[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

نشوة مغربية تمتدّ في الزمان والمكان! – د. محمد الشرقاوي

 

مناسبة هذه السطور تدوينة كتبتُها في مثل هذا الأسبوع قبل عامين، وأستعيدها هذا الصباح من شارع الذكريات عبر محطات الزمن المغربي في بعده العالمي بعدما قرأتُ مقالة عن المنصف السلاوي وهو يقول: “لو بقيت في المغرب لانتهى بي المطاف في السجن أو تعرضت للاختطاف.”

هو زمنٌ مغربيٌ نمطيٌ لا يؤمن بأحلامك،
ولا يكترث لأفكارك الخارجة عن النص أو حتى “المجنونة”، وقد يشكك في توجهاتك أو يضع إسمك وهاتفك على قائمة الرصد والتنصت، أو يحاول شيطنتك إذا خرجت عن خط الخطاب الرسمي أو اعتمدت منطلق النقد وطرح الأسئلة المغيبة. هو زمن مغربي مثقل بالمفارقات لا يعتد بوجودك في الداخل، ويلوح بمغربيتك في الخارج، وتطول الحكاية…!

#إنجاز_علمي_وحضاري_يفوق_أهمية_استضافة_كأس_العالم! (تدوينة 5 ديسمبر 2018):

نادرا ما تجود الأخبار بما يثلج الصّدر عن أمّة عربية تدمن منذ سبعة عقود على استرخاء العقل المستقيل، وقلّما تصحو من سباتها المعرفي أو تشد همّتها من أجل تحقيق ذاتها العلمية بألمعية أبنائها من حملة الهمّ الفكري والتنويري. لكنّ هذا الأسبوع يحمل نبأ سارّا من العيار الثقيل وهو حفل إطلاق معجم الدوحة التاريخي للغة العربية الذي أنجزه المركز العربي للدراسات وتحليل السياسات وأشرف عليه الخبيرالمغربي في اللسانيات الدكتور عزالدين البوشيخي مع فريق ضمّ حوالى 300 من الباحثين العرب في مسيرة تنقيب متريّث ودقيق في عشرات الآلاف من المفردات والعبارات طيلة السنوات الأربع الماضية.

قبل يومين، جمعتني جلسة ودية بشوشة بالدكتور البوشيخي صحبة صديقنا المشترك الدكتور مراد دياني الباحث المشارك في المركز العربي ورئيس تحرير دورية “استشراف للدراسات المستقبلية” حول فناجين قهوة من مزاج Costa Lover وسط الدوحة. استعرض الدكتور البوشيخي منهجية التحقق من كل لفظ وسط تباين المعاني وأحيانا النطق بين شتى المراجع، وكيف كان النقاش يحتدم بين الباحثين قبل التوصل إلى الصيغة النهائية. ومن أهم ما يقدمه هذا المعجم في صيغته الإلكترونية الراهنة مقارنة بعض العبارات بين 500 عام قبل الإسلام و500 عام بعد الإسلام، وأيضا تعقب تطور المفردات بين شتى العصور القديمة والحديثة والمعاصرة ضمن عشرات المجلدات عند صدور النسخة الورقية في المستقبل.

وخلال تعبيري عن تهانئي له وللمركز العربي، قلت إنّ تحقيق المعجم التاريخي للغة العربية “ليس مجرّد إنجاز تاريخي فحسب، بل هو أيضا إنجاز حضاري للبحث العلمي العربي” في زمن الانتكاسات والحروب الأهلية وضياع البوصلة، وأنه “سيجد مكانة رفيعة بين النفائس ليس في مكتباتنا وجامعاتنا العربية فحسب، بل وأيضا في مكتبة الكونغرس في واشنطن، وكلية الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن، ومعهد العالم العربي في باريس، وشتى مراكز البحث الرائدة في الشرق والغرب.”

كان اللقاء مغربيا بامتياز في مناقشة أهمية هذا الإنجاز ودلالته المعرفية والحضارية في قلب الدوحة بقيادة مغربية طموحة ومتنورة. ومن حيث لا أدري، وجدتني أتذكّر مقالا قصيرا كتبته أيام أقمت في لندن لاستكمال الدراسات العليا والعمل في هيئة الإذاعة البريطانية BBC منتصف الثمانينات بعنوان “المشرق مشرق، والمغرب مغرب: فهل يلتقيان؟!” وأثار وقتها نقاشا حادا مع بعض الأصدقاء المصريين واللبنانيين والسوريين حول حقيقة العلاقة بين المشرق والمغرب، وهل هو “تفوق” فكري مشرقي “واقعي” أو “موهوم” من صنع انطباعات نمطية منذ الحقبة الاستعمارية، أم أنّ هناك “تساويا” بين الكفتين المغربية والمشرقية، أو ربما حقق العقل المغربي والمغاربي في الأعوام العشرين الماضية “تفوقا” في الاتجاه الآخر بحكم عدد الجوائز العلمية والأدبية التي يفوز بها المغاربيون بشكل متزايد في شتى العواصم!

استحضرتْ ذاكرتي حديثيْن بهذا الشأن قبل حوالى عشرين عاما، أحدهما مع الروائي والأكاديمي السوري الأمريكي حليم بركات خلال مقابلة أجريتها معه في برنامج تلفزيوني “عكاظ في أمريكا” كنت أقدمه في شبكة ANA، والآخر مع الدكتور إبراهيم عويس الأستاذ في جامعة جورج تاون في واشنطن. وكلا الرجلين يرفضان فكرة “التفوق” المشرقي بموازاة ألمعية المغرب. تذكرتُ أيضا حماسة المفكر والروائي المغربي بنسالم حمّيش عندما شدّد على أن “المغرب ليس كُمّا للمشرق”، وأيضا دعوته الإخوة في المشرق للتعامل مع إخوانهم في المغرب “على قدم المحبة والمساواة.”

واليوم، يجسد معجم الدوحة التاريخي للغة العربية مجهودا علميا عربيا جماعيا بقيادة الدكتور البوشيخي ضمن اهتماماته في التداوليات واللسانيات الوظيفية بعد أن ترك خلفه إدارة مركز دراسات الدكتوراه في جامعة مولاي إسماعيل في مكناس. عندما تسطع الأضواء على حفل إطلاق المعجم في العاشر من الشهر الجاري، ستكون لحظة أخرى مناسبة للتأمل وربما لإعادة تركيب الجغرافيا المعرفية في أذهاننا جميعا وتحديث الانطباعات العامة حول العلاقة بين مراكز هذا العالم العربي الفسيح. ومن حيث لا يدري الدكتور البوشيخي، فإنه يجيب بشكل ضمني على سؤالي القديم “المشرق مشرق، والمغرب مغرب: فهل يلتقيان؟!”

وإذا تأمّلنا الصورة الأوسع لحفل إطلاق المعجم، تكون الدوحة قد حققت مونديالا عالميا بين مراكز الأبحاث وتفوقا واضحا على مؤسسات الاستشراق والتخصص في الدراسات العربية، وهو في نظري مونديال استراتيجي وأكثر إشعاعا وأقوى دلالة من مونديال الملاعب!

عن نازك الملائكة

شاهد أيضاً

مدينة العيون التي رأيت __ الشريف فاضل بن حسين بن علي*

 ” العيون التي رأيت ” :   العيون المغربية أو واحة السلام كما أحببت تسميتها، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.