[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

قلق الذات وقلق الكتابة، في شعر عبد الهادي روضي – معاذ بن طالب

يعد الشاعر عبد الهادي روضي من الشعراء الجدد الذين انخرطوا في المشهد الشعري بداية تسعينيات القرن الماضي عبر الصفحات الشبابية والملاحق الثقافية والمجلات الثقافية المختصة. إلى جانب أسماء متميزة نذكر منها: إيمان الخطابي- لبنى المانوزي- رشيد الخديري ومحسن أخريف رحمه الله. حيث يمثل هؤلاء جيلا جديدا أغنى المكتبة المغربية بأشعار حاملة سمات الفرادة والتألق؛ وبعيدا عن الشعراء الأوائل، يأتي هذا الصنف بمشروع جديد يخالف السائد والمتعارف عليه. مشروع يحتفي بقصيدة النثر كشكل جديد في الكتابة غير مقبول من طرف الجميع وليس مما يخصه من الدراسات النقدية ما يكفي، ثم يحتفي بهذا النمط في علاقته الوطيدة بالمضمون الذي تغير استجابة لطريقة الكتابة. فقد أصبح الشاعر المغربي الجديد يحقن قصيدته بقلق ذاته والقلق الذي يواجهه حين تخلق القصيدة. أي قلق الكتابة.

يمكن أن نقول إذن أن هذين العنصرين (قلق الذات- قلق الكتابة) هما اللذان يبنيان قصائد هؤلاء الشعراء النثرية.

هذا، وقد دافع عبد الهادي روضي كواحد من كتاب قصيدة النثر في المغرب، عن هذا الجنس تنظيرا وتطبيقا. لذلك سنحاول أن نغوص في عوالم شعره من خلال دواوينه الثلاثة مستخرجين مظاهر قلق الذات وأوجه قلق الكتابة في إبداع قصيدة النثر أو القصيدة اللاوزنية في المغرب. منطلقين من فرضية مفادها أن قصيدة النثر صدر رحب لاستقبال جراح الشاعر وانكساراته وأحلامه ورؤاه، بقدرة لا تملكها قصيدة التفعيلة أو القصيدة العمودية. وهذا النوع الجديد (قصيدة النثر) يرتكز بالأساس على الصورة الشعرية والإيقاع الداخلي، وفيما يخص المعنى فإن الشاعر لا يأتي إلى القصيدة محملا بسلال المضامين التي سيعالجها، فهذا يفقد الشعر جماليته وقيمته. بل إن الشاعر يترك لذاته وأحاسيسه الحرية التامة في كتابة القصيدة. وما يتبقى يؤسسه القارئ.

هو الشاعر والناقد والقاص المغربي الأستاذ عبد الهادي روضي، المزداد سنة 1978 بمدينة سطات. بدأ النشر في المنابر الإعلامية منذ سنة 1994. أسس نادي أصدقاء الكتاب في البيضاء.

حصل على شهادة الإجازة من المحمدية في تخصص الأدب العربي عن موضوع « قصيدة النثر في المغرب جدلية الموقف والموقف المضاد »، ثم ناقش بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في الرباط رسالة الماستر بعنوان «خصوصيات انبناء نقد الشعر الرومانسي في المغرب: عبد الكريم بن ثابت وإدريس الجاي نموذجين ».

يعمل أستاذا لمادة اللغة العربية في التعليم الثانوي التأهيلي.
حصل على عدة جوائز في القصة والشعر والنقد.

صدر له:

• أحفاد القصيدة، أنطلوجيا شعرية في جزءين. منشورات مكتبة سلمى الثقافية 2009.
• بعيدا قليلا، ديوان شعري. مطبعة آنفو برانت، فاس. الطبعة الأولى 2008.
• عزلة النهر، ديوان شعري. مطبعة دار المناهل. منشورات وزارة الثقافة المغربية. الطبعة الأولى 2013.
• أعلى من سقوط، ديوان شعري. مطبعة البيضاوي، الرباط. منشورات بيت الشعر في المغرب. الطبعة الأولى 2017.
• تماثلات، قصص. منشورات Editions plus. الطبعة الأولى 2017.
• معطف سوزان: مسالك المعنى في قصيدة النثر العربية الجديدة وأكوان متخيلها الشعري. منشورات دار الشعر، مراكش. الطبعة الأولى 2019.
• يصدر له قريبا ديوان شعري بعنوان « نكاية بالحياة » مهدى إلى روح الشاعر والناقد والروائي والقاص المغربي محسن أخريف رحمه الله.
كما له مخطوطات أخرى في مجالات أدبية مختلفة.

سنتطرق إذن، في هذه الدراسة، للمحاور التالية:

1. معاناة الذات الشاعرة من داخلها
2. معاناة الذات الشاعرة مع أقاربها (العائلة والإخوة بالتحديد)
3. يأس الشاعر من مجتمع معطوب ومتهالك الجسد
4. احتماء الشاعر بالحلم والرؤيا والحنين إلى الأصل هروبا من الواقع البشع
5. صراع القصيدة من أجل البقاء

معاناة الذات الشاعرة من داخلها

الشعر هو احتفاء بالذات الكاتبة قبل كل شيء، حيث كل شاعر يحكي عن ذاته أولا، عن الإيجابي فيها والسلبي. ثم يحكي عنها في علاقتها بمحيطها والآخر. أي إن الذات هي مركز القصيدة، وهناك من يزاوج بين الذاتي والموضوعي، لكن الذات تبقى حاضرة في عمق النص.

ونحن نقرأ لعبد الهادي روضي، نجد كل ما ذكرناه سابقا، لذلك سنسافر عبر دواوينه الثلاثة، باحثين عن ذات الشاعر وهي قلقة، غاضبة، ثائرة، حزينة، يائسة، مكتئبة، متعثرة وحالمة.

أيقظني وقال (1):
لا تشذب الريح
كمن مروا
مجد محوك
وامض كراء شذ
عن هوى القبيلة.

النص للشاعر عبد الهادي روضي، لنقارنه بالنصين التاليين، وهما للشيخ محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري(2):

أ.«وأوقفني في الأبواب وقال لي:
الأبواب إلي كلمات
لكل باب ألف كلمة… »
ب.«أوقفني في السر وقال لي(3):
لكل شيء سر: إذا وقفت عليه، حملته ولم يحملك، وَوَسِعْتَهُ ولم يَسَعْكْ… »

لنلاحظ التقابلات التالية: أيقظني وقال/ وأوقفني في الأبواب وقال لي/ أوقفني في السر وقال لي. نرى أن هناك حضورا للصوفية عند الشاعر. هذا يبين أن الشاعر في بداية ديوانه الأول – هذه البداية التي تعطي صورة عن أول عهده بالشعر – يستدعي الصوفية كمعجم نقي حالما بواقع أفضل ومستقبلا أجمل.

لا تشذب الريح (4)


الريح رمز الهزيمة، إذن فالشاعر يقاوم الهزيمة ليتخلص منها، كما يبين ذلك الفعلان: مجد- امض.

لكن، حين نطلع على اللاحق من شعر الشاعر، نجد أن هذه الرؤية – التي يدل عليها عنوان القصيدة ” استهلال ” -تتغير. تكثر الهزائم وتعلو الإنكسارات، وينتصر الحزن على الذات حتى يشرد الفرح(5):

أخبز معجم الحزن
وأُبَوِّبُ مفردات فرح شارد

تزداد الجروح وتنعدم ثقة الشاعر في الغد ويزول من فكره يوم السعد(6):

جرحي على جرح ينمو
وطريق الشعر سحاب
متعب بالريح
فيما الغد كتاب مرتق بالوهم
ويوم السعد حصان ناحيتي
لا
يعدو

قلب الشاعر يصير كالبحر تملؤه الطحالب، وليس أية طحالب، فهذه طحالب اليأس(7):

كلما كنست القلب
من طحالب اليأس
تدلى
يأسي وارفا كالظلال

كل هذا يتسبب للشاعر في إتلاف صورته، ويصير كالأعمى عكازه الظل(8):

احتذاء بالظل أعدل صورتي
مكفنة بالشقوق، وأشرب خيبتي
في مقهى المجهول…

يعود اليأس، هذه المرة ليحبط محاولات الشاعر في احتمائه بالشعر تصديا للواقع المر (9):

كلما لبست الخيال
أو شذبت الاستعارة
تلكأ اليأس ورماني:
ما أمر اللغة
وما أشقاني!

يسقط الشاعر في هاوية الجرح دون أن يحس به أحد(10):

من شرفة تطل على جرح
وقفت، فتحت كوة من جاذبية
تعزف فرح البنات
القليلات
تعثرت في هدأة الحياة
هيأت أغنية بحجم الخيال
وعلى صداها شردت

ولختم هذا المبحث دعونا نرى كيف قام الشاعر بتلخيص حياته في سبعة أسطر(11):

وسياق مزاجي
متعدد التأويل
قطار طفولتي
مر سريعا أمامي
كقطعة نرد، والذي أحكي
مجرد غبار من رحلة فاشلة
في صيد الحظ…
معاناة الذات الشاعرة مع أقاربها

يهمنا في هذا المحور البحث عن طبيعة علاقة الشاعر بإخوته، إنها علاقة يشوبها نوع من الغرابة؛ حيث كلما قرأنا عنها من الدواوين الثلاثة، نكاد نتبين أن ما يقع للشاعر مشابه تقريبا لما وقع مع النبي يوسف عليه السلام. إذن فالسلام والهدنة لا مكان لهما بين الطرفين، بين الطرفين هناك فقط المكائد والحرائق التي لا تنتهي. والضحية هو الشاعر الذي يحصي جروحا بحجم الضيم.

يقول الشاعر(12) :

يمر شلال الإخوة عاصفا
ويندحر الشوق مثل غيمة
محبطة من فرط دهشتها

يصل النزاع إلى درجة انطفاء الشوق، ويصبح الإخوة في ذاكرة الشاعر مجرد ماض بحيث لا يمثلون له ما كان ينتظره منهم ويتوقعه(13):

ولأن إخوتي لا يشبهون
مخيلة النهر ومحارة الدالية
لهم تركت سنابل الماضي
وسرت أحلق
أعلى من سقوط

إن الشاعر يشترك والنبي يوسف في كون الإثنين سقطا ضحيتين للإخوة وحقدهم(14) :

في سري رأيت إخوتي
كخلية نحل
مهرولين جهة
حقد أعمى
يمسكون دمي
ويقصون رؤاي
نكاية بدم العشرة

يتعثر الفرح في خطو الشاعر ويتعثر الشاعر بطوفان عائلته، غير أن هذا لم يهوي به في غيابات العائلة ومشاكلها، فقد ترك لها صراعاتها ونزاعاتها ومضى في اتجاه ذاته(15) :

أنا (يقول ظل لظله):
حصان تعثر بطوفان عائلة
مصابة بأعطاب السلالة
وعدوى الصفات
والحروب القديمة
غير أني لم أقع في شرك هواها

الشاعر متعب بالريح ومنهك بها، حتى الخيال يبطل وسط النهر(16):

وأنا
أمشط ضفيرة الريح
وأفكك أبعادها
لم أرب ذاتي إلا على خيال
ما الخيال في سرة العائلة
غير نهر يرتب هزائمه

غير أن لا شيء يعنيه من هذا كله(17) :

لا شيء يعنيني
لا الحرب التي توقدت
في حدائق الأحبة ولا المسافة
إلى
الهدنة

يأس الشاعر من مجتمع معطوب ومتهالك الجسد.

أقسى ما يمكن أن يحصل لشخص ما هو أن يجد نفسه في مجتمع لا يؤمن بالثقافة والتربية، وفي مقابل ذلك يقدس التفاهة والفراغ العقلي ويركل النضال والوطنية. كثيرة هي الصور التي تعبر عن هذه الأعطاب، وقد وجدنا منها في شعر عبد الهادي روضي ما يستحق فعلا التأمل والتفكر. لذلك ارتأينا أن نبدأ في معالجة هذا الجانب بمقطع شعري يشكو فيه الشاعر همه إلى صديقه الشاعر والناقد والروائي والقاص المغربي رشيد الخديري. يقول(18) :

بما أخبرك يا رشيد
نديمي في الشعر وفي العزلة
ضاقت رؤاي
لم أعد سيزيف الوطن
ضيعتني الأحجيات
جدتي أغوتني بالوهم
هذي البلاد ضيعتني
عمدتني بالخطأ

الشاعر ينقل كل ما يعاينه في محيطه من مظاهر التمزق(19) :
وجوها فهرستُ:

لم أر غير ريح وصبار يتبادلان حسرة النهار، أحدق سماء،
لا أرى سواي يروض حكمته القديمة، وجنديين حائرين
يقبلان اليأس ويتغامزان، ومغنية تهرب حنجرتها وتقسو
والمدينة التي تمتطي صهوة فداحتها، ماالذي سيحمله بريدها؟ – هذا الذي يرمز إلى شيء من التجدد والتغير ربما -(20) :

لا شيء يحمله بريد مدينة تركب فداحتها:
حارة قديمة تصرخ أين أناي؟، حاضن
النخلة يشرب خسارته، امرأة تفقأ
أعين الشمس، شاعر يحصي الفراغ
طفل يفرك أصابع الليل
على ربوة التناص شاعر، بالكاد أعرفه
يسلخ درويش
بأخطاء فادحة

يقول الشاعر أيضا(21) :

ألمح نجمة ترتدي أقنعة
ونساء تعرين نكاية بالحياة
وامرأة تطارد خبز ليلها
وشيخا يقنص شابة طائشة
بزناد اللفظ، وسائحين من بني
صِفْرٍ يتباهيان بالقيظ
وملائكة حطت رحلها بذاتي
وتصاعدت علتي

ويقول(22) :

أتأمل الطريق:
أجساد راهبات
توزع خضرتها
وطفلة ساذجة
ترتل جينيرك
سلسلة خلود
وتركض وراء الماما
وماسح أحذية
يمضغ سنبلة الاحتمال
وقطة تفرك حواسها
ونادل يتشاجر مع الوقت

أما حين يتعلق الأمر بالسلالة، فإن ماء النهر يصير عكرا(23) :

هذه السلالة/ سلالتي
ضيعت بريد الروح
في طريقها إلى الحداثة

وحتى لا ننسى أن الشاعر هو الآخر مُنْتَمٍ لهذه الصور المجتمعية: (24)

كلهم
يهربون سنابل الشمس
خارج
الوطن الصغير
يحرفون زهوك الأجاج
ولا
يملون

في الأخير قد ينتهي كل شيء: (25)

قد ينتهي كل شيء:
تاريخ البلد المعفن بالخطايا
والطفلة التي تلاعبت بعواطف النهر
وسيرة رواد الحداثة
والجنود الذين بدلوا مجاز الطبيعة
والسحب الساحلية المحملة برسائل الاعتذار
احتماء الشاعر بالحلم والرؤيا والحنين إلى الأصل هروبا من الواقع البشع

يأتي التمسك بالحلم والرؤيا في شعر عبد الهادي روضي من انغماس هذا الأخير في اليأس وإحساسه الحقيقي بعلقم العذاب والظلم، ومن رغبته في ترميم الواقع المعاش مفتوحا على فرح مورق. وسنفصل في هذه الأمور من خلال الديوان الأخير « أعلى من سقوط »؛ حيث فيه تشتد معاناة الشاعر وتصل أوجها. ولكي يتخلص من هذه الطاقة السلبية فإنه يتشبث بحنينه ويرحل صوب الأصل بكل ما فيه من البساطة والهدوء والنقاء والصفاء، ثم يغتسل بالبراءة المحيطة به ممثلة في (ملاك) ابنته، وفي الأخير يفتح شرفات حاضره على مستقبل خال من نتوءات الزمن الحالي.

(… كنت أوصد غرفة الريح وأفتح ذاكرة القلب على أرشيف النهر): (26)

أحن إلى مسقط الفرح، ولوز الجميلات

أحن إلى صبية
يزوجن الأمل باليأس
أحن إلى إسفنج موسى البلدي

أحن إلى صورتي خلف قلق
يعلو كشجر الأكالبتوس…

هنا الشاعر يتحلل من فداحة اليقين موصدا أبواب غرفة الريح التي هي الهزيمة، فاتحا ذاكرة قلبه على أرشيف النهر الذي هو الأصل العائلي. هكذا حنينه يمتد لكل ما يفوح منه عبق البساطة والفرح في صباه، إلى أن يصل به الحنين إلى نفسه حتى(27) :

أحن
أحن
إلي

وها هي ذي (ملاك) في ثوب البراءة الناصع البياض تلقي بروحها على ضجر أبيها:

في كفي (ملاك) تقرأ كتاب المحن(28):

ترسم ظلي بوتر من رباب
تشذب قلق الأرض
وتقسو على نشرة العائلة
المليئة بالأخطاء، والحشو
وكلام لا يأتي بالحقيقة
والوطن ولا بالمجاز

وهي أيضا التي: (29)

ترتب ضفيرتها
بطعم الشوق
تشذب جرحي

يترك الشاعر نهاية الديوان عبارة عن حوار داخلي يسأل فيه نفسه عما يفكر فيه، ليجيب بطرح رؤاه ذات البعد الإشراقي. حيث يقول(30):

فيم تفكر يا عبد الهادي؟
في لظى الريح؟
أم
في بستان العائلة
الْمُرِّ؟
الأمر سيان

ويقول: (31)

فيم تفكر يا عبد الهادي
في طباق الحجر بنقيضه؟
أم في رثاء (عائشة)
حين تحرض الطبيعة
على خيانة الماء؟
أم في برج النسيان؟

ثم يقول أيضا: (32)

فيم تفكر يا عبد الهادي
في اشتعال الثلج؟
أم
في صورة الغزال
متشحا
بالصدى؟

ويختم بالسؤال التالي: (33)

فيم تفكر
يا عبد الهادي
في حكمة الذئب؟
أم
في خيانة الأرض للغيوم؟

وتكون إجاباته عبارة عن رغبته في تنقيح أوراق العائلة وضخ دماء الفرح فيها، ودخول الهزائم من باب النسيان(34):

أفكر
في الحظ منقطا بدم سلالة
وارفة العطش
وميالة إلى تمجيد
عزلة النهر
ولأن لا حظ للأنبياء، أفكر
في ترميم كتاب العائلة

أفكر في تشذيب الآتي
مفتوحا على فرح مورق

أفكر
في رؤى الريح
متواطئات
مع النسيان

صراع القصيدة من أجل البقاء

ينتمي شعراء قصيدة النثر الجدد إلى طبقة يمكن أن نقول إنها وجدت مكانها عند بعض القراء والمهتمين، لكنها ما زالت تقاتل لنيل مكانة أخرى؛ ألا وهي مكانة النقد واهتمام الدراسات الأدبية بها. حيث إن النقاد لم يتجهوا بعد بشكل مقبول إلى تناول هذا النوع الجديد وفحصه واستخراج قضاياه، بل إنهم صاروا يؤمنون بقصيدة التفعيلة فقط ناسين أن الشعر وغيره من الأجناس الأدبية إبداع، والإبداع ينبثق من وحي الذات، ولا يمكن أن يخرج من قوالب جاهزة. هذا الأمر – ضعف اهتمام النقد بقصيدة النثر – يعاني منه الشاعر طبعا، وهناك من الشعراء من تتمخض لديه هذه المعاناة في شعره على شكل قلق، أي قلق الكتابة كما ذكرنا في المقدمة.

وإن لنا وقفة عند هذا الموضوع في شعر الشاعر عبد الهادي روضي. (35)

لي
اشتعال الرؤى
والخروج عن المعيار
والذي لا يشتهيه المصابون
بفقدان
الإيقاع

هنا الشاعر يبدو ثائرا على المعايير التي حددها السلف وقد استعمرت العقول ومنعتها من أي إبداع أو تجديد. وهو أيضا الذي عندما يخرج عن هذه القوانين يحس أن فعله يأتي بذنوب لا قبل له بها(36):

ما ذنبي إذا مجدت الانزياح
وارتضيت بعد النوارس
مديحا للعزلة

ما ذنبي إذا تقمصتني الحداثة
وصرت مفتونا بالإيقاع
ما ذنبي إذا لم أطاوع التفاعيل
ورددت موال شيخة طاعنة في النثر…

وما يؤكد صحة فرضيتنا الأولى قول الشاعر: (37)

للريح أسلمت ظنوني
واحتواني
النثر

ومن المشاكل التي تواجه النص الأدبي ضعف عناية النقد به: (38)

كلما اتسعت العبارة
سال دمي
وحاد الناقد
عن المورى به
وتلاعب بالمعنى
وأخلف نبع جرحي

فكأن الشاعر بذلك يقول: كلما اتسعت العبارة، ضاقت رؤية الناقد.
على سبيل الختم نورد ثلاثة نصوص تمثل رأي الشاعر عبد الهادي روضي في قصيدة النثر:

1. « …ومن المفارقات الغريبة التي تطرح نفسها بإلحاح اليوم، سيما في ظل التحولات الشعرية الكونية الكبرى، أن شعريتنا العربية لم تفتح حواسها لاحتضان أي تجربة شعرية جديدة، حيث ما زالت الشعرية العربية تمجد حد التقديس قصيدتي نظام الشطرين (القصيدة التقليدية)، والتفعيلة (قصيدة الشعر الحر)، وتصم آذانها اتجاه قصيدة النثر التي قدمت طيلة ستة عقود من الزمن نصوصا شعرية، بل تجارب شعرية فاتنة وآسرة، رغم الهوامش الضيقة التي فتحت في وجهها… ». (39)

2. «… وبما أن القصيدة، بتعبير نزار قباني، ظلت على مر الأزمنة تشبه الطفلة المشاغبة التي تمارس شغبها وطفولتها، ومراهقتها بعنفوانية وكبرياء الصغار، فإن قصيدة النثر ذاتها تظل الغابة الظليلة التي تحوي عددا لا متناهيا من النصوص الشعرية الأنقى والأصدح بجراح الإنسان العربي، وغربته، وأحلامه، ونتوءات الزمن…». (40)

3. «… فإننا نصرح – دون خوف أو ارتباك – أن شعرية قصيدة النثر العربية الجديدة هي ابنة شرعية للشعر العربي، مهما تخلت عن الوزن الشعري ما دام الوزن العروضي ليس محددا جوهريا للشعر، وإلا لتضاعف عدد شعراء العربية بحجم يساوي عدد كوكب الأرض، وهو ما يستوجب من حراس الغابة من النقاد إعادة أدوات الاشتغال النقدي، والنظر إلى الشعرية ذاتها كغابة ظليلة يزاوج شعراؤها بين الذاكرة ونشدان الحرية بما هي بحث عن ينابيع إضافية للشعر… ».(41)

المصادر والمراجع
1: بعيدا قليلا، قصيدة ” استهلال ” . ص5
2: محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري. كتاب المواقف
3: الأعمال الصوفية، محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري، راجعها وقدم لها سعيد الغانمي. ص272
4: بعيدا قليلا، قصيدة ” استهلال “. ص5
5: عزلة النهر، قصيدة سِفْرُ التحول. ص42
6: أعلى من سقوط. ص23
7: أعلى من سقوط. ص32
8: أعلى من سقوط، ص38
9: أعلى من سقوط، ص51
10: أعلى من سقوط، ص120
11: أعلى من سقوط، ص77
12: أعلى من سقوط، ص133
13: أعلى من سقوط، ص125
14: أعلى من سقوط، ص97
15: أعلى من سقوط، ص114
16: أعلى من سقوط، ص122
17: بعيدا قليلا. قصيدة ” افتضاض “. ص51
18: بعيدا قليلا. قصيدة ” وَلَتْ تربي العدم “. ص79
19: عزلة النهر. قصيدة ” طباق الشمس “. ص53
20: عزلة النهر. قصيدة ” شط الهباء “. ص56
21: أعلى من سقوط. ص70
22: أعلى من سقوط. ص75
23: أعلى من سقوط. ص21
24: بعيدا قليلا، قصيدة ” كمن يشيع للريح أحزانه “. ص27
25: عزلة النهر، قصيدة ” القابض أسرار الشمس “. ص70
26: أعلى من سقوط. ص30
27: أعلى من سقوط. ص31
28: أعلى من سقوط. ص102-103
29: أعلى من سقوط. ص105
30: أعلى من سقوط. ص132
31: أعلى من سقوط. ص135
32: أعلى من سقوط. ص138
33: أعلى من سقوط. ص142
34: أعلى من سقوط. ص143-144
35: بعيدا قليلا، قصيدة ” طفولة الغيم “. ص10
36: بعيدا قليلا، قصيدة ” كم تضيق حنجرتي “. ص14
37: بعيدا قليلا، قصيدة ” المسيح يتقمص وجه الغيم “. ص42
38: أعلى من سقوط. ص87
39: معطف سوزان مسالك المعنى في قصيدة النثر العربية الجديدة وأكوان متخيلها الشعري. ص124
40: معطف سوزان مسالك المعنى في قصيدة النثر العربية الجديدة وأكوان متخيلها الشعري. ص124
41: معطف سوزان مسالك المعنى في قصيدة النثر العربية الجديدة وأكوان متخيلها الشعري. ص127
*نصوص من خارج اللغة.

عن نازك الملائكة

شاهد أيضاً

قراءة في رواية “شرق المتوسط” للروائي عبد الرحمن منيف __ ذ. هناء عبيد

“قراءة في رواية “شرق المتوسط” للروائي عبد الرحمن منيف” : يبدو أن التاريخ يعيد نفسه …

اترك تعليقاً