إلموندو والجالية المغربية بالمهجر، جائزة أحسن جريدة للعام 2019 – د. يحيى اليحياوي

لست من مغاربة المهجر ولو أنني عشت ردحا من الزمن بفرنسا.. بيد أنني لو اعتبرت نفسي من هؤلاء بــ“الأقدمية“، فسأكون ممن يرشح جريدة “إلموندو” الإسبانية كأحسن جريدة للعام 2019..
في الصيف الماضي، خرجت “إلموندو” بتحقيق دقيق عن عبد الله بوصوف أمين عام مجلس الجالية المنتهية ولايته منذ 8 سنوات و13 يوما.. “ترميه” فيه، هو وبعض أفراد عائلته وأشخاص آخرين.. ترميهم جميعا بتهم خطيرة، تتعلق بتهريب الأموال وتبييضها، من خلال إرسالها لمؤسسات مغربية وهمية بإسبانيا، ثم تحريف وجهتها بعد ذلك، لتصب في حسابات شخصية مفتوحة بالمغرب.. العنوان في حد ذاته صادم: “الغطاء الأنثوي لتجارة المخبرين المغاربة في إسبانيا“.. ملف كتبت حوله كثيرا، وقد أعود لنشر المستجد منه، وفق ما يسمح به القضاء، ولا يتعارض مع قانون حماية المعطيات الشخصية..
لماذا تصنيف “إلموندو” أحسن جريدة للعام 2019؟.. أولا، لأنها كرست وقوت نمطا في الصحافة يكاد يندثر من الساحة، يسمى لدى أهل الاختصاص بصحافة التحقيق.. صحافة تنبش في الوقائع على الأرض، تدقق في التفاصيل، وتنشر النتائج مصحوبة بالوثائق وبالصور.. عمل صحفي راق ينهل من الأنتروبولوجيا بقوة، لأنه ينهل مما أسميه صحافة الهامش، صحافة الظل.. نمط اندثر تقريبا بالمغرب، جراء عوامل شتى لا مكان للحديث فيها هنا.. ثانيا: الجريدة تستحق التكريم أيضا لأنها لم تركب ناصية المزايدة أو التشهير المقصود، ناهيك عن نأيها بنفسها عن “صحافة الفضائح“.. الجريدة من كبريات الجرائد العالمية، ومصداقيتها ثابتة، لا غبار عليها.. كل كلمة كتبتها، في حالة “أبطالنا المغاربة“، وثقت لها، بحجج دامغة فيما يبدو.. وبمقتطف من حسابات هؤلاء بالأسماء والصفات والتواريخ، وبصورهم أيضا لمن لا يقرأ الإسبانية.. التوثيق هنا نقطة جوهرية، لأن العمل الإعلامي غير الموثق، يبقى من مجال الرأي ولا يرقى للعمل الإعلامي الاستقصائي ذي المسحة المهنية.. ثالثا: الجريدة لم تكابر ولم تتنكر لما ذهبت إليه، ولم تخضع للابتزاز.. عندما رفع بوصوف دعواه القضائية أمام المحاكم الإسبانية (باسم المجلس؟)، رحبت بالبادرة وأبانت عن استعداد منقطع النظير لمواجهة دفوعاته بالمعطيات وبالحجج، وضمنها معطيات استقتها من مصادر قضائية موثوقة، وتصريحات النسوة اللواتي زعمت الجريدة أنهن تلقين المبالغ في حساباتهن بالمغرب.. بيد أن نقطة قوتها هنا هو تشددها في عدم الكشف عن باقي مصادرها.. وهذا حق كوني مكتسب لا يعرف قيمته إلا من أدى بجريرته من منصبه أو من رزقه أو من حياته..
هذه العناصر الثلاثة (التحقيق، التوثيق، ثم التشبث بالحق في عدم الكشف عن مصدر المعلومات)، هي من أبجديات العمل في الصحافة التي تحترم نفسها.. وإلموندو منها دون شك.. الجريدة تستحق إذاً جائزة العام 2019 بامتياز.. أما الادعاء الجانبي بأن اليمين واليمين المتطرف يستهدفان المغرب، فهذا مستوى عرضي، لا علاقة له البتة بما نحن فيه.. تحقيق إلموندو محدد ودقيق ولا يحتمل تحريف النقاش: هل ثمة تبيض أموال أم لا.. من لدن من ولفائدة من؟.. نقطة للسطر..
أما الكلاب الضالة، المرابطة بمقاهي محجة الرياض، من مسترزقة الخارج وبعض ضعاف نفوس الداخل، فإنها ستطأطئ رأسها هذا الصباح، وهي تقرأ هذه التدوينة.. لقد جئتها بملك الموت من حيث لم تحتسب..

مقالات ذات صلة