الأربعاء , يناير 20 2021

هل التقويم الميلادي بدعة وضلالة؟ – د. سمير مراد

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فقد صرنا إلى زمن، يكاد الواحد فيه لا يَقرُّ قراره، مما يطلع علينا به أهل الجهل من مسائل لا تكاد تخطر ببال الناس العامة؛ فضلاً عن الفقهاء وأهل العلم، وإن مما يخيف، أخذ هذه المسائل منحى السياسة، التي يترتب عليها الولاء والبراء، سواء أكان للدولة -أعني الولاء هذا- أم للشعب، أم للتنظيم أم للشخص، بل ما قد يصل ذلك إلى الفكرة الحمقاء، وما يشكل أن الذين يذيعون مثل هذه القضايا، أهل عماية لا أهل دراية، وما يغيظك أنك تضطر لتكتب في مسألة أنت مقتنع أنها عبث طفولي، لكن ما الحيلة، ومن الناس من يتلقف مثل هذه الخزايا.
طلع علينا من يدعي أن اعتماد التقويم الميلادي بدعة ضلالة، ولعل ذلك يصبح قريباً إقراراً للكفر يكفر صاحبه، مع أن هؤلاء لا يدرون أصل المسألة، وأنها لا علاقة لها بالدين أصلا بل لو قلنا إنها جائزة شرعاً فلعل ذلك يكون صواباً، بيانه:
الشرع جزءان:
كون، وتكاليف.
فالأمور الكونية -وهي من الشرع- كما قال تعالى: (صنع الله)، إذ الأمور الكونية مصنوعة ومخلوقة لله تعالى، لجلب المنافع للناس، فالمطر والرياح والتراب والموت والرزق والنجوم والسماء، كلها صنع وخلق الله تعالى، وكل أو عامة ما يتعلق بها من الأمور الكونية، وإن تعلقت بعض مفرداتها بالشرعيات، مثل:
طلوع الفجر، وزوال الشمس، وظهور الهلال وغير ذلك مما يترتب عليها تكاليف شرعية، مما جعل الفقهاء يقسمون الحكم الشرعي إلى قسمين:
تكليفي، ووضعي أي: كوني.
أين مسألتنا من ذلك:
بنظر الخبير الواعي، من يضع الأمور في أنصبتها، يدرك الواحد، أن مسألة التقويم في أصلها كونية، وإن ترتب عليها أمور شرعية، ولو دققنا النظر لوجدنا ما يلي:
يقول الله تعالى: (فالق الإصباح وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم) الأنعام:٩٦.
وقال تعالى : (وهو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب) يونس:٥.
وقال تعالى: (الشمس والقمر بحسبان) الرحمن:٥.
بالرجوع إلى التفاسير، ومعاجم اللغة، نجد أن: حسباناً، حساب، بحسبان: كلها تدل على معرفة المدة الزمنية، والتي متعلقاتها: الدهر، السنة، الشهر، الأسبوع، اليوم، الساعة، الليل، النهار، نعم حسبان من الأضداد لأنها قد تعني العذاب.
لكن هنا بلا خلاف تعني الزمن.
وبأدنى تأمل ندرك أن:
الشمس والقمر تمكن الاستعادة منهما لحساب الزمن، مما يدل على أن العلامات الكونية من الشمس والقمر، كما أنهما للنور والضياء وغيرهما، فهما للحساب أيضاً، ولا يشكل على ذلك قوله تعالى: (وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب)، نجد أنه يمكن الوقف على منازل ثم متابعة القراءة، هكذا: (والقمر نوراً وقدره منازل) (لتعلموا – أي بالشمس والقمر الذي قدره منازل- عدد السنين والحساب) وهذا يدل على أن لتعلموا.. إلخ صفة للشمس والقمر من باب اللف والنشر، كما قال تعالى: (والشمس والقمر حسباناً) وكما ذكر الخبراء والمؤرخون: فإن هذا التوقيت الشمسي معروف قديماً لا حديثاً، وعليه فلا بأس به قط، بل لو قيل بأن القول ببدعيته هو البدعة لما كان بعيداً.
فائدة: لو سألنا أحد هؤلاء المساكين متى ولدت؟ لما عرف سوى التاريخ الميلادي، ثم يقول: هو بدعة فإلى الله تعالى وحده المشتكى مما أضاع الأمة.
والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

عن أحمد حضراوي

اترك تعليقاً