[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

يوم شاق وممتع – فؤاد عياط

 

اليوم، وأنا أقوم بأول مهمة لتوزيع الرسائل والبعائث في العالم القروي المحيط بالمدينة حيث أعمل، خرجت بنتيجة مفادها أنه يلزمني قبل أي يوم عمل أن أكتب وصيتي وأودع عائلتي وزملائي مع طلب المسامحة والدعاء لي بالرحمة والغفران.
بدأ يومي بحمل ثقيل من الرسائل، تسع وتسعون فاصل تسع وتسعين بالمائة منها كشوفات زبناء الأبناك، وما تبقى يندرج ما بين البعائث الإدارية والرسائل الشخصية، صورة توضح بالملموس أفول زمن التواصل العائلي والاجتماعي الدافئ عبر الرسالة وانقراضه، وبزوغ زمن العبودية الجديدة عبودية الأبناك. أضع حملي هذا على دراجة العمل النارية المتهالكة التي يبدو أنها أخطأت الطريق إلى المتحف وحطت رحالها هنا في مهمات يومية أكبر بكثير من طاقتها، تحتاج لتشغيل محركها البارد إلى صبر جمل وقوة فرس النهر، بعد جهد جهيد يعمل المحرك، ثم وضعت الخوذة على رأسي وانطلقت نحو القرى الهامشية حول المدينة في مسار يقترب طوله من الستين كيلومتر. بعد حوالي 10 كيلمترات أصل أول قرية، أدخل بين حواريها الغير المعبدة، لأبدأ لعبة القفز بدراجتي كأني امتطي حمارا عجوزا في أسبوع الفرس بسبب المطبات وجداول المياه العادمة التي ملأت الأزقة بسبب انعدام البينة التحتية لتصريفها، هذه المياه العادمة التي ستتحد مع مخلفات حمام عمومي في جدول كبير يصب في واد أم الربيع، هذا النهر الكبير الذي فقد الكثير من حجمه نتيجة سنوات الجفاف، واكتسب الكثير من فضلاتنا ومخلفاتنا المنزلية، حتى أنني أجد من المنطق تغيير سمه من واد أم الربيع إلى واد أبو المراحيض. تنتهي مهمتي في هذه القرية، أتجه نحو أخرى عبر طريق وطنية همشها اللا وطنيون، طريق تربط الوسط بالجنوب، طريق ضيقة للغاية أطرافها متآكلة، رغم كل شيء فهي طريق لا تستريح أبدا، شاحنات، سيارات، حافلات، و.. لأربع وعشرين ساعة متواصلة وبسبب سرعة السائقين الجنونية وضيق الطريق، اضطررت أحيانا كثيرة الخروج منها مرددا الشهادتين، طالبا أن ينتهي يوم عملي هذا على ما يرام، أصل إلى القرية الثانية، كلب قادم نحوي، أقف متحسبا متأهبا لهجومه، يغير طريقه مبتعدا عني كأني به يقول لي: “اللي فيك يكفيك”. بعد أن انتهيت من توزيع بعائث هذه القرية، يرفض محرك الدراجة أن يدور إلا بعد أن أخذ مني صبري كله وعرقا يكفي لإرواء ظمآن.
من قرية إلى أخرى تتكرر نفس الصعوبات، كانت تلطف من قسوتها مناظر للطبيعة الخضراء وسلسلة الجبال التي أحاطت بمدينة “بني ملال” القريبة، كسوار اليد بقممها البيضاء في صورة ساحرة.
وينتهي يوم عمل شاق ممتع..

عن أحمد حضراوي

شاهد أيضاً

حشرجة شوق __ الشاعر أحمد الخليلي

  “حشرجة شوق” : الغبارالكثيف على خيوط العنكبوت المتعملقة على عسبان النخيل، وأغصان السنط، وأعواد …

اترك تعليقاً