[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

كيف يُنقذ الملك المرحلة؟ ج.6 __ د. محمد الشرقاوي

 

كيف يُنقذ الملك المرحلة؟
دراسة تفصيلية في سبعة أجزاء أنشرها تباعا كل صباح: الجزء 6:
هل هي أوروبا القيم أم أوروبا الشوفينية الجامحة؟

 

انقلب تعامل بعض القادة الأوربيين في بروكسيل مع أحداث سبتة مما كان من المفترض أن يكون مناسبة لتجسيد الحكمة وبُعد النظر السياسي والحضاري العام إلى خطابية سياسية لتعزيز تيار القومية الشوفينية الأوروبية. وسارعت رئيسة #المفوضية_الأوروبية أورسولا فون دير ليين إلى القول إن “الاتحاد يقف وقفة تضامن مع سبتة وإسبانيا”. وتعهّد رئيس #المجلس_الأوروبي شارل ميشيل بدوره بتكريس “كلّ التضامن الممكن مع مدريد، وأنّ حدود إسبانيا تمثّل أيضا حدود الاتحاد الأوروبي.”

وتقول حنا أرنت في دراستها “الإمبريالية والقومية والشوفينية” إنّ “الشوفينية هي نتاج طبيعي تقريبا للمفهوم الوطني بقدر ما تنبع مباشرة من الفكرة القديمة لـ “المهمة الوطنية”… ويمكن تفسير مهمة الأمة على وجه التحديد على أنها تسليط الضوء على الشعوب الأخرى.”

 

لم يترّيث السيد ميشيل وقبله السيدة ليين لحظة لتبني موقف الأريحية السياسية التي تستدعيها اللحظة بالقول مثلا إن أوروبا تحث إسبانيا والمغرب على ضبط النفس، وأنها تريد القيام بالوساطة أو أيّ مبادرة أخرى لاحتواء الخلاف بين دولة عضو في الاتحاد ودولة شريكة في غرب المتوسط. لكن تنمّ تلك المواقف الأوروبية التي وقفت في صفّ إسبانيا وضد المغرب عن عدّة مفارقات مثيرة:

#أولا، كلّما وجدتْ أوروبا نفسها أمام ما يذكّرها بماضيها الاستعماري في أفريقيا في ضوء أحداث سبتة، فإنّها تقف تلقائيا في صف الرجل الأبيض المسيحي بكلّ نعراتها الكاثوليكية والبروتستانية، وتحتمي بمركزيتها الأوروبية كما أسماها سمير أمين عندما لاحظ انتعاشها كأيديولوجية وسياسة قائمة على الفوارق بين الهويات عند انتشار العولمة في بداية الثمانينات. ويقول عميد المؤرخين البريطانيين أرنولد توينبي إنّ هذه المركزية الأوروبية “سمة لثلاثة مفاهيم خاطئة تتجلى في التمركز على الذات، والتنمية الثابتة للبلدان الشرقية، والتقدم على خط واحد.”.

 

في المقابل، يستعرض المؤرّخ الفرنسي شارل أندري جوليان حصيلة أكثر من خمسة قرون من المد والجزر بين التيار الإمبريالي متعدّد المصادر من شتى القوى الأوروبية والدول المتعاقبة في حكم المغرب. وكانت الغاية من اجتماع تلك الدول الاوروبية في عزّ نهمها الاستعماري في مؤتمر مدريد 1880 هو تقسيم المغرب غنيمة بينها. لكن المغرب عزّز تيّار مقاومته، وراهن على دبلوماسية توازن القوى ودرء المطامع الاستعمارية مقارنة مع الجزائر وتونس وبقية الدول العربية. وأدّى هذا الموقف إلى تأجيل التدخّل الفرنسي للحماية إلى 1912، كما يقول جوليان في مؤلفه الشهير “المغرب في مواجهة الأمبريالياتLe Maroc face aux impérialismes 1415-1956. ولا تزال الذّاكرة المغربية تحمل أثار لعنة هذا المؤتمر في مدريد عندما غدت خارطة المغرب مقسمة إلى مناطف نفوذ إسبانية في الشمال والجنوب، والفرنسي في الوسط، فيما خضعت طنجة لإدارة دولية لا تبتعد عن روح المدّ الاستعماري العام.

 

#ثانيا، تعكس تصريحات المسوؤلين الأوربيين في بروكسيل مدى التشّبع، سواء بوعي أو دون وعي، بانشطارية “نحن”، كناية عن الهوية الأوروبية المتجانسة بين مكوّناتها، و”الآخر” الذي يشمل تصنيف المغرب على خلاف الصّورة الإيجابية التي كانت تعتبره “الشريك” أو “الحليف” جنوب البحر المتوسط. وخلف هذه الانشطارية بمناصرة إسبانيا ضدّ المغرب مراعاةٌ أيضا للاعتبارات الأيديولوجية لدى الحركات اليمينية والحسابات الانتخابية عبر سبع وعشرين دولة في القارة الأوروبية. ويجسد هذا الموقف أيضا حاجة الأوروبيين، بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو ما سمّي “البريكست”، لما يمنحهم الشعور بالإطمئنان على استقرار وحدتهم ولُحمتهم الأوروبية. فتلاقت المصالح الأوروبية والإسبانية في الاستثمار في موقف مناوئ للمغرب وفق منطق احتكار الإيجابيات “لنا” وتحويل السلبيات “للآخر” في ما يمكن تسميته وظيفية سياسية حسب الحاجة وتعميق الخلاف بين الرباط ومدريد بدلا من تجسيد الحصافة السياسية المفترضة في مثل هذه الحالات. وكما يقول الدكتور بول كوليي في جامعة أوكسفورد ومدير مجموعة الأبحاث في البنك الدولي سابقا، فإن “البديل الواقعي للقومية الشاملة ليس إنسانية عالمية مشتركة. بدون القومية الشاملة، من المرجح أن يسود شكلان من أشكال الهوية. ستطور بعض المجتمعات الشكل الفيروسي والإقصائي للقومية. هذا هو الاحتمال الذي تخشاه المؤسسة الأوروبية.”

 

#ثالثا، يستمدّ الاتحاد الأوروبي وجوده حاليا، بعدما كان #مجموعة_اقتصادية_أوروبية في السبعينات والثمانينات، من تصور الدولة الأمة الجديدة أو الممتازة أوsuper nation-state، بما يعلو فوق مفهوم الدولة الأم nation-state الذي بلورته #معاهدة_ويستفاليا المبرمة بين الإمبراطوريات الأوروبية عام 1648.

وثمّة خيطٌ رابطٌ بين تصريحات كل من رئيس وزراء إسبانيا في بروكسيل ورئيسة المفوضية الأوروبية فون دير ليين ونائبها مارغريتيس شيناس، ورئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل بأنّ “حدود إسبانيا تمثل أيضا حدود الاتحاد الأوروبي.” هو تشبّعٌ بخطاب القومية التي تتخفى في أغلب الحالات بخطاب الوطنية، لكنّها تنطوي على صنفيْن من أسوء أصناف القوميات:

1) #القومية_العرقية ethnic nationalism بالتّسارع إلى الوقوف في صفّ الحليف المسيحي الأبيض وعدم التمهّل في استدراك القيم التي تتبناها المجتمعات الأوروبية، وهذه من أعراض ما أسميه القبلية السياسية الجديدة Political Neo-tribalism.

 

2) تنطوي هذه القومية الأوروبية الجامحة على التلويح أيضا #بقومية_توسعية expansion nationalismبالتّشديد على اعتبار سبتة “جزءا” من السيادة الإسبانية دون استدراك التاريخ، أو استشراف زوال هذا الوضع الاستعماري، إذا قرّر المغرب المطالبة باسترجاع المدينة وشقيقتها مليلية في المستقبل بالتوازي مع وضع جبل طارق.

بين القومية العرقية والقومية التوسعية تنغمس أوروبا حاليا في قبلية سياسية جديدة بإسقاط كثير من تجليات الأنا الجماعية وهيمنة التفكير الواحد مقابل تنميط المغرب ضمن إطار “الآخر”. وبموازاة تلك الهبّة أو الرجّة غير الموزونة لقادة المؤسسات الأوروبية في بروكسيل بإعلان التّضامن مع مدريد على الفور، فإنهم نسوا أو تناسوا أن قوميتهم التوسعية في الأصل خطأٌ تاريخي بانتظار التصحيح، ووضعٌ استعماريٌ إلى زوال بحكم حتميات القرن الحادي والعشرين.

 

وعندما ترتفع النشوة بفعل الجرعة السخية من القومية العرقية القبلية والقومية التوسعية في أدمغة قادة المؤسسات الأوروبية في بروكسيل، وليس في عقولهم على ما يبدو، فإنهم ينساقون دون حصافة سياسية إلى مناصرة حكومة مدريد ضد شريك دائم بحكم التاريخ والجغرافيا والبعد الاستراتيجي في غرب البحر المتوسط وشمال القارة الأفريقية. وينطوي هذا الانجراف عن الشعور بالنرجسية العشائرية التي كانت لهم في القرون الوسطى، وإنعاش الأنا الجماعية بتجليات الوحدة الأوروبية المتخيلة في ضوء أعمال عالم السياسة والمؤرخ بنديكت أندرسون حول المجتمعات المتخيلة وأصل وانتشار القوميات.

#رابعا، يتخيل مسؤولو المفوضية الأوروبية والاتحاد الأوروبي ومجلس أوروبا أن الوجود الأوروبي انتقائيٌ وانطوائيٌ على ما هو “#أوروبي_خالص” ممنوع من الصرف، وممنوع من الاختلاط والتمازج مع شعوب المغرب الكبير. فإنْ كانت بين المغرب وأوروبا قرونٌ من الجوار الجغرافي والتعايش التاريخي، فالأهمّ أن بينهما أكثر من قرن من التضامن عندما غرقت أوروبا في ولايات حربيين عالمتين.

 

ويبدو أن التصنيفات النمطية بين “نحن” الأوروبيين و”الآخر” المغربي التي تتبناها السيدة فون دير ليين والسادة ميشيل وشيناس وسانشيز بشكل اعتباطي اليوم تتنطع لحقيقة التاريخ، وتعكس طبيعة الجحود الخفي في بروكسيل ومدريد إزاء القناعة التاريخية للمغاربة بقوة الجوار المتوسطي في السرّاء والضرّاء، وتضامنهم غير المشروط مع جيران الشمال في مواجهة الفاشية والنازية وبقية السّرطانات السياسية التي ابتليت بها القارة العجوز في حربي النصف الأول من العشرين، وأيضا مساهمتهم في إعادة بناء أوروبا عقب الدمار التي خلفته النازية خلال الحرب العالمية الثانية.

في عام 1914، وصل عدد الجنود المغاربة إلى 45ألف جندي بعد إنزال 4500 من الرماة المغاربة في فرنسا عبر صقلية وإيطاليا ضمن كتيبة المشاة المجندين من المستعمرات. وقد قال المقيم العام الفرنسي الجنرال هوبير ليوطي جملته الشهيرة “مصير المغرب سيُحسم في اللورين.” وكان بأس أولئك الرّماة وبقية الجنود المغاربة، سواء العرب أو الأمازيغ، شديدا في معركة “لامارن” للدفاع عن مدينة بوردو في 5 سبتمبر 1914 ومعارك أخرى.

 

واختلطت الدماء المغربية والفرنسية والإيطالية وغيرها في خطوط المواجهة في فرنسا وإيطاليا وهولندا ودول أخرى. ودُفنت الجثامين في عشرات المقابر في إيطاليا وفرنسا وبلجيكا وهولندا وغيرها. ونامت الأجساد وتلاقت الأرواح في مقبرة ڤينافرو قرب مدينة كاسيو الإيطالية مثلا، وهي تؤكد تمرّدها على كل قومية عرقية شوفينية، وعلى كل تقوقع في أي مركزية أوروبية إقصائية. فهل تتمعن السيدة فون دير ليين والسادة ميشيل وشيناس وسانشيز اليوم في فحوى ما قاله قال أحد كبار الضباط في الجيش الفرنسي في تخليد ذكرى الجنود المغاربة عام 2014: “إن القاسم المشترك بين هؤلاء الجنود الشجعان، الذين تم دفنهم جنبا إلى جنب، هو أنهم دفعوا حياتهم ثمنا غاليا لتحرير فرنسا، وناضلوا من أجل أوروبا حرة دون ديكتاتورية. لقد كتبوا بدمائهم صفحة مجيدة في تاريخ الإنسانية”؟!

وفي الأمس القريب خلال تمدد ألمانيا النازية وسط أوروبا سالت دماء زكية أخرى للجنود المغاربة والجزائريين والأفارقة من أجل تحرير أوروبا. ولا تزال سهول ستراسبورغ بين فرنسا وألمانيا تردّد صدى هؤلاء الأبطال القادمين من الضفة الأخرى لخوض معركة تحرير المدينة في نوفمبر عام 1944. ولا يزال جيل الحرب من الإيطاليين يتذكر شجاعة أبطال المغرب بين قوات الحلفاء في معركة تحرير روما في يونيو من العام ذاته. كان الجنود القادمون من المغرب في الصفوف الأمامية للدفاع عن الفرنسيين والإيطاليين وغيرهم من غياهب الهلاك القادم من رحم أوروبا ذاتها. فكيف يستقيم اليوم منطق الفصل بين الأنا والآخر. وماذا تقول هذه الأنا والأنانية الأوروبية اليوم لأبناء وحفدة من كان يعرفون بالجيش الأفريقي Armée d’Afrique أو Goumiers الذين جاؤوا من المغرب والجزائر وتونس للقتال والتضحية بأرواحهم من أجل أوروبا سواء في الحرب العالمية الأولى أو الثانية.

 

قد ينتاب ذاكرةَ بعض القادة الأوروبيين الضعفُ اللاراديُ أو المفتعلُ هذه الأيام، وقد تغيب من المعلومات التاريخية لدى أنصار تهافت التهافت على التعصب الأوروبي الإسباني في بروكسيل قصةُ 85 ألفا من الجنود المغاربة أو “الكوم” الذين قاتلوا مع الجيش الفرنسي أيضا ضمن عملية “هاسكي” بهدف اختراق الحصن الألماني المنيع المعروف باسم “خط غوستاف” خلال الحرب العالمية الثانية. ويقول خبير سابق في البرنامج الإنمائي في الأمم المتحدة، تكريما للجنود المغاربة على شجاعتهم، إنه “حيثما فشلت القوات الجوية البريطانية في زعزعة الألمان، نجح المغاربة في ذلك على ظهور البغال، إذ تمكنوا بشجاعتهم من محاصرة مدينة كاسينو وفرض السيطرة عليها.”

لقي 12 ألف جندي مغربي حتفهم فضلا عن آلاف الجرحى والمصابين والمفقودين ممن أصبحوا في خانة نسيانٍ وتناسٍ في الذاكرة الأوروبية اليوم تحت مسمى “أبطالٌ بلا مجد.” كما هي العادة، ذاكرة السياسيين قصيرة، وذاكرة الحكومات جاحدة ولا تكمل شريط الأحداث حتى النهاية. لكن ذاكرة الشعوب، وخاصة أحفاد وأبناء وأصدقاء هؤلاء الأبطال، تأبى النسيان. فلم يتوان محمد أشهبون في هولندا ومحمد القرّوطي في بلجيكا عن تسخير حيز مهم من حياتهما اليومية، ضمن حلقة صغيرة من نشطاء المجتمع المدني المغربي في أوروبا، وليس الحكومات ولا التمثيليات الدبلوماسية، من أجل ردّ الاعتبار لأبطال التضحية الحاضرة والاعتراف المنسي، وإقامة مراسم سنوية لتخليد ذكراهم في الموروث الأوروبي المغربي المشترك.

 

وقد رحل السيد القروطي هو الآخر قبل أسابيع بعد أن كان قوة الدفع الرئيسية في ترسيخ التقليد السنوي للاعتراف بتضحيات مئات الجنود المغاربة في معركة “جيمبلو” Gembloux من أجل حرية واستقلال بلجيكا. ويقول محمد أشهبون إنه يعزو جهوده في الأبحاث والاتصالات لتنظيم أكثر من قافلة زيارات بالحافلات، إلى مقبرة زووس كابيب Zeeuwse Kapelle في مدينة غوز Goes الهولندية وغيرها من مقابر الجنود المغاربة عبر أوروبا، إلى “ضرورة الحفاظ على ذاكرة أجداد لنا شاركوا في حرب مدمرة لإنقاذ الإنسانية.” ويبقى لديه الأمل في أن تقوم هولندا بتشييد تمثال لهؤلاء المقاومين الذين ضحّوا بدمائهم دفاعا عن هولندا وبقية أوروبا.

#خامسا،هل يحتاج قوميو بروكسيل اليوم دروسَ تقويةٍ في التاريخ الحديث غير البعيد عندما أصدر السلطان محمد الخامس، جدّ الملك محمد السادس، بيانا ملكيا في الثالث من سبتمبر عام 1939، بعد يومين من اندلاع الحرب العالمية الثانية، تمت تلاوته في المساجد، يدعو فيه المغاربة للدفاع عن فرنسا في المعارك التي ستخوضها إلى جانب الحلفاء ضد النازية والفاشية. وهل تفكر أوروبا اليوم في مغزى قرار الجنرال #شارل_ديغول يوم الخامس من يونيو عام 1945، بعد خمسة أيام من ندائه إلى المقاومة الفرنسية عقب التحرير الرسمي لباريس بأقل من شهر، أن يوشّح صدر الملك #محمد_الخامس بوسام ولقب “#رفيق_التحرير” Compagnon de la libération، وهو أرفع وسام تقدير وطني فرنسي لم ينله من قبل سوى رئيس وزراء بريطانيا #ونستن_تشرشل، تقديرا لتضامنه ووقوفه في توفير الملاذ الآمن والدعم السياسي للجنرال ديغول وحمايته من هجمات ألمانيا النازية على فرنسا.

عندما تنتعش الشوفينيةُ الأوروبية وقوميتُها العرقية والتوسعية بمناصرة إسبانيا ضد المغرب اليوم، فإنها تنزلق إلى منحدر قِيَمِي وأخلاقي وسياسي، وتبتعد عن المبادئ والمثل المشتركة بين الأوروبيين والمغاربة، بل وتطعن أيضا في أنساق المثالية السياسية التي تولدت بفعل الصحوة الحضارية والعِبَر والدورس المستخلصة من تجربة الحربين العالميتين. وتتحدث الوثائق الفرنسية والبريطانية كيف سارع يهود المغرب للاستنجاد بالسلطان محمد الخامس خشية مما كانت تخطط له الإقامة العامة الفرنسية وقوانين حكومة فيشي خلال عام 1941. فأكد اليهود آنذاك “أن الإسلام يفرض على عاهل البلاد، بصفته أمير المؤمنين، الدفاع عن أهل الذمة وحمايتهم من كل سوء، وذلك شريطة التزامهم باحترام الدين الإسلامي ودفع الجزية”.

 

اتخذ محمد الخامس وقتها موقفا مناهضا لسياسة الإقامة العامة على الفور، نقلته وكالة الأنباء الفرنسية صيف 1941، وهو يجاهر في وجه الضباط الفرنسيين وأعضاء الجماعة اليهودية المغربية في حفل عيد العرش بقوله “لا أعترف بالقوانين الجديدة المعادية للسامية، وأرفض الانصياع لشيء لا أقبله، وأؤكد أنه مثل العهد السابق، فإن اليهود سيبقون تحت حمايتي، لأنني أرفض أي تفرقة يمكن أن تتم بين أفراد شعبي.”

واليوم، قد تكون الفكرة مفيدة لمسؤولي المفوضية الأوروبية والاتحاد الأوروبي في بروكسيل باستضافة محاضرة للتوعية التاريخية والحضارية حول القيم الرفيعة التي يبني عليها المغرب علاقاته متعددة الأبعاد مع أوروبا. وقد يتحمس المستشرق الفرنسي جاك بيرك والمؤرخ جيرمان عياش للنهوض من قبريهما لإلقاء محاضرة عن بُعد حول دور المغرب في منع المؤامرة بين حكومة فيشي الفرنسية وألمانيا الهتلرية ضد يهود المغرب، ومساهمة المغاربة قمة وقاعدة في مساعدة أوروبا على إنهاء المد النازي، ولماذا أطلق الألمان على المقاتلين المغاربة “سنونو الموت” خلال الحرب العالمية الثانية.

قد تكون المحاضرة مناسبة مواتية أيضا لكي يعلّق رئيس وزراء اسبانيا سانشيز على سؤال مسكوت عنه في التاريخ الإسباني والعلاقات العربية الإسبانية: كيف اعتذرت إسبانيا لليهود، ولم تعتذر بعد للمسلمين الذين تعرضوا لحملة التطهير العرقي والديني الذي كرسته الكنيسة ومحاكم التفتيش الكاثوليكية!

 

سؤال المقارنة ضروري ومفيد في حقبة النشوة القومية وانتفاخ الأنا الجماعية بين مدريد وبروكسيل من أجل تصحيح الرؤيا واستعادة البوصلة. وقبل أن يعود رئيس الوزراء سانشيز إلى مدريد، قد تلهمه مراجعة التاريخ، هو والسيدة فون دير ليين والسيدين ميشيل وشيناس، بزيارة مقبرة فينافرو في إيطاليا مثلا، والوقوف والتأمل في لوحة معلقة في مدخل المقبرة عليها عبارةٌ تقول: ”أيها المارّ، اعلم أن ثمن حريتك دُفِعَ من دمهم.”

قد توحي اللحظة أيضا بجلسة لتناول فنجان قهوة مع بعض المغاربة الأوروبيين، مثل الكاتب #الطاهر_بن_جلون وعالم الاجتماع #محمد_الشرقاوي، حول القيمة غير المعلنة لدور آلاف الباحثين والخبراء والمثقفين، وأيضا المعلمين والممرضات والأطباء والمربّيات والمهندسين وعمال البناء المغاربة، وكيف ساهموا ولا زالوا في تشييد أوروبا وتعزيز رفاهيتها الاقتصادية وحيويتها العلمية والثقافية من مجموع خمسة ملايين مع المغاربة الأوروبيين عبر أربعة أجيال.

وتقول دراسة أوروبية بعنوان “العلاقات المتحولة بين أوروبا وشمال أفريقيا” إنّه “لا يزال يتعين على الاتحاد الأوروبي تحديد مجموعة متماسكة من السياسات تجاه شمال إفريقيا، لكي تجمع بنجاح بين المصالح الجيوسياسية والفهم الشامل للديناميات والمطالب المحلية المعقدة.”

 

عن نصر سيوب

شاهد أيضاً

زمن الشعر – ناصر رمضان عبد الحميد ، عضو اتحاد كتاب مصر

  مالي وللشِّعرِ ينساني وأنساهُ… ويرقُصُ الحرفُ في كفِّي فأخشاهُما كنتُ للعهدِ يوماً خائناً أبداً… …

اترك تعليقاً