[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

وقفة نقدية على نص “يغفو على صفحتي ليلاً” للشاعرة المغربية سعيدة إفقيرن __ ذ. أحمد محمود دحبور

 

يقول رولان بارت : ” إن الشعر ليس سوى معادلة لزخرفة ممتعة وبالتالي إيحائية”، إذا تتبعنا قصيدة شاعرتنا المغربية الأصيلة سعيدة إفقيرن نجدها نزيف صمت على زاوية الشفاه تلملم زمن الذات المتعدد المسافات وفق الحالة الشعورية للشاعرة، فتراه ما بين سهر وليل وليلة وصيف وأشهر (أيلول ونيسان) نهاية الربيع وبداية الصيف، إلى أن ينتهي بعتبة الخريف، ومن ثم يتنقل بين الفصول وغصون الشتاء ومواسم البكاء .. نحن هنا إزاء أنثى الفصول وهي في حركة دائمة ودائبة لا تهدأ كسحابة ضاقت بجناحيها منتهى السماء ترسم الحبيب حلما بألوان قزح عجنها تمرد المطر ..على قارعة الانتظار ..تنتظره رجلاً ..بحجم وطن..وبنرجسية منفى.. وأناملا تغزلها وشاحا..وتتكرر أدوات النداء ..(يا طيف بملامح مسافرة).

(أيها الغافي في حضن قصيدتي ..حلما من نار وناي) وهنا دلالة على الاحتراق والشجن والقلق ونقل مشاعرها المصيرية إلى المتلقي وعبر استخدام فعل المضارع الدال على الزمن الحاضر، أو المستقبل الدال على التجدد والاستمرار والحركة والانفعال، مثال على ذلك الأفعال ( يغفو، يشكك، يجيد، تسقط، يكسر، ألملم، أرسمك، أنتظرك، يشتعل، يهديني) وعبر تنويع المشاهد البصرية والسمعية، وعرض الصور الشعرية الإيحائية وبألوانها وأشكالها وحركاتها، وتسارع أحداثها وانفعالاتها في النص،ة وتكثيف التجربة الإنسانية للذات الشاعرة، والتركيز على تلك الحالة التي تعبر عن مشاعر وأحاسيس الراوي اتجاه المروي عنه، وتستمر في الحركة والهجرة إليه عبر الفصول والليالي، على غفلة من النجمات ترنو إليه ربيعا، يهديها العمر أسفارا إلى أفق مفتوح ترنو إليه الشمس، فلعبة الزمنكانية عند الشاعرة تتعدد وتتنوع على إيقاع الذاكرة، وتعاظم الشعور بالحب المفقود، أو البعيد  أو النائم على صفحاتها ليلا، أو في حضن قصائدها، وتكرار حالة الغفو في مطلع القصيدة إلى ما قبل نهايتها، يدل على حالة الترنم النغمي، وتوطيد الجو العام للنص، والتوكيد على فكرة معينة، تريد الشاعرة تسليط الضوء عليها داخل النص.. نحن بصدد شاعرة متمردة وهي تلقي بأحلامها وانتظارها وسفرها وهجرتها ونزيف صمتها وآمالها وطموحاتها وانفعالاتها عبر شكل شعري يحمل عالمها، وعجينة قصيدتها، وألوان رسومات أحلامها، وهي ترنو لرجل هو الوطن، والوطن لا يخون، وهو عنوان الشرف والعطاء، وتاج على جبهاتنا نذود في الدفاع عنه، فهو هويتنا .. فشاعرتنا تبتكر في هذا النص الشعري نغمات جديدة، تعبر فيها عن حالات جديدة وكأن ما تقوله هذه الأطلسية المغاربية خارج من القلب، أو من ثقوب ناي واضحة مشاعرها كشمس وكنار على علم، تبوح بمكنوناتها بكل شفافية، مفعمة بالعذوبة والرقة، ومن خلال العديد من الإشارات والدلالات والرموز والأبعاد والرؤى التصويرية الخلاقة لخلجاتها النفسية وشحناتها الانفعالية، وبنائها الفني المدهش، واستنطاقها لحدسها وتجاوزها ما هو مسطح إلى رؤى عميقة ومغايرة عما هو مألوف، أي أن المعنى عند سعديتنا يظل مخاتلا ومراوغا، ويدفع بالقصيدة إلى حالة التوتر، والقصيدة لا تكتمل عندها إلا في حالة تماس مع الذات المبدعة والحالمة إلى أفق الشمس، منكبة على توليد العبارة في رحم القلق والانتظار، ونحو اقتراف فعل المعنى، هذا المعنى الذي يكشف عن انكسار وتشظ، خاصة علاقته بالذات الشاعرة والفصول والأزمنة والأمكنة، وعبر متواليات رؤيوية، وعبر التأملات الحدسية، والانتقال من عالم واقعي إلى عالم رؤيوي حالم، ينسج الأحلام والاستيهامات.
نحن إزاء تجربة شعرية  تعبر عن هواجس المتخيل والأفق المغاير، كرهان تعبيري يندغم مع انفعالات القصيدة، بمعنى أن النص ينسج علاقات مع المعنى الشعري على شكل إشارات وتأويلات ورموز وصور إيحائية، وتبشيرات حالمة ودلالية تستدعي الحد الأقصى من استنفار المشاعر ، ونحن أيضا إزاء لغة جمالية ممتعة في تعبيرها وأفقها الشعري والشعوري المغاير والمختلف، معتمدة على ثيمة الرؤيا كفعل استشرافي.

طوبى لهذا الصوت الشعري المغاربي المبدع، وهو يمتطي صهوة المجاز والصور وفعل الاندهاش.

النص الشعري :
يغفو على صفحتي ليلاً ..
يشككُّ بضوء القمر …..
يجيد فن لعثمتي ..
تسقط به أصابعي ثلجاً كلما حضر ..
دوار الشمس ..
نزيف صمتٍ على زاوية شفتي ..
يكسر بين يديّ وجوه لغتي ..
يرمي لي مفاتيح عتب ..
ألملم صيفه تحت أجنحة السهر ..
على جبين غيمةٍ
أرسمك حلماً بألوانٍ
عجنها تمردُ المطرِ
على صيفِ أمس
ياطيفاً بملامحٍ مسافرةٍ
بين أيلول ونيسان
مغرٍ هوَ انتظارك
مع غضب الشتاء ومواسم البكاء
أنتظرك رجلاً بحجم وطنٍ
بنرجسية منفى
أنتظرك أناملاً تغزلني وشاحاً
يشتعل بحمرة الرمان
أيها الغافي في حضن قصيدتي
حلماً من نارٍ ، من نايٍ
من حنينٍ وكلمات
مهاجرةٌ أنا إليك مع دوالي الصيف
مع نسمات المساء
مع كلِّ ليلةٍ تغازل قمرها
على غفلةٍ من النجمات
مهاجرةٌ أنا إليكَ
يمامةً ضاقت بجناحيها مدن السماء
زنبقةٌ أنا
أرنو إليك ربيعاً
يهديني العمرَ أسفاراً
إلى أفقٍ ترنو إليه الشمس

عن نصر سيوب

شاهد أيضاً

أنا ربتك في الشعر- سميرة البوزيدي

انا ربّتك في الشعريقينك المهزوز من كل شيءخبزك ونبيذك ونارك خلف بيتك نافذتي وكتابي وسريريثم …

اترك تعليقاً