هل ألغت قصيدة النثر قصيدة الوزن وتفوقت عليها – محمد عبد المجيد الصاوي

“للشعر حكاية..
آويت لركنها مذ مسني في صغري هوىً عذريٌّ..
سأرويها لكم.. سأحكي عن قصول عذاباتها ولذة بداياتها..
فأسرجوا قناديل التبتل في حضرة النزف المُعَنّى..
وامضوا معي بعيدا..
نلملم ذراتِ حبٍّ تناثرت؛ فكنّا لها قدرا رمى كلَّ القلوب بياسمين الطهر المُغَنّى.”.
هذا النص النثري واحد من نصوصي النثرية المتعددة، لم أسمها يوما “قصيدة نثر”، ولم أطلق عليها مسمى “الشعر المنثور”..
لأنني ببساطة أدرك الفرق الشاسع بين النثر، والشعر، ولأنني لم أعانِ يوما عقدة نقص الموهبة الشعرية، حتى قبل أن تتفجر فيَّ القوة الشعرية، وأنا في السابعة والثلاثين من عمري، أي بعد خمسة عشر عاما من دخولي إلى عالم الكتابة.
وأشهد هنا أن هناك ناثرين وأدباءَ كرامًا لم يعانوا تلك العقدة الخبيثة، فأقروا بكل فخر، وقوة أنهم ليسوا شعراء، ولم يعجزهم عدم امتلاكهم للملكة الشعرية الفطرية عن الكتابة النثرية الراقية، والزاهية، والمتفوقة.
لن يكون مقالي اليوم عن الصراع الذي يعلو ويهبط حول القصيدة الخنثى، ولا أجد لها مسمى غير هذا، وذلك لمن يصر على تسمية عمله النثري بالقصيدة.
ولا للتحذير من خطر الانجرار وراء العابثين الذين يحاولون شطب شعرنا، وسخلنا عن فخر أدبنا.
لكنني سأبين الطرقَ التي يجب أن يسلكها صاحب الموهبة.
انظر عزيزي إلى موهبتك مليا، انظر هل أنت للشعر أقرب، هل أنت للقصة القصيرة أقرب، هل للرواية أقرب، هل تقف على أعتاب المقالة البوحية، والخاطرة النثرية، والومضة الإبداعية؟
هل تمتلك تقانات الشعر وموهبته الفذة، وما حُبيهُ الشاعر من أذن موسيقية متفردة وقدرة تخييلية عالية، ولغة تصويرية قادرة على الإدهاش، والإمتاع، وإثارة القلوب؟
أتراك تمتلك تقانات السرد، ومهارات الحوار، وتبرع في رسم مشاهد الحبكة الدرامية، وتتمتع بالقدرة العالية على وصف الشخصيات، وتحليلها، والربط المنطقي للأدوار؟
أم تراك تجيد تقانات الخطاب البوحي، ولديك المقدرة على التحليق الخيالي الرفيع في رسم ملامح النص النثري المعبق بالجمال، والمكتنز بالدلالة؟
لا يكن هدفك أن تكون الشاعر الذي يسعى إلى امتلاك اللقب قسرا، وعنوة، وبالإكراه، والاستفزاز، والتقزيز..
ابحث عن هويتك الأدبية، وحدد بصمتك الإبداعية.
هذه كانت نصيحتي لمجموعة من الشباب المبدعين منذ بضع سنوات، ظنوا أن الشعر وحده هو ما يمنحهم الهالة والقداسة، امتثل بعضهم لنصحي وتوجيهي، بعد أشهر تبلورت لدى أحدهم موهبة القصة القصيرة، فواكبت معه تلك الموهبة، وبعد عام واحد، بدأ ينطلق نجما في عالم القصة على مستوي العالم العربي، ولو أنه أصر على أن يكون شاعرا لبقي حتى اللحظة مجرد متعابث.
والآخر اتجه إلى الرواية، وهو الآن قد طبع روايتين، ولمع ككتاب، وما زالت بذرة الشاعر فيه تحتاج إلى رواء، لكنه لو انصرف إلى الشعر، لما اكتشف ملكة الروائي في أعماقه.
وهناك من استطاع أن يجمع بين القصة القصيرة، والبوح النثري، والشعر، وإن محدثكم في هذا المقال قد جمع ذلك، بالإضافة إلى امتلاك ناصية النقد التخصصي، والكتابة الفكرية، والفلسفية.
أما من يأتينا ليبول في أسماعنا ترهات الشذوذ الكتابي، متعاليا، متعجرفا: أنتم سجناء الوزن والقافية، تريدون قبر الإبداع ودفنه، فهذا أقول له:
لو كنت تملك القدرة على كتابة بيت شعري واحد؛ لما انتفشت زورا وبهتانا وكبرا وجهالة.
سأقول له: إن الشعر العربي سيظل نورا لا يبصره إلا من أدرك عبقريته.
لو كنت شاعرا حقيقيا لأدركت أن مكابدة الشعر، وتوهجه لا يكونان إلا لمفطور مطبوع، يمدنا بالسحر الحلال، ويمتعنا بفرائد الإبداع، ويسبغ علينا روائع الجمال.
لو كنت شاعرا حقيقيا لعلمت كيف يكون النسيج الشعري في البيت الواحد، والحبك الذي ينتظم الأبيات انتظاما متماسكا، ومرصعا لا يكون إلا لدى من خبر دروب العبقرية الشعرية، وقطع شوطا كبيرا فيها.
لو كنت شاعرا حقيقيا لعلمت أن الشعر يأتي ولا يؤتي، وأن القصيدة وِلادة من الروح، والعقل، والقلب. ومخاضها يستنزف المشاعر ويستهلك العواطف.
لكنَّ تلك الفئةَ البغيضة التي تريد أن تقدم لنا تغوطاتها على أنها النسخة الأحدث للأدب، وأنهم هم الأجدر باعتلاء سلم المجد الأدبي، وأنهم شعراء رغم أنف الشعر.
هؤلاء ليس لهم إلا أن نقول لهم: لكم ذلك وزيادة، ولكن من الباب الخلفي.

عن أحمد حضراوي

اترك تعليقاً