[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

هكذا هي السجيّةُ __ ذ. عبدالوهاب سلطان الدِّيروي

هكذا هي السجيّةُ

  أَبَتْ علي السجيةُ اليوم، و لم تطاوِعني على ما أكتب، شددتُ عليها، لأعصِر ما فيها، فعاندَتْني أكثر.!

ثم أرخيتُ عنانَها، وتركتُها على طبيعتِها، فبدأتْ تتفتّح رويدًا رويدًا.

هكذا هي السجيّةُ تمامًا، وقد تُرسِلها على طورِها، في وسط الصفحة، وبيدِها القلم، لِتمضي فيها كاتبةً، ولا تقطع مسافةَ فقرةٍ حتى تعترض طريقَها فكرة أخرى، تُلامِس ريشتَه، فتُغيّر مسارَها، وتَمضي تكتُب هذه الفكرة فقرتين أو ثلاثٍ، حتى تساورها أفكارٌ أخرى، تتعدّد مسالكها، وتفترق طرقاتها، حتى يتعثّر القلم مما يكتب، وتحار السجية مما تُملي عليه.

وفِعلًا، هذا ما حصل معي أكثرَ من مرّة ، وفي أكثر من موقفٍ، وأنا أطبع هذه السطور.
آخذ في الكتابة لأقيد فكرةً سبحتْ على صفحة الذهن، ولا أكاد أقضي حاجتي منها حتى تطفوَ على السطح أفكار أخرى متشابهةٌ ومتقاربةٌ، يقذفها القلب إليها.

ولِنفهم هذه النفسيّةَ أكثر، يسَعنا القول بأنَّها أشبه شيءٍ بمقترحات ” البحث الإلكتروني” التي تطرحها الشبكة في شكل فيديوهات أو منشورات مقترَحة أمام الباحث، لأدنى ملابسةٍ، عسى أن تلائمَ ميولَه وتوجّهاته وأذواقَه، وربّما بدونِ مناسبةٍ تدعو إلى ذلك. وعجبًا فعلوا إذ نسخوا نظام الأمخاخ البشرية وركبّوه في آلةٍ جامدةٍ لا تحسّ رِكزا.

لم أجد لمعالجة هذه الأفكار المتبعثرة التي تتوارد على ساحة الذهن حلّا، فقلتُ: لأجعل من هذه المشكلة ذاتِها فكرةً، ينبغي أن أقيّدها، فهي بدورِها لا تقِلّ عن أن تكون “حالةً نفسیةً” تناقَش في علم النفس. وهل كان علم النفس علمًا ؟
لا، لم يكن من العلم في شيءٍ، وإنما هي أفكار وهواجس وخواطر وأحلام ووساوس بشرية، قيّدوها في قفص الكتابةِ، وناقشوها فأضحَت ” علما” يدرّس ويُناقَش. فلماذا لا أصطاد هذه المشكلةَ وأحبسها في نفس القفص، عسى أن يكون من العلم في شيء!

هكذا هي السجيّة تماما، وكما رأيتها في السطورِ أعلاها، تذكر الشيء بالشيء، فتنسحب عليه، وتخرج عمّا كانت بصدِده.
بدأتْ القصة هنا من تعليق بسيط، وتخلّلتها أحاديث اليمين والشمال، وتعرّجت على ثلاث منعطفات في رحلة واحدة.
وبشقّ كبحتُها من الاسترسال في هذه المنعطفات. فلو تركتها وشأنَها لذهبت في كلٍّ منها مذهبا بعيدا.

هكذا هي السجية، تكبحها حينا فتَجمُد، وتُرسلها حينا فتجود.

هنا اكتسبتُ تجربةً، أو قل تعلّمت فائدةً.
وهي أن السجيّةَ كالبقرة الآبدة، لا تستسلم للاحتلاب بقوةِ يدٍ، وضربةِ عصىً، ولكنّها تُعطيك مقادتَها بمَسحةٍ يدٍ ناعمة، تُمرّرها على شَعرها، فظهرِها، ثم تنحدرِ بها إلى ضرعِها، تمسحه برفقٍ وشيء من اللين، فتُدرّ عليك الحليب الحلال.!

هكذا هي السجية،  أبيّةٌ عنيدةٌ، لا ينفع معها سياسةُ الضغط والتشديد، ولا تُطاوعك إذا شدّدتَ زِمامَها، وكبستَ على عنانِها، وإنّما تنقاد لك، وتُعطيك مَقادَتَها إذا تلطّفتَ معها، وعاملتَها برفقٍ وعطفٍ ولينٍ.

هكذا هي سجيةُ الكتابة يا سادة،  كلما أبَت عليك، وعاندتْك، أرخِ لِجامَها، واترك حبلَها على غاربِها، وقلَمَها على صفحتِها، لِتُملي الطبيعةُ عليها ماشاءتَ أن تُملي، وتسوّد من بياض الصفحة ما شاءتْ أن تسوّد!

سُرعانَ ما ستجِدك أمامَ حروفٍ، وكلماتٍ، وفقراتٍ، نُسجت ببعضها، بخيطٍ من الجمال والأناقة، في إحكامٍ وقوةٍ، وانتظامٍ ورشاقةٍ، واندفاعٍ وسلاسةٍ،
وهي المقالة الناجحةُ بعينِها…!

هكذا هي السجية تمامًا.!

عن نصر سيوب

شاهد أيضاً

لوحة : “زفير البنفسج” __ فريد شنكان

 

اترك تعليقاً