[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

لغة الكتب – عائشة بن يحيى

نظرت لكتابها الموضوع على منضدة صغيرة، بادلها نظرة فهمت معناها، فللكتب لغة ومشاعر أكثر صدقا من بعض الناس، قال لها كتابها أنه يحتاج لبعض الراحة فقد أنهكته وهي تقلب صفحاته، ابتسم خجلا، فقالت لا عليك عيناي أيضا تشتكيان فقد أرهقتهما، كنت سأقترح عليك مرافقتي للحديقة لكن لا بأس استرح سأذهب وحدي.
 خرجت وبدأت تتنقل بين أزقة المدينة الصغيرة، تتفادى الشارع الرئيسي الذي يعج بالسيارات والدراجات والباعة المتجولين..، صارت تبحث عن السلام، والسلام يكون بالبعد عن الناس، وصلت للحديقة فاختارت كرسيا منعزلا خلف شجرة زيتون ذات اللون الأخضر المتدفق بالحياة، تعشق هذا اللون، تفحصت الشجرة، أحست بأن الشجرة ليست سعيدة وإن كانت تتكلف الابتسام، حكت لها الشجرة ما تجده من الناس من كسر لأغصانها.. رمقتها بنظرة حانية قائلة: لا عليك فهم مهرة في الكسر وأنت شجرة مباركة معطاءة، وقدر الكرماء أن يضحوا.
 أخرجت من حقيبتها كتيبا، تحايلت لتخفيه عن أنظار بقية الكتب كي لا تغار منه، لأنها خصته بالنزهة دونهم، حملته بين يديها بعناية، قرأت العنوان: بسمة ودمعة..، سألته: ترى هل ستضحكني أم ستبكيني؟ ابتسم وقال: سأسعدك. ردت: سنرى يا صغيري. فتحت الكتيب صعدت درجا لسمائه، كان كالبساط السحري الذي سمعت عنه في قصص الطفولة، حلق بها في عوالم المشاعر، كان يقص عليها وهي صامتة تتغير تعابير وجهها بين ابتسامات ودموع وتعجب.. وكان الكتيب مزهوا بنفسه وهو يرى نصره على وجه قارئته. فجأة انقطع الاتصال، حدث تشويش على تواصلها مع الكتيب، حاولت التركيز دون جدوى، سحبت نفسها من القصة لتعود للحديقة، نظرت عن يمينها فوجدت أسرة تستعد للجلوس على العشب الأخضر، ومعها حقيبة تفوح منها رائحة الطعام وقنينات ماء وعصير وألعاب، صرخ الوالدان لنصف ساعة ليتمكنا من ترتيب المكان وتقديم النصائح للأبناء، ليأخذ هذا كرة والآخر دراجة صغيرة والأخرى حبلا.. فيجرفهم شلال الطفولة للعب والمرح، فيندمجون مع أطفال آخرين حضروا بشكل متزامن، وتبدأ مباريات اللعب دون تعارف مسبق، وحدهم الكبار يضيعون الوقت في الشكليات، وهم يلعبون يسبرون أغوار بعض، يحللون شخصياتهم، يبرزون قدراتهم.. قبل لحظات كان المكان هادئا لا يسمع فيه غير زقزقة العصافير، الآن صارت الأشجار مختفية وراء الأجساد.. عادت لكتابها فتحته بدأت رحلتها معه فجأة سقطت من البساط، شعرت بألم في كتفها، نظرت فوجدت الكرة قربها، اقترب الطفل حذرا، ناولته الكرة، وصلها صراخ الأم تعتذر لها وفي نفس الوقت تسب وتشتم ابنها.
 فتحت كتابها من جديد، حاولت الاتصال به لكن التشويش كان كبيرا، رأته يغمض عينيه من شدة الصداع، قامت من كرسيها بتثاقل، لمست الشجرة المباركة مودعة، فسرى في جسدها دفء نابع من قلبها، خرجت من الحديقة، سلكت أزقة مختلفة في طريق العودة ففي مدينتها كل الدروب تؤدي للبيت، أعدت فنجان قهوة فرائحتها ستخفف الصداع عن كتيبها، ثم جلست تقرأه.. ونظرات الغيرة تحاصره من كل جهة، أما هو فلم يأبه بهم بل حلق مع قارئته بعيدا، حملها على جناح من ضياء الشروق ثم أعادها مبتسمة، أغلقت الكتاب تأملته للحظة، همست له: شكرا على الرحلة الممتعة صديقي، رد بابتسامة ودمعة، ثم عاد لرف في مكتبتها، وجد لنفسه مكانا بين الغيورين منه، حشر نفسه حشرا، فلم يفسحوا له المجال، كانت سعادته أكبر من أن يلتفت لأمور صغيرة تكدر مزاجه.

عن نصر سيوب

شاهد أيضاً

الباقيات الراجمات __ أحمد حضراوي

الحب لا يأتي إلى الشعراءِ إلا سرابا في صفاتِ الماءِ حسبوه من نبع القصيدة، أخطؤوا فالحب طبع كان من حواء كان الخطيئة، لم يزلها، وجهُه مرآة حزن دونما أسماءِ ! تتكبرين! أما علمتِ بأنني جذعٌ وأنت الريش في الأنواءِ؟ بعض من “النون” المديدة حفنة من توت تاء في سلال نساءِ نقط من الحبر القديم يجف في نصف الدواة بغفلة الإنشاء إني جمعت بما رميتِ حقيقتي فوجدت في أمم الحصى أشلائي فبنيت بالحجر الكثيف حضارتي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.