[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

هل نلتقي؟ – زهرة زيراوي

 

 

لقد افترقا، ومضت السنون، يتذكر اليوم أسئلتها المحيرة أثناء الرحلة وهما يعبران بمحاذاة جبل درسة:

 

كيف تفهم الحب والجنـــــس والموت؟

كيف تفهم الحال النفسي والعزلة؟؟

كيف تــفهـم ما رأيناه اليــوم؟

كيف تفهم الـوطن؟

وما ذا عن الله؟

 

راوغها تلك الليلة، حتى لا يدخل معها في أي لجاج يعكر هذا اللقاء.

هو يدرك أن أسئلتها تعني ما حدث تلك الليلة، أما سؤالها عن الحب فهو يعني عدمية كل ذلك إذا لم يرتبط بمعنى حقيقي للوجود البشري على الأرض.

أحس أنه الآن يتعامد مع كل ما مر، ومن خلال هذا التعامد يتم إدراك الأمور بشكل أقوى وأفضل، فراودته الرغبة في أن يكتب ما عن له الآن.

بدأ يكتب:

أحن إلى الكتابة، إلى صوت الرغبة يسري في دمي

أحن إليك

حلمت أكثر من مرة بأني أنام فوق نهر عذب، وأنه يحاول أن يغمرني، ثم أكتشف أن النهر انقلب إلى امرأة على شكل نجمة، ثم رأيتك نائمة على ظهرك في منطقة رملية، لا أعلم إذا كانت صحراء أم ساحل بحر، وأنني أرسم على نهديك أشكالا لا نهائية لما أعتقد أنه قلبي،  صحوت ووجدتني  أحن وأشتاق إليك.

نجمة،كيف أبدأ الجواب عن أسئلة  مضى عليها أكثر من عشر سنوات، تغافلت يومها  عن الرد، كنت أخشى أن أفسد نعمة ذلك اللقاء، ولكنها ظلت تحت جلدي ثاوية، كيف أبدأ الردود يا نجمة:

 

  • الحــــــــــــب:

التقيت في محطات كثيرة  من عمري، ببشر شكلوا محطات أساسية من حياتي، أنا لم  أختر أي واحد منهم، بل الصدفة، لم أندفع لأبحث عن شخص معين، وفق مقاييس أو تصور خاص، جاء كل شيء عرضا، حياتي لم يكن فيها أي تخطيط، شبيهة بأحداث الطبيعة البرية لا يوجد لها ترتيب، هكذا يبدو لي، مثلا مريم بجدائلها الحمراء  بالثانوي، كانت أول الحب، ثم كان أن مررت بمحطات التقيت فيها بأخريات، بأنيتا مورهارد بفارسوفيا، غير أن كل ذلك لم يكن منه في نيتي أي شيء مسبقا، هناك شيء ما تنسجه أشياء كثيرة، إيقاع خطو عابر، فضاء تلك اللحظة، ربما شجرة على ناصية الطريق أظلتنا معا، أو مقعد في الكلية أو في حديقة عمومية،  فحدث ما حدث، قد يجر هذا الشيء الصغير نحو علاقة ما، هذا ليس اختياري، ولست وحدي مسئولا  عنه.

لقد غرست خمس شجرات بباب بيتي، غرست أيضا ورودا أسقيهم حسب رغبتهم، لقد ارتبطت بهم منذ كانوا أجنة، كنت أحبل بهم، ثم صاروا أطفالا، يعطونني الحياة، حياة جديدة، أعطت للفضاء الذي أعيش فيه من الجمال ما أعطت.

هذه الشجيرات الخمس وهذه الورود التي تحيط بها تعطي للفضاء الذي أعيش فيه حياة من نوع آخر، أستنشق هواءه، هذا حظي، لقد كانت هذه الشجيرات تكلمني وأتكلم معها، وكلما زرتها أحس أنها تحدثني حديثا صامتا لكنه يحمل معنى من معاني الألوهية، ومن الصوفية ما يحمل، هذا هو الحب، عندما يتحول إلى لغة أخرى إلى الحوار الذي يحس وليس يسمع.

“الحب” هكذا بين قوسين عند الكثيرين، ارتبط بالتحولات. بالمادة، بكل ما تملكه المادة من سلط، ومن أدوات، كل ما يجعل البشر مرفهين: قد يكون عمارة أو شقة باذخة أو شاطئا، أو رحلة إلى مكان ما.

أما حبي لنجمة فلم يرتبط إلا بالحب
عندما يسمو الحب بين الزوجين، فلا تقف أمامه السنون،  ولا الهموم،  ولا المال،  ولا الفقر، ولا الصحة، ولا المرض، ولا الرغبات الشخصية، ولا الزمان، ولا المكان، بل حتى الموت.

هذا ما آمنت به

ما رأيناه يا نجمة في مارينا اسمير ذلك اليوم، هو بدء لحياة نوع آخر للبورجوازية، أرقام دولار، برميل بترول.

إنها الصور التي تجعلك تهرب باتجاه عزلتك.

 

  • المـــــــــــوت

كثيرون انتصروا على الموت ورأوه سببا من أسباب الحياة.

أتذكر جورج فريديريك واتس قرأت عن لوحته الأمل عبر صفحات كوكل، كتب عنها

” أنها لا تصنّف  ضمن الأعمال الفنّية التي تثير الفرح أو تبعث على البهجة والارتياح، لكنها مع ذلك تحمل فكرة إنسانية عظيمة وتثير أجمل وأنبل ما في النفس الإنسانية من مشاعر وأحاسيس.
عندما أتمّ جورج واتس رسم اللوحة منذ أكثر من مائة عام، سرعان ما وجدت طريقها إلى كلّ بيت وأصبحت حديث الناس والنقاد، على السواء، في بريطانيا.
وبالنظر إلى مضمونها العاطفي والإنساني العميق، فقد انتشرت اللوحة حول العالم واستنسخت مرارا وتكرارا، وظهرت العديد من قصائد الشعر التي تستمدّ من مضمون اللوحة موضوعا لها.
العنوان قد لا يدلّ على جوّ اللوحة، إذ نرى امرأة معصوبة العينين وحافية القدمين وهي تجلس في وضع انحناء فوق ما يبدو وكأنه مجسّم للأرض بينما راحت تعزف على آخر وتر تبقّى في قيثار مكسور.
تعابير وجه المرأة غامضة إلى حدّ ما، بينما يغرق المشهد كله في موجات مهتزّة من اللازوردي والأصفر بتدرّجاتهما المشعّة.. فالمرأة مستمرّة في العزف حتى بعد أن لم يتبقّ في قيثارتها سوى وتر وحيد.
واتس كان أحد أعظم الفنانين الذين ظهروا خلال العصر الفيكتوري، وكان للوحاته مضامين رمزية؛ أخلاقية وفلسفية وروحية.
في ذلك العصر كان الفنانون والأدباء والشعراء مفتونين بالموسيقى وعناصر الجمال المختلفة. ومثل معظم معاصريه، كان واتس منشدّا إلى فكرة الموت، إذ كان يرى فيه مفسّرا للحياة وامتدادا لها.
وربّما لهذا السبب، تروق لوحاته كثيرًا للمتديّنين وللفئات الاجتماعية المحرومة، بالنظر إلى طبيعتها الروحية التي تضفي على مشاعر الحزن والألم واليأس طابعا من الجمال والنبل والقداسة.”
كان واتس يرسم الأفكار لا الأشياء..

الموت؟.. لا يخيفني، أو على الأقل أحاول أن أمنطق القضية، أحولها إلى أعداد رياضية، تجعل الأمر واضحا وعاديا عندي على الأقل، فاليوم هو ناقص من مسافة زمانية كانت في أيدينا البارحة، وهو أيضا ميتة في مجموع ميتات مرت ومررت بها، وميتات قادمة.

ــ  ماذا بعد الموت؟

سؤال كان يشغلني كثيرا، كنت أستعيد فضاءات ذلك اليومي الذي لا أراه، أحدسه فقط، كثيرا ما سألت نفسي: المرأة التي أحببتها هل ستكون معي هناك، أُمّي وكل من عرفت في حياتي، نساء ورجالا  هل سيكونون  هناك معي؟؟..

نجمة هي من سيختزل وجوههم جميعا، وتختزل أرواحهم الطيبة؟

ألتفت لنفسي أضحك منها كمن يعزف على آلة رباب، ويرغمها على أن تهبه نغمة أوركديون، أو بيانو، أو سكسافون.

أنت مصاغ مما يمكنك إدراكه هنا، هنا فقط.

يتقلص الموت حتى ليكاد يصبح مجرد شعرة فاصلة بين حياتين، بين هنا، وهناك

أمشي في النفق المظلم حثيثا، تبدو عن بعد كوة ضوء أعرف أنها هي الهناك.

ألا تسل مني أمكنة، وأزمنة، وأناس أحببتهم، الموت أحس به داخلي يتمطـط، لكن علي مواجهته من أجل حياة تولد من جسد هذا الموت، لتكون ذات جدوى، لتأخذ المعنى الحقيقي الذي أريده

ما حدث البارحة لي لم يجعلني أخاف الموت، دخلت لآخذ حماما وأستريح من عناء اليوم، أخذت مجفف الشعر لأجفف شعري، وبعد ذلك لم أتذكر أبدا ما حدث، فتحت عيني وجدت مساعدتي تبكي، كانت تسألني عما حدث؟ لم أجد ردا لأنني خلال فترة الغيبوبة كنت مرفوعا إلى عالم غير العالم، لا أذكر أنه كان عالما مخيفا، لكنني لا أعرف التفاصيل بالمرة، فزعت وذهبت لقسم المستعجلات لأعرض نفسي على الطبيب، كان يسألني هل كنت تفرك يديك؟ أنى لي أن أعرف؟ لقد كنت غائبا.

فسر لي الطبيب الحالة قال:

شبيهة بارتباك الطائرة ووشوكها على السقوط، ثم فجأة تصعد

ثم قال:

لا تحاول أن تتذكر فلن تتذكر شيئا. لكن هذا إنذار.

إن الموت حاضر عبر لحظات اليوم نأكل.. نشرب.. ننام..  نمشى على الأرض ثم فجأة نختفى.. نصير في طيات الأرض بعد أن كنا نمشي عليها.. هذا القلق الوجودي للموت ملازم لنا.

ما يعنيني هو هذا الذي أكتبه ما جدوائيته؟ وهل سيصبح مثيرا للضحك أو السخرية أو الاشمئزاز في يوم ما عند الآخر، أو جديرا بالقراءة كلامية العرب للشنفرى؟..

 

كيف أستحضر في نصي الموت؟..

أتذكر تساؤل مارغريت دوراس عن من أين ينبعث الموت؟.. تقول:

“شاهدت كيف يمكن لذبابة أن تموت، استغرق هذا وقتا، كانت تتخبط قبالة الموت، قد يكون استغرق ذلك من عشر إلى خمس عشرة دقيقة ثم توقفت، يجب أن تكون الحياة قد توقفت. بقيت لأواصل المشاهدة. ظلت الذبابة ملتصقة بالحائط كأنها متشبثة به. كنت مخطئة: كانت ما تزال على قيد الحياة. بقيت لأشاهدها، متمنية أن تعاود الأمل.

لقد جعل حضوري هذا الموت أكثر وحشية. كنت أعرف ذلك. بقيت، من أجل أن أرى الموت يحتل الذبابة تدريجيا، وأكتشف من أين ينبعث، من الخارج أم من سمك الجدار، أم من التربة، من أي ليل يأتي، من الأرض أم من السماء، أم أنه يأتي من الغابات القريبة، أم من العدم الذي لا اسم له، قد يكون قريبا، مني ربما، أنا التي أحاول أن أقتفي آثار ذبابة في طريقها إلى الأبدية، لم أعد أعرف النهاية بلا شك، سقطت الذبابة وقد أنهكت عن آخرها. انفلتت الأرجل من فوق الجدار وهوت. لم أعد أعرف إلا أنني خرجت من هناك. قلت لنفسي:”بدأ ينتابك الجنون” وخرجت.”

جميل أن تقودنا الكتابة إلى حالة شبيهة بالحلم.

جميل أن تقودنا الكتابة إلى المروع في الكتابة.

امرأة يدفعها مشهد ذبابة تموت على الجدار، ليذهب بها المشهد إلى قضايا الموت.

إلى سؤال: من أين يأتي الموت؟. .

فتنتهي إلى أن الموت واحد، وأن موت الذبابة يؤاخيها بالإنسان، بالشعوب المستعمرة، المهم أنه توثيق الموت.

نعم مارغريت صحيح ما قلته:

“موت الذبابة يؤاخيها بالإنسان، بالشعوب المستعمرة”.

ما قلته يا مرجريت يحيلني على ما تفعله القوى العظمى في مستضعفي الأرض، إنهم الذبابة التي رأيتها ذات مساء تتخبط على الجدار، ذاك ما تفعله السياسة العالمية اليوم.

 

3- الجنـس:

أما عن الجنس قلت لي أنت يومًا أنه  اقترن في ذاكرتك بالاختلاس، بأشياء موحشة، إذ في أسفارك ستستيقظين في منتصف ليلة باردة انزلق فيها الغطاء عن جسدك المقرور، جلست على السرير، اصطدمت عيناك في الأول بضوء القنديل الأزرق الغازي، حدقت في ركام السرير مليا فاصطدمت عيناك مرة ثانية بجسدين متداخلين، جسد امرأة تعرفينها، إنها المربية التي أوكل لها أمرك، أما الجسد الآخر فقد كان لرجل كأنك تعرفينه، شبيه برجل يبيع الفحم في أول منعطف للزقاق، وجه أبيض نحيف به بعض آثار الفحم، هذا هو الرجل الذي كنت ترينه وأنت تلعبين في النهار مع بعض الأطفال أمام البيت؟.. هل هو فعلا أم.. تتابعين أن الشيء المتأكدة منه هو جسد المربية، جسد حليمة، وأنت في الرابعة من عمرك رأيت ذلك، تتابعين وأن الصورة الثانية للاختلاس في بيت ناء نقلت إليه دون أن تعرفي سببًا لتلك الأسفار، تقولين: كنت غريبا في ذلك البيت يحاول أن يبحث عن لغة أو طريقة ما لاندماجي مع المحيط الجديد، حاولت أن أنام وأنا أحاول الرقاد أحسست بالسرير يهتز اهتزازا عنيفا، ورأيت الفتيل الزيتي تتراقص ظلاله أمام عيني المغمضتين إذ حاولت ألا أفتحهما، غير أني وجدت نفسي في الأخير أحدق في جسدين عاريين وقد تداخلا ككرة لحم، أغمضت عيني أما هما فلم يأبها للجرو الرابض جنبهما والذي كان ينتفض خوفا، كانت أُمّي بعيدة، وكان على طفولتي أن تشق طريقها في هذا الخيط الملتبس من الحياة.

أتذكرين ونحن نتجول معا في بروكسيل حيث ساقتنا الصدفة إلى “غاردي ميدي”. امرأتان إلى اليوم ما تزالان عالقتين بذاكرتي، الأولى شقراء متناسقة الأعضاء، عيناها الخضراوان تسبحان في عالم مبهم، نصف عارية، كان جسدها الغض ينتظر زبونا ربما لتسديد فاتورة الماء والكهرباء، أو..

ألم يكن جديرا بهذا الجسد أن يجد عاشقا يلوذ إليه، ويحلق معه في كل السماوات، تساءلت يومها.

أما الثانية فكانت تربو على الخمسين عاما سمينة لحد الاشمئزاز، تنبطح على بطنها تكاد تكون عارية. قلت مع نفسي:

ــ ألم تشبع بعد؟

كانوا لم يتوصلوا بعد إلى عقار”فياغرا”.

وأنا أتأمل هذه الأجساد المعروضة في واجهات زجاجية، قلت لي يومها: داعر أنت

حسنا، لكن هل يمكن تحديد ما يجري في النفس حينها. وهل عرفت فيم كنت أفكر؟..

وما الذي يرسو؟

وهل بإمكان اللغة الخارجية، والبطيئة أن تلاحق ما يبرق بالداخل؟

ما يبرق بالداخل هل هو ومضة روح؟..

ألا يمكن أن يكون نتيجة رياضيات بحتة؟؟

ألم يكن ومضة انتصرت فيها الصدفة العارية؟..

تذكرت أني قرأت يومًا لليوناردو دي فنشي أن هذه الومضة المسافرة هي التي قادته وهو أمام رجل جاءه يحمل صورة لزوجته ويطلب منه أن يضع لها بورتريها يقدمه لها هدية، سنفاجأ بالرجل وهو أمام لوحة الجيوكندا يعلن منفعلا:

ــ  هذه ليست زوجتي، وهذا البورتريه لا يلزمني، هو لامرأة أخرى  غيرها.

ماذا لو أن ليوناردو دي فنشي اعتمد الوسيلة التي فيها الوجه الخارجي، أو الدقة الظاهرة  للعين؟

حتما يكون وجه المرأة هو الظاهر الذي يعرفه الزوج، الوجه الذي اعتاده البصر دون البصيرة.

أليس حدس ليوناردو هو الذي قاده باتجاه الوجه الحقيقي للمرأة والذي لم يره الزوج باتجاه السري الكامن الذي لم تسبقه فكرة محددة؟

لقد قاده مزاجه أو حدسه، إلى مختلف مراحل تكوين ملامح المرأة باتجاه بسمة محيرة ونافذة ومنفلتة من لحظات ابتسام مكرور.

هذه اللحظة أو البسمة المنفلتة في الصيرورة أو الديمومة هي ما نفذت إليها بصيرة ليوناردو، وهي التي جعلت حدسه لا يخيب، بينما الحدوس السياسية ما أكثر مزالقها، وأخطاءها، التي لا تدرك بالعين إلا بعد حين.

كل ما مر كان سريعا بداخلي يا نجمة.

إني تلميذ ليوناردو أنظر إلى الجنس بمفهومي الخاص، وعلي أن أحدد ماذا أعني.

هناك من ينظر للجنس نظرة حيوانية، وهناك من ينظر للجنس نظرة جنسية فيها نوع من المودة والاحترام.

وثالث ينظر للجنس نظرة فيها نوع من المطلق المسافر إلى الأزل ونحو الروح.

هذه هي نظرة الجيوكندا، وهذا هو أنا.

ليس بالضرورة أن ترتبط الأنوثة عندي بالجنس، بل بسر الحياة.

أتذكر وليم ر. كلارك، جاء في كتابه “الجنس ومنابع الموت”.

ما بين الجنس والموت يثوي لغز التشيخ، ذلك أن صيرورة وجودنا ووعينا، موضوع الموت.

إنه محاولة لسبره وتوضيحه وإبراز دور الجنس فيه. إذ يبدو أن حاجة الخلايا للموت قد نشأ تطوريا تقريبا في الفترة نفسها التي بدأت فيها الخلايا تجربة الجنس كوسيلة للتكاثر، إنهما معًا على حدي معادلة واحدة.

هذا هو الجنس الذي أسكن مومسات “غاردي ميدي” ذاكرتي حتى اليوم، وهو  ما قادني له مزاجي أو حدسي.

لقد كانت لي علاقة مع عديد من النساء، ولم أحس في يوم مـا مع أي منهن أنني أحس بالأنوثة التي تملأ فراغاتي الداخلية إلا مع امرأة كانت تستدرجني ليس لجسدها وحده، كانت تستدرجني لغابات وقصور، إلى نعيم أزلي، حتى الآن لا أعرف سر نعومة الجنس في جسدها، من أين كانت تأتي بذلك السحر؟

ستقولين لماذا غادرتها إذن؟

لا تتعجلي الرد، إنها أنت، أنت تعرفين من منا غادر الآخر، أنت يا نجمة.

نساء كثيرات عرفتهن قبلك، إنهن لا يعطين للفراغ معنى، أقصد شكل ملئه، الفراغ من أعظم ما خلق الله سبحانه وتعالى في هذا الكون لأنه يطرح سؤال:

ـــ كيف ينبغي أن نملأه؟..

ـــ كيف تملأه الروح قبل الجسد؟..

إن أقوى شيء هو أن تكون أنت اكتظاظ هذا الخواء، جسدا وروحا على طريقة اكتافيوباث.

أذكر وقد جمعني لقاء مع مجموعة من المجانين تحدثنا عن الحب والجنس حكى لنا يومها محب مجنون أنه كثيرا ما ضاجع نساء غير عشيقته، مبررا ذلك بأن حبيبته كانت تكره أن يضاجعها يوميا، أما هو فقد كان يرى في ذلك طقس غرام يومي فكان هذا يدفعه لمضاجعة غيرها لكنه كان يغمض عينيه ويتخيلها هي، الحبيبة التي تصده عن الممارسة اليومية، مؤكدا يقول:

ــ معها وليس مع بائعة الهوى كنت أمارس الحب.

أما أنا فإني ممتلئ بك وحتى الشفة.

أشعر بك الآن، وقد امتدت ظلالك على أرض الغرفة وتلولبت كمثقب ابرونزي داخل صدري.

 

4 – الـــوطن:

أما عن السؤال: كيف أفهم الوطن يذكرني بالمتنبي؟

مَرَرْتُ على دارِ الحَبيبِ فحَمْحمتْ
جَوادي وهل تُشجي الجيادَ المعاهدُ
وما تُنكِرُ الدّهْمَاءُ مِن رَسْمِ منزِلٍ
سَقَتها ضَريبَ الشَّوْلِ فيهِ الوَلائِدُ
وَحيدٌ مِنَ الخُلاّنِ في كلّ بَلْـــــــدَةٍ
إذا عظُمَ المَطلُوبُ قَلّ المُســــــاعِدُ

الوطن ليس في حاجة لفهمي، هو يحتاط من هذا الفهم.

وطني اليوم يا عزيزتي بلد يتهافت على كولونيا الغرب في النهار ليمسح روحه في أصباغ الجشع التي طلى بها أحلامه ليلا.

أتذكر صرخة يوغرطة على مشارف روما:

مديــــنة مرشية

مدينـــة مباعــة

مــن يشتـري؟..

على الوطن أن يعمل على وجوب ارتباط الذات بالذوات الأخرى، وأرى وجوب ارتباط السياسة والاقتصاد بالثقافة، عشرون عاما وأنا في رفقة السياسيين أركض في خرائطهم، بدا لي الأمر أشبه بكرمة عنب، أو تين، لقد نضجت ثمارها البعيدة وتناولتها أيد أطول، ولم تعد لنا نحن شهية.

المعارك التي جندونا من أجلها، هل كانت فعلا من أجل الوطن؟.

وأنا أمشي في شوارع كزابلانكا أتأمل ذكريات تباغتني  متلاحقة، تعبت من السير، أدخل إلى مقهى، وأرتخى على أحد مقاعده، طلبت من النادل فنجان قهوة، وأنا أحتسي القهوة كنت أرسم في خاطري أشكالا كاريكاتورية لأبطال وهميين، صاغتهم العشيرة أو القبيلة، في أيام براءتي، أو سذاجتي، كانوا يبدون لي كضوء جاء ليمحو ليلا داكنا، ضحكت وهمست  لنفسي:

ــ عجبا حتى تقاسيم الوجه تتغير، علما بأن الوجه يظل هو نفس الوجه، ونفس التقاطيع، بل نفس العين التي رأت كل ذلك، فكيف تتغير الرؤية، والأحكام؟..

فكرت في التقاطيع الثابتة، والمواقف، والأحكام المتغيرة.

لا شيء، عدا أنا وفراغ أكتظ به، يكتبني أو أكتبه..

فراغ متخثر، يملأ علي غرفتي، أحس به كخليط من الهيدروجين والنيتروجين وأيونات أخرى لا تعطي عدا مزيجا رخوا رماديا ومتخثرا لا يميت، ولكنه لا يحيي.

وطن يدفعك إلى العزلة، إلى الوعي بالفراغات، يدفع بك إلى التفكير في ابتداع فــراغ “ما” نملأ به الفراغات، ابتداع شكل “ما” لصياغة جديدة، لحياة أخرى، لتوحد “ما”، أصوغ الآن كل ما يحيط بي، بمنطق رياضي أرى أبعاد الأرض كلها مشدودة بخيوط إلى أعلى على شكل مخروطي تذهب الخيوط كلها لتلتقي عند نقطة واحدة في النهاية، تلك النقطة هي نقطة التزاوي أو نقطة الإلتقاء. وها أنذا الآن في هذا التزاوي، في النقطة الأكثر إيغالا، أقف في النقطة الأخيرة للشكل المخروطي، كان الأراجوز السياسي في السقف يحرك الدمى.

 

عن أحمد حضراوي

شاهد أيضاً

حشرجة شوق __ الشاعر أحمد الخليلي

  “حشرجة شوق” : الغبارالكثيف على خيوط العنكبوت المتعملقة على عسبان النخيل، وأغصان السنط، وأعواد …

اترك تعليقاً