[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

من أين لك هذا يا رجل؟ – د. خديجة حياري

ستّ كلمات تبدو بسيطة للوهلة الأولى، بيد أنها محفورة من ذهب في ذاكرة الدكتور الشرقاوي… كانت هي ما عزاه إلى وقفة تأمّل عميقة عادت به البارحة (27 نوفمبر) إلى ذكريات الماضي، واستحضار شخصيات بارزة تفاعل معها خلال حياته وحفّزته على النجاح، وظلّ وقع كلماتها محفوراً في روحه وذاكرته، ولم يمحُ أثرَها تعاقبُ السنين، ولم تنل منها ميولاتُ نكران العرفان… فعبّر لهم عن التقدير والامتنان في مناسبة عيد الشكر في أمريكا.

فما هو سرّ الكلمة؟

“لا شيء يضيع، الكلّ يتحوّل”: هذا قانون فيزياء بسيط. والكلمة لا تضيع بل تتحوّل وفق هذا القانون القطعي وقانون الطبيعة، لأنها تشبه البذرة، فمنها ما يغدو حقول بلسم تشفي الجروح، ومنها ما يصير مراتع علقم تولّد القروح. لكل شيء روح، وروح الكلمة هو الصدى الذي تتركه في نفسية الإنسان والبصمة التي يبقى أثرها في قلبه مدى الزمن!

ثمّة من الكلمات ما يثير إيماناً عميقاً في دواخل الإنسان، فتتولد فيه الحماسة لتحريك الجبال من مكان إلى مكان، فيضحي بالغالي والنفيس تمسكا بإيمانه وبقضيته في هذا الوجود. ومن الكلمات ما تنسف كما ينسف السلاح عندما تأتي من فظّ غليظ القلب تخفي أغواره قوى مظلمة سفاكة، أو من يحمل في بواطنه دوافع مشؤومة تدعو إلى التعثر والهدم والبغيضة وتلطيخ السمعة. ثمة من الكلمات ما يشبه حدّة السكاكين، تحزّ اللحم والعظم، وتنخر الروح والوجدان، وتهدم المعنويات.. يكفهرّ لها الوجه، فينزف من وجعها القلب.

لكن ورغم وجود الشياطين نصف الآدميين، هناك من يحمل نظافة وسماحة الملائكة: كلماتهم رقيقة ومواقفهم ملهمة، وصداقتهم معطاءة كسخاء ثمار الربيع وأزهاره عند اخضرار الحدائق والبساتين. جميلُهم بمثابة شمعة تشعّ لها العيون في حلكة الطريق وترسم ابتسامات عريضة على وجه المرء، فتحيله إلى طاقة متوهجة بشعاع الأمل والنور في العين والقلب.

#كلمة_واحدة: تزرع في روحك بذرة الطموح، فتزند لهيبَ روحك وتنعش شغفَ قلبك، توقد فيه حبَّ الاستطلاع، وتحفزك على السفر بعيدا في رحلة السعي لمزيد من الاستكشاف وتحقيق الذات.

#كلمة_واحدة: تحيي فيك أملا بعد أن لفّه الاحباط وخيبات الأمل بثوب الموتى وصلى عليه صلاة الجنازة.

#كلمة_واحدة: تميت فيك جزءاً كان حياً… فالكلمات المحبِطة المسموعة أو المقروءة، كتلك التي لا تنْطق إلا لتجرح وتنتقد وتحكم و تحاكم وتحاسب وتعاقب على جرائم سرّية لم تقترفها، وقد تصيبك بالشلل النفسي، وتختم على قدر الكثيرين بمداد الفشل المحتوم.

كما الطائر الملائكي، تنتزعك كلماتُ التشجيع من براثين الهزيمة التي قد تستولي على زمام ذاتك، فتحضنك برقّة الأم الأبدية ووداعة الأب الروحي، تحفك بجناحيها الدافئين، وترفعك عاليا للتحليق إلى السماء بعيدا عن صخب الحياة ومكر الأيام، حيث لا يسخر أو ينازعك أحد في أحلامك!

#الكلمة_القاسية خنجر يطعن بعمق، وقد تكسر الركبتين أيضا، فتدفع الإنسان مرهف الحس نحو جسر الإنهيار، حيث تراوده فكرة القذف بنفسه في القاع، قاع عميق في وادي الانكسار وتجرّع الآلام، وربما الموت البطيء!

الكلمات غير المنتقاة بروح المروءة والشهامة تترك أثرا يستعصي محوُه من قلوب البشر… فكونوا رحيمي القلب والقول، واختاروا عباراتكم بحكمة حتى وإن كان هدفكم النقد… هناك قلوب رقيقة كأوراق الوردات لا تحتمل وخزة إبرة، فتظل ندوبها تنزف في صمت في ثنايا الأرواح، لا تمحوها دموع الخريف ولا يميتها برد الشتاء.. تبقى إلى الأزل!

بكلمة نهدم حلما… وبكلمة نشفي جرحا… بها نخسر شخصا.. وبها نكسب قلبا… بها نحقق حلما!

عن نازك الملائكة

شاهد أيضاً

قصيدة الهايكو __ ذ. ثروت مكايد

  “قصيدة الهايكو” : منذ سنوات ليست بالبعيدة كتبت بحثا عن شعر الهايكو، وكان الداعي …

اترك تعليقاً