الإثنين , يناير 25 2021

 وا حرقتاه على قوم نسوا كلمة التوحيد __ ذ. نعيم الباكستاني

 وا حرقتاه على قوم نسوا كلمة التوحيد
********************

  فتح بائعُ أسماكٍ حانوتًا في حيّ من أحياء الأدباء والشعراء، ووضع اللوحة على حائطه مكتوب عليه : “الأسماك الطازجة متاحة هنا”، فمرّ من هناك أديب من الأدباء، ولما ألقى النظرة على اللوحة، قال لصاحب الأسماك : لا داعي لكتابة جملة طويلة كهذه، تكفيك كتابة “الأسماك الطازجة متاحة”، فشطب صاحب الأسماك كلمة “هنا” وبقي ؛ “الأسماك الطازجة متاحة”.
لم يمض وقت طويل حتى مرّ أديب آخر وقال مرتجلا بعدما قرأ اللوحة : لا حاجة لكتابة كلمة “الطازجة” مع السمك، فهي تباع طازجة ولا بائة، فشطب كلمة “الطازجة” أيضا، وبقي ؛ “الأسماك متاحة”.
بعد برهة مرّ أديب آخر، أصلح نظّارته، وحدّق النظر إلى اللوحة، وقال معقّبا : لا حاجة لكتابة “الأسماك متاحة”، فإنها تباع إذا كانت متاحة، فاكتب “الأسماك” فقط، فشطب كلمة “متاحة”، وبقي ؛ “الأسماك”.
ولم يمض وقت طويل حتى مرّ أديب آخر وقال منتقدا : لماذا أتعبت نفسك في تعليق اللوحة؟ فالسمكة يشمّ ريحها الناس من بعيد، فأنزل اللوحة المعلّقة، ولم يبق على حانوته شيء يدل الناس عليه، ويرغّبهم في اشتراء الأسماك منه.
العبرة :
حالنا اليوم لا يختلف عن حال صاحب الأسماك هذا، فنحن حرّرنا بلدنا باكستان من الهند ورصّعنا عشّه بدمائنا كالطائر يرصّع عشّه بالقضبان، وأقمناه على دعائم كلمة التوحيد “لا إله إلا الله محمد رسول الله”، ولكن ثم ظهر بيننا شعب ليبرالي ضالّ مُضلّ اقترح علينا ألّا حاجة إلى كلّ هذه الرسميّات والتصنّعات والدويّ بكلمة التوحيد في دولتنا الإسلامية، فالكلّ نراهم مصلّين، صائمين، متصدّقين، حاجّين ومعتمرين، فدثّر بائعو أسماكنا آثار كلمة التوحيد من أرضنا وطمّروها في طيّات حتى عيِينا في البحث عنها في مجتمعاتنا ولكنا -مع الأسف الشديد- لا نقف لها على أثر، لا في غُرف السلطة، ولا في الأسواق الاقتصادية، ولا في المدارس الأكاديمية، ولا في الشوارع والأحياء، وهذا يؤلمني ويورثني حزنا وشجوا حتى أتقطّع حسرات وأتصدّع زفرات، ولكن لا جدوى من حزني وإسبال دموعي على قوم تاهوا في دُجم الهوَى، وضلّوا في غياهب الشهوات حتى نبذوا تعليمات شريعتهم وراء ظهورهم فهبطوا إلى قرار الهُوّة، ولو نوّرنا قلوبنا بكلمة التوحيد وتحلّينا بها سيرة وسريرة لامتطينا متون الشرف وتسلّمنا ذُرى المجد ونِلنا ما نال الصحابة رضي الله عنهم من شرف الدنيا والآخرة.
ولكن دعني أتمثل بأبيات الشاعر الفارس عمرو بن معدي كرب:
لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيًّا
ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو نارٌ نفختَ بها أضاءتْ
ولكن أنت تنفخ في رمادِ.

عن نصر سيوب

اترك تعليقاً