[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

هل أثرت العلمانية في تصورات الإسلاميين؟ الغنوشي والعثماني نموذجا – أحمد القاسمي

شهد عصر النهضة الأوروبية، بداية من القرنين السادس عشر والسابع عشر أعنف الصدامات بين ممثلي الدين ورجال الفكر الطامحين إلى نشر العلم وترسيخ حقوق الإنسان. فقد حاولت الكنيسة الوقوف في وجه التطوّر الذي كان يتطلّع إليه التنويريون وتحالفت مع القوى الإقطاعية التي تشاركها الاستئثار بالنفوذ والمآثر.
وشهدت انجلترا خاصة، أشد هذه المعارك دموية. وبانتصار التنويريين فيها، عملوا على تجريد السلطة الدينية من أسباب قوتها وتحويل كل ممتلكات الكنيسة إلى الأمة سنة 1789 ونقلوا المرافق غير الدينية التي كانت تحت سلطتها إلى إشراف الدولة. ثم نشرت الجمعية العامة، بعد سنة من ذلك، الدستور المدني، فمثلت هذه الأحداث بداية التجسيد الفعلي لفكرة الفصل بين الدين والسياسة.
ثم ستنتشر هذه النزعة في كامل أنحاء العالم وسيتأثر بها كبار المفكرين السياسيين. واليوم، يُطرح السؤال في العالم الإسلامي الذي يشهد تأثيرا قويا للإسلام السياسي: إلى أي حدّ تأثر هذا الفكر بالعلمانية والحال أنه يجمع في هويته بين الدين (الإسلام) والسياسة؟

1 ـ هل العلمانية عنصر موحد يصلح ما أفسدته المذاهب والطوائف؟
لقد انتهى العقل الغربي انطلاقا من هذا الصدام الدامي إلى ضرورة الفصل بين الدين والدولة فصلا نهائيا. فكانت العلمانية نظام مبادئ أخلاقية وسياسية يستمد قيمه بالاستناد إلى الاجتهاد البشري القائم على التطور المستمر. ولم تكن تنكر الدين بقدر ما كانت تقصره على الحياة الروحية للأفراد وتجعله ممارسة شخصية. فمثلت تصورا للحياة السياسية خاصّة، وللحياة الإنسانية عامة ناشئا عن تغيير جوهري في تمثل الإنسان لنفسه ولوجوده في الكون ولعلاقته بالإله.
وكثيرا ما أسقط الباحثون في الحضارة الإسلامية هذا المسار التاريخي للعلاقة بين الدنيوي والمقدس في الغرب على نظيرها الإسلامي اليوم. فردوا الفوضى السياسية، من صراع طائفي وحروب أهلية مدمرة وغياب للعقلانية، إلى هيمنة الديني المطلق على البشري أو إلى فرض البعض لرؤاهم ولمصالحهم باسم الدين. ولعل الحالة اللبنانية أن تمثل خير سند لهذه الأطروحة. فتوحيد القانون وإنفاذه يصطدم بقادة الطوائف المحتمين بالدين ضد سلطة الدولة.
أما التناحر بين الفصائل الإسلامية نفسها في كل من الصومال وأفغانستان وسوريا، أو الصدام الذي ما فتئ يتعمّق بين الدول الشيعية والدول السنية فرسّخ الفكرة القائلة بأننا نقحم صراعاتنا الدنيوية إلى دائرة المقدس لنكسب مواقفنا صفة الإلزام ،والحال أنها تمثل اجتهادات بشرية وإن ظلت خلفياتها دينية.
وينتهي هؤلاء الباحثون إلى أن خلاص هذه الحضارة يكمن في الفصل بين الدين والسياسة. وكان لهذه الأفكار صدى عند ممثلي الإسلام السياسي أنفسهم. فظهرت ظلالها في كتاباتهم بشكل مباشر أو غير مباشر وعن قناعة أو في شكل مناورة. وهذا ما جعلنا نتساءل هل تصلح العلمانية ما أفسدته المذاهب والطوائف؟ وهل من الممكن أن نتحدث عن علمانية من منظور الإسلام السياسي؟

2 ـ حينما يقفز السياسي إلى الواجهة ويتراجع الديني إلى الخلف:
يمكن أن نجعل قبول بعض ممثلي الإسلام السياسي بالديمقراطية أساسا للمشاركة في الحياة السياسية والتسليم بالانتخاب آلية للوصول إلى السلطة بداية تقدم السياسي إلى الواجهة وتمايزه عن الديني. ولكن حركة الإخوان المسلمين التي قالت بهذه الآراء ظلت على هامش السلطة، ورافق قولها كثير من التشكيك. فقد اعتبرها خصومها مناورة للاستحواذ على الحكم لأنها لا تؤمن في مرجعياتها العميقة بالتداول السلمي عليه.
ولم يحدث التقاطع بين العلمانية والإسلام السياسي بجلاء إلا بعد نجاح حزب “العدالة والتنمية” في قيادة الدولة التركية. فقد حافظ هذا الحزب على العلمانية التي تأسست عليها الدولة التركية الحديثة، ونصّ عليها دستورها بشكل صريح. وأكد قادته عدم نيتهم المساس بهذا المبدإ، وأثبتت سياساتهم لاحقا هذا العزم. فكانت الدولة تكفل حرية المعتقد وتلتزم بالمسافة نفسها مع كل الأديان. وأمكن لـحزب العدالة والتنمية” الحدّ من الهيمنة العسكرية على النظام السياسي، وكفل لها التطور الاقتصادي والعسكري وحوّلها إلى قوة إقليمية معتبرة.
لقد جعلت هذه التجربة رموز الإسلام السياسي أقل تحفظا تجاه العلمانية. فأخذوا يعيدون ترتيب تصوراتهم فيدفعون بمنطلقاتهم الدينية إلى الخلف ويقدّمون السياسي إلى الواجهة. وآثرنا أن تعرض تصورات رمزين من رموزه أمكن لهما الجمع بعد ظهور الربيع العربي، بين التفكير النظري والممارسة الميدانية. ونقصد سعد الدين العثماني أحد قادة الحزب العدالة والتنمية المغربي ورئيس الحكومة المغربية منذ نيسان (أبريل) 2017، وراشد الغنوشي قائد حزب النهضة ورئيس البرلمان التونسي منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2019.
ففي مقالته “الدولة الإسلامية: المفهوم والإمكان” ضمن موقع “تنوع”، يشير سعد الدين العثماني إلى أن العبادات تتعلق بحفظ الدين. أما السياسة فأمر دنيوي يدخل في العادات والمعاملات ويوكل فيه الأمر إلى الاجتهاد البشري. وحجته أنّ الكتاب والسنة لم يحددا شكل نظام الحكم. وجعلا الأصل في المعاملات الإباحة. وعليه فليس من الضروري أن نبحث فيها عن سند شرعي.
وعامة أخرج العثماني مفهوم الدولة المدنية من دائرة العبادات ووضع لبنات صلبة لفصل السياسة عن الدين وجعل معيار المصلحة والمنفعة والعدل أساس تقييمها. وحتى يقطع مع فكرة الخلافة التي ظلت هاجس الإسلام السياسي بشكل مباشر أو ضمني، ابتكر مفهوم الأمة السياسية، التي تتشكل من أشخاص يجمعهم وطن سياسي واحد وإن اختلفوا في العقائد. فنزّل بذلك أفق الحزب وتطلعاته في دائرة المواطنة والولاء للوطن. وجعل مفهومه موازيا لمفهوم الأمة الدينية التي تقوم على رابط الأخوة العقدية والإيمانية. وجعل التشريع القانوني الدنيوي من صلاحيات الجهات المختصة، الخبيرة بأسس تنظيم الحياة المدنية، وألحّ على أنّ الإسلام ينزع كل عصمة عن ممارسة الحكم. وحجته في ذلك معاملات الرسول الدنيوية. فقد كانت “قراراته” فيها تتخذ، بصفته مسؤولا سياسيا لا بصفته وليا للأمر. ومن ثمة كانت المصلحة التي يريد أن يحققها مرجعَه في التدبير.
ومن الكتابات التي يعدها أنصار الإسلام السياسي “ثورية” في مراجعة علاقة الدين بالدولة ما ورد في مؤلف راشد الغنوشي “الديمقراطية وحقوق الإنسان في الإسلام”. فقد عمل على تغذية مفاهيم مبادئ الحكم الأساسية بمرجعيات غربية حديثة. فالديمقراطية، من منظور غربي، هي حكم الشعب لنفسه وهذا ما يعني أنّ جميع المواطنين يسهمون في تطوير القوانين واستحداثها وفي ضمان التداول السلمي على السلطة.
وتفاعلا مع هذا المنظور يعرفها هو بنفسه باعتبارها “جملة التسويات والترتيبات الحسنة التي تتوافق عليها النخب المختلفة من أجل إدارة الشأن العام بشكل توافقي بعيدا عن القهر وعلى أساس المساواة في المواطنة حقوقا وواجبات، على اعتبار أن الوطن مملوك لكل سكانه بالتساوي، مع التسليم بسلطة الرأي العام مصدرا للشرعية وذلك بصرف النظر عن نوع العقائد السائدة”، معترفا بأن “تاريخ الإسلام تاريخ الاستبداد الأعمى والجور المطلق”.
ويفهم الشرعية في ممارسة الحكم بكونها خضوع كل تصرفات الدولة لقواعد قانونية. فتحاسب عن كل فعل لا ينسجم مع نظامها القانوني أمام قضاء مستقل. ويقبل بـ”ـولاية المرأة” مقدّرا أن الحديث الصحيح الذي رواه البخاري “ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة” يرتبط بحدث عرضي لا يمكن تعميمه، رافضا أن يقصي الفقه الدستوري نصف المجتمع من الفعل السياسي. ويفيد مفهوم المواطنة عنده اشتراك أهل البلاد جميعا في امتلاك الوطن وفي تمتعهم بحقوق متساوية فيه. ويتحقق هذا المبدأ على أساس تعاقد صريح تكون فيه الدولة خادمة لهم. فيملكونها ولا تملكهم. وضمن هذا الأفق يقبل بولاية غير المسلم لأن المعيار الأعلى عنده الكفاءة والاقتدار.
لا شك أن المرء يغالي حينما يعتبر أن في كتابات العثماني والغنوشي فصلا بين الديني والسياسي ولكن فكرهما كشف تغييرا جذربا في العلاقة بين المكونين. فقد أضحى السياسي مقدما على الديني بعد أن كان يكتفي بالمكوث في الخلفية لمّا كان الديني يحتل الواجهة. ولكن حسبه أن يمثل خطوة إلى الأمام من هذا الإسلام السياسي نحو فكرة العلمانية.

3 ـ خطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الوراء:
ولعلّ المشترك بين منظري الإسلام السياسي وأنصاره هو الارتباك في التعامل مع فكرة العلمانية. فكانوا يقتربون منها وكانت في الآن نفسه ترهبهم فيدبرون. لذا وجدوا في “مدنية الدولة” مصطلحا بديلا. ولم يكن هذا الاختيار اعتباطيا. فقد جاء هذا المصطلح السياسي الحديث رخوا في تفكيرهم، مرنا يعكس ذلك الإغراء على مستوى السطح ويبطن تلك الرهبة في طيه، فتُحشر فيه أكثر التصورات التقليدية.
فعلى المستوى العملي، أثبت المحطات السياسية الكبرى صعوبة الفصل بين الدعوي والسياسي. وظلت التنظيمات السياسية أقرب إلى الجماعة التي تعهد لنفسها بمهمة حراسة قيم الإسلام منها إلى الحزب المشارك في الحياة السياسية. وظل تمثل القيم الدينية والأخلاقية باعتبارها اختيارا شخصيا للأفراد متحررا من الالتزام الجماعي صعب الهضم والاستيعاب. فلم يسلموا بأنّ الفضاء العام فضاء دنيوي لا فضاء ديني. وكانت حجتهم دائما أن دين الدولة المدنية هو الإسلام وأنّ الفضاء العمومي ملك للدولة يجب أن تحترم فيه مرجعيتها الدينية.
ولمّا كانت العلوم السياسية والاجتماعية تحدّد الدولة المدنية بخصائص دقيقة أهمها تمثيل إرادة المجتمع واحترامها للقانون ضمن نظام المدني أساسه الحريات والمواطنة والتداول السلمي على السلطة، فإنهم وجدوا في المبدأ الأول المنفذ الذي يبرّر فرض الخلفية الدينية ضمن مفهوم “النظام المدني”. فالمجتمع مسلم وإرادته الامتثال للشرع. ومن ثمة ربطوا سنّ القوانين وفهم الحريات والتداول على السلطة بالامتثال إلى مقولات الشريعة. فأعادوا النقاش إلى نقطة البداية.
والغنوشي نفسه يؤكد في أثره “الديمقراطية وحقوق الإنسان في الإسلام” المذكور أعلاه باعتباره خطوة نحو الدولة العلمانية، استحالة العيش وفق مُثل الإسلام دون سلطة إسلامية عليا “تذب عن دياره” و”تحمي ثغوره و”تدافع عن حرية التدين بعيدا عن كل أساليب الإكراه”. ويرى في الاعتقاد خلاف ذلك “محض خيال خادع وانحراف شنيع وسقوط في الإثم والضلال” بل إنه يجد في الاختلاف تشريعات هذه الدولة المدنية عن نصوص الشريعة “طعنا موجعا في شرعية تلك الدولة من حيث انتسابها للإسلام” وبالقدر نفسه يجد في “مخالفة تلك الأصول خروجا عن الملة وتفويتا في الشرعية وتشريعا للتمرد على سلطان الدولة”.
وانطلاقا من هذه الأطروحة يسعى إلى تسييج الحريات وحقوق الإنسان بالمبادئ الدينية مدينا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي غدا عنده، إنجيلا للحريات العامة، أي مقدسا مسيحيا غربيا يُفرض على بقية الأديان.

4 ـ العلمانية الخالصة، ذلك الحلم الطوباوي
تتسع الهوة اليوم في العالم الإسلامي بين دعاة العلمانية ودعاة ممارسة السياسة من منطلقات دينية. ولعل الصدام العنيف اليوم بين القطبين في كل من تونس والمغرب ولبنان خير دليل على ذلك. وهذا ما يحتّم تنسيب الأمور لردم الهوة بين المواطنين الفرقاء. فالفصل بين الدين والسياسة يظل عملا إجرائيا. والمعتقدات الدينية ستتسرب بشكل ما، إلى تصوراتنا للحياة الجماعية وستؤثر في تدبير الشأن العام. وهذا ما يجعل من التوق إلى العلمانية الصافية الخالصة الخالية من التقاطع بين الدين والسياسة حلما عسير المنال.
وبالمقابل لابد من رفع وصاية بعض الأطراف السياسية على الدين. فلا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة أو أهلية الكلام باسمها. ولا أحد قادر على تنزيلها إلى أرض الواقع والسياسة. ومن ثمة وجب التأكيد على أنّ الخطوة الأولى نحو المقاربة بين القطبين يكون بتحصين مؤسسات الدولة التي تكفل العبادة وتكفل مدنية الدولة في الآن نفسه وتتصدى لكل محاولات الانحراف. وهذا دور القانون. أما الخطوة الثانية فتكون بنشر فلسفة العيش معا والقبول بالآخر من منطلق فكرة الشراكة في الوطن وحرية المعتقد. وهذا دور النخب الفكرية النيّرة.

عن أحمد حضراوي

شاهد أيضاً

ومضات الشاعرة غادة إبراهيم الحسيني

  “ومضات” : 1_ الحب أن تسعد نفسك مع ضبط هواك لمن يبغي رضاك 2_ …

اترك تعليقاً