإسبانية المستقلة في الديمقراطية الإسبانية الفتية، التي تحتل المرتبة 13 في تصنيف يقيم حالة الديمقراطية في العالم. نقرأ عدة جوانب مثالية تصلح لأن تسترشد بها لجنة صياغة النموذج التنموي الجديد إن كانت هناك فعلا رغبة في القطع مع نموذج المزاوجة بين السلطة والمال وخلق ورعاية النخب الفاسدة، وفي تغيير الاتجاه نحو سياسة تحقيق الانفراج وإطلاق الحريات وتفريغ المعتقلات من سجناء الرأي وضحايا حرية التعبير، والمطالبين بالكرامة والعدالة الاجتماعية تفاديا لحدوث الانفجار.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.