[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

قراءة في “تابوت الصبر” للشاعرة السودانية آية وهبي – أسامة تاج السر

جاء عنوان تابوت الصبر جملة اسمية، حذف المبتدأ تركيزا على الخبر، وقد أضيف الخبر إلى الصبر، وهذا العنوان يشيع جوا مزيجا بين البشارة والحزن. فرمزية التابوت لا تخفى. والصبر دائما منزلة بين الحزن والبشارة، وأظهر ما يكون الأمر في قوله تعالى (وبشر الصابرين) فقد جاءت البشارة مترتبة على الصبر على الحزن.
والجملة الاسمية في العنوان، تنأى بعيدا عن الزمن الذي يختص به الفعل وما بمجراه، من المشتقات، وأسماء الأفعال، والظروف.

(1)
فيْ شاطئِ النَّجویْ أطالَ قنوتَه
ورمیْ شباكَ الصَّبرِ يطلبُ قوتَه
وعلیْ ضفافِ الموتِ أرهقَ قلبَه
حزناً .. يعدُّ صفاتِه ونعوتَه :
هوَ سارقُ الأحبابِ .. قاتلُ حلمهمْ
والموتُ قنبلةُ الأسَی الموقوتَة!!

ولأن العنوان يحمل رمزية التابوت، فقد بدأت القصيدة بتخيّر الشاطئ مكانا، وقد شُبِّهت النجوى بالشاطئ، بجامع العزلة في كُلٍّ، وكأن الشاطيء قد نأى بنفسه عن الماء فاعتزله. والنجوى والقنوت كلاهما يتخذان من الهمس والصوت الخفيض ملاذا، وإطالةُ القنوت تحمل في طياتها مقدارا من الحاجة إلى الطمأنينة والسكينة.
ومثلما اتخذت آية وهبي من الإضافة صورة للتشبيه في صدر البيت، عادت وكررت الأمر في عجز البيت، فكانت صورة (شاطئ النجوى)، مقابلة لـ(شباك الصبر). وطلب القوت إن ربطته بالقنوت والصبر لأدركت أن الجوع جوع الروح لا الجسد.
وإن تأملت بناء البيت من الناحية اللفظية لوجدته قائما على موسيقى دفاقة، تتمثل في تكرار عددٍ من الحروف بصورة عفوية، الشين في (شاطئ، وشباك)، والطاء في (شاطئ، أطال، يطلب)، واللام في (أطال، ويطلب)، والقاف والواو والتاء والهاء في (قنوته، وقوته)، والنون في صدر البيت (النجوى، وقنوته)، تقابلها الباء في عجز البيت (شباك، ويطلب). وأقوى من كل هذا الإكثار من حروف المد لإيصال معنى إطالة القنوت، فقد جاء المد في ثمان مرات، كل كلمة في صدر البيت وهي خمس كلمات، وثلاث مرات في عجزه.
وإن ارتكز البيت الأول على الإضافة في إقامة التشبيه، فقد ارتكز البيت الثاني على الإضافة أيضا لإبراز الاستعارة المكنية، إذ شبّهت الموت بالنهر وحذفت المشبه به ورمزتْ إليه بلازم من لوازمه وهو الضفاف. ثم على التكرار المعنوي لتقوية المعنى، فالصّفات والنعوت يحملان ذات المعنى.
وجاءت صفات الموت ثلاثًا تتوافق مع ترتيب البيت الذي حمل هذه الصفات، فهو سارق الأحباب، وهو قاتل حلمهم، وهو قنبلة الأسى.
وإن رحت تعدد الألفاظ التي وردت في هذه الأبيات الأولى مثل (الصبر، الموت، أرهق، حزنا، سارق، قاتل، الموت، قنبلة، أسى)، لوقفت على معنى القصيدة كله، وهو ما ظهر جليا في العنوان الذي اختير بعناية فائقة تمثل القصيدة خير تمثيل.

(2)
أشبعْ فضوليْ يا رهينَ القبرِ يا
منْ ذقتَ طعمَ الموتِ: كيفَ لقيتَه؟!
إنْ كانَ حلوا يا صديقيْ قلْ لها:
لمَ لمْ تشاركنيْ بهِ لأموتَه؟!
أوْ كانَ مرَّ الطَّعمِ ليسَ بسائغٍ
فاسكتْ .. كفيتَ مرارَه ووقيتَه
يا ليتها انتظرتْ .. لكنتُ وهبتُها
قلباً سيدمنُ بُعدُها تفتيتَه!!

تلتفت آية في هذا المقطع، وتنتقل من الجملة الخبرية إلى الإنشائية، ومن الإخبار عن المناجي القانت، ومن تعريف الموت، إلى مخاطبة الميّت. والالتفات هو أن يكون المتحدَّث عنه واحدًا مع اختلاف الضمائر بين الغيبة والحضور، وما أكثر ما استشهدوا على الالتفات بقوله تعالى من سورة يونس (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها)، والالتفات بين الضمائر في (كنتم، بهم، وفرحوا)، وهي بين حضور وغياب.
فبين (يطلب قوته) في البيت الأول من القصيدة، وبين (أشبع)، في هذا البيت الأول من المقطع الثاني تقف على معنى الجوع الذي ينتظم القصيدة، وهو جوع متعدد الدلالات بين جوع الروح، وجوع القلب والفكر، فهنا الإشباع إشباع فضول ولهفة وشوق، لذا قُيِّد بالمفعول به (الفضول)، وهو ما يشير إلى البعد والفراق، مجازا كان الموت أم حقيقة.
جاء هذا المقطع إنشائيا طلبيا، بدأ بالأمر (أشبع)، ثم النداء (يا رهين القبر)، ثم توكيد النداء والموت (يا من ذقت)، ثم الاستفهام (كيف لقيته)، هذا الإكثار من الإنشاء الطلبي ذو دلالة معنوية، فالانتقال من الخبر إلى الإنشاء بهذه الكثافة يشير إلى اختلاف كبير في تناول قضية الموت. فبعد أن كان الحديث مناجاة وقنوتا، تحوّل إلى معايشة وخطاب، فخصّت من بين الجميع واحدا يحمل هذه الصفة، ومن خلاله انتقلت آية وهبي إلى هذا العالم، متسائلةً عن كنه مذاقه، وفي هذا إشعار بالزهد في الحياة. ما يجعل للمْلنخوليا/ الشجن أرضا خصبة في القصيدة، وهو ما يظهر من العنوان لينتظم كل القصيدة.
إن من أعقد الصور النفسية التي تتملك الإنسان في لحظة الحزن تشبثه بالحياة عندما لا يرى فيها نفعا وجدوى، فتتغلّب الأمنيات على لحظات الحاضر الكئيب. فالبطلُ واحد في القصيدة وهو المحبوب، ولكن أدوار البطولة النسائية متبادلة، بين حبيبة سابقة كانت ذات تأثير عاطفي كبير على حياته، إذ أدخلته مقبرة الحزن وسلبته كل معاني الحياة. وأما البطلة الثانية/ الراوية، فتحاول أن تعيد البطل إلى الحياة، من خلال عاطفة جياشة، فيها الحب الكبير، وإدراك قيمة ما يمتلك هذا المحبوب من صفاتٍ تبحث عنها، وأهمها الإخلاص والوفاء.
فالراوية تسأل هذا الميت عن حقيقة الموت، إن كان حلوا فلم لم تدع هذه التي أحببتها إلى هذا الحد، كي تشاركك إياه إن كانت صادقة كصدقك؟ وهي بهذا تخبره بكذبها وعدم صدقها في الحب. ثم تسأله إن كان طعم الموت مرا أن يسكت ولا يخبر أحدا، وهي على استعداد أن تموت لتشاركه هذه الأحزان التي يعيشها، وأن تكون معه على أي حال. وقد انبنت القصيدة على هذه الفجوة الثنائية بين شعور البطلتين، وبين شعوره بهما، وهذا قد عبّر عنه الأعشى الكبير ميمون بن قيس حين قال:
عُلّقتُها عرضا، وعُلِّقتْ رجلا
غيري، وعُلِّق غيرَها الرّجُلُ

إن نظرت إلى تبادل الكافات والسينات والراءات في البيت الثالث، لوقفت على جرس موسيقيٍّ دائري، فقد وردت الكاف مرة، والراء في كلمة واحدة مرتين في الصدر، ومرتين في العجز، ووردت السين بعكسهما، مرة في الصدر ومرتين في العجز. وتوالي السينات في كلمات متواليات (ليس، بسائغ، فاسكت)، قوى من هذه الصورة النغمية جدا، مع توالي الكافين في كلمتين متجاورتين، وتوالي رائين في كلمة واحدة في الصدر وفي العجز. وعندي أن الصورة السمعية الموسيقية في هذا البيت، أدلّ على المراد من معنى البيت، لأن المعنى قد ورد ضمنا في البيت السابق، خلا هذه الجملة الدُعائية الباهرة (كفيت)، وهي عندي صورة مشابهة لبيت عمر بن أبي ربيعة في رائيته العظيمة:
فقالت وعضت بالبنان فضحتني
وأنت امرؤ ميسور أمرك أعسرُ
أريتك إذ هُنّا عليك ألم تخف –
وُقيتَ – وحولي من عدوك حُضَّرُ
وكلا الفعلين لم يُسم فاعلهما لأنه معلوم للسامع. وفي هاتين الجملتين الدعائيّتين تظهر عاطفة متوهجة عميقة، وجاءت الجملتان على لسان الأنثى -على اختلاف الموقفين- لتزيد هذه الدفقة الشعورية الخالصة.
وقد أكثرت آية وهبي من الالتفات بين بيت وآخر، ما ينقل شعورا نفسيا بالقلق، بجانب الدلالة البلاغية وجمالها. فآخر بيت في هذا المقطع قد ورد بلسان المحبِّ مخاطبا محبوبته الأولى، وهي صورة أشدّ إيغالا من الالتفات، فهي تحمل في طياتها جانبا من الإسقاط النفسي، وجانبا من التقمّص، فالراوية هي التي فتّت البعدُ قلبَها، وهي من بلغت هذه المنزلة من الشوق، ولكنها جاءت بهذا البيت على لسانه تمنّيا أن يكون حاله كحالها، ووجده كوجدها. وذا البيت أشبه شيء بشعر نزار قباني الذي يقوله على لسان الأنثى، فقد قالته آية على لسان الرجل، ليس هربا وليس تخفّيا، كما كانت تفعل المرأة من قبل وهي تزوّر توقيعها حتى لا تعرف، ولكن الصورة نفسية بين الإيغال والتقمّص، ما يزيد يقيننا أن الموت الذي تتحدث عنه آية أسامة وهبي في هذه القصيدة هو موت معنوي مجازي، لا حسي حقيقي. وإن استعارت جوا نفسيا فيه من حقيقة الموت الكثير، من خلال الصور البصرية الجنائزية، والصور السمعية النائحة، وأظهر ما يكون هذا النوح عندما تنعم النظر في التكرار الحرفي الذي ينتظم أكثر الأبيات، فيصبغها صبغة إيقاعية حزينة، بجانب نغمة الكامل المتدفقة المنسابة الحركات في تفعيلاته.

(3)
قدْ كانَ صوفيَّ المحبَّةِ مخلصاً
لوْ كنتِ يوماً تقرئينَ سكوتَه
هوَ سيِّدُ الأحزانِ .. آيةُ ملكِه
أنْ يستردَّ لصبرِه تابوتَه!!
تجتاحُه الذِّكریْ فيطرقُ يائساً
لمَّا تزلْ فيْ قلبهِ منحوتَة

اختارت آية أن تتقمّص شخصية الراوي وتنأى بنفسها عن دور البطولة، فبعد أن بدا الأمر في أول القصيدة التفاتا آض روايةً وحوارا، فهي تحاور المحبوب حينا، وتروي على لسانه حينا آخر.
وفي شعر آية وهبي – مقارنة بشواعِر جيلها  جُبنٌ عاطفيّ غير مبررٍ، إذ هي أقل جرأة منهن في التعبير عن نفسها، مع امتلاكها موهبة شعرية عالية. فليت آية أدركت أن هذا الجبن يخصم كثيرا من شاعريتها. فهي ما اتخذت من الراوي قناعا، إلا لإدراكها أنها تحسن التعبير جدا عن عواطفها من خلف هذه الأقنعة الكثيرة التي تتخذها، وقناع طالوت/ البطل، خير دليل على ذلك.
يبدأ هذا المقطع بالإخبار عن المحبوب وصفاته: فهو صوفي المحبة، وقد فسّرت الدلالة بشيئين: الإخلاص في الحب، وإطالة السكوت. ولولا تقمّص آية شخصية المحب لما كان للبيت قيمة، إذ هذه الصفات في الحب تناسب الأنثى أكثر من مناسبتها الرجل، لا سيما السكوت، ولكن هذا التقمّص جعلها تتحدث عن نفسها وهي تختبئ خلف من تتحدث عنه، حتى كاد الأمر يكون ضعفا في البيت، إذ لا معنى للصوفية أو السلفية أو اللبرالية في الحب، إذ الحب ثنائية شرطها التوافق التام، ومن هنا كان قوله تعالى (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات) من سورة النور .
ومن صفاته أنه سيد الأحزان، ثم يأتي التناص القرآن (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (248) البقرة.
وإن رحت تبحث عن العلاقة بين هذا المحبوب وبين طالوت لما وجدتها، فملك طالوت قائم على القوة والبسطة في الجسم والعقل، بينما هنا قائمة على التصوف، والسكوت والحزن، وهل الحب إلا هذا؟ فإن من أخص علامات الحبّ التخيّل، وأن يرى الإنسان في من أحب ما لا يراه غيره، وهذه الصور النّفسية هي التي تجمّل القصيدة، وهي التي تجعل لما يتراءى مفكّكا من المعاني، تماسكّا لا يُدرك إلا بإدراك هذه القيمة العاطفية النفسية.
فهو عندما تجتاحه -وهذه صفة ضعف لا تشبه طالوت- الذكرى، يُطرق ويهتم ويبتئس، لأنها لم تزل منحوتة بقلبه، وهذا ما أشارت إليه بصوفية الحب وإخلاصه.
ولو لم تكن القصيدة في حقيقتها مبنية على الصور النفسية الغامضة، لما كان لاستخدام أداة الجزم النافية (لمَّا) قيمة، لأنها تفيد النفي الآني فقط، مع قرب تغير هذا النفي إلى ضده، فالإشارة إلى الذكري بلمّا، تنفي الإخلاص الذي أشارة إليه، لأنه أوشك أن ينسى هذه الذكرى ويتخلص منها إلى الأبد.
ولكنّ آية وهبي تتحدث عن هذا المحبوب من خلال علاقته بأخرى، وهي تتمنى في قرارة نفسها أن ينسى تلك المحبوبة، وأنها قد أوشكت أن تزيل ذكرى هذه الأخرى من قلبه. وهذا المعنى الخفي شديد الارتباط بالبيت السابق، إذ في استرداد التابوت استرداد السكينة، وهذا ما تبحث عنه آية في هذه القصيدة.

(3)
هيَ أفقدتهُ الصَّبرَ يومَ فراقِها
هزمتْ قواهُ وضيَّعتْ جبروتَه
حملتْ لبابِ القبرِ بهجةَ روحِه
حملتْ أمانيَ قلبِه المكبوتَة

ما زالت آية أسامة وهبي تتقمص شخصية الراوي وتنقل على لسانه المعاني، فبعد أن كان الإخبار عن البطل (هو)، أصبح الإخبار عن البطلة الأولى (هي)، وهذا التفات في الرواية، وهو الأسلوب الذي بنت عليه آية تكنيكها الكتابي، إذ ظلّت تتنقل بين هذه الفجوات، تخبر عنه حينًا، وعن التي أوصلته هذه الحال من اليأس، حينًا آخر، وتبث مكنون لهفتها وحبها بين هذه الفجوات.
يأتي حديث آية/ الراوي، عن هذه التي أحبها البطل فتركته، وكان في فراقها تدميرا لحياته، لأنها أفقدته الصبر، ولأنها هزمت قواه، ولأنها ضيعت جبروته، ولأنها حملت إلى القبر بهجة روحه وأمانيّه المكبوتة.
عند تتبع الأفعال التي وردت في هذين البيتين فهي: (أفقدت، هزمت، ضيعت، حملت)، والفاعل لكل الأفعال ضمير مستتر تقديره هي. ومفاعيل هذه الأبيات: (الضمير الهاء والصبر، قواه، جبرته، بهجة روحه، أماني قلبه). هذه القسوة التي كانت في الأفعال تدلّ أن هذه المحبوبة التي تتحدث عنها آية، شخصية لا تقدِر قيمة الحبِّ، وفي هذا من الغيرة ما لا يخفى.
وهذه الصفات التي أظهرتها المفاعيل تدل على أن البطل يتمتع بصفات عظيمة جدا، كلها قوة، وهيبة، وجمال، ولكنه فقد كل ذلك عندما تركته محبوبته، وهذه الصفات هي التي اختصرتها آية وهبي في قولها (قد كان صوفي المحبة مخلصا).
في هذه الأبيات قد بلغت القصيدة الذروة، وهي مرحلة العقدة، فآية أسامة تتحدث عن حبيب ضائع، خرج من علاقة كأنها حرب ضروس، هزم فيها فتحطمت حياته، وفقد كل ما كان يملك. ولأن آية وهبي أحبت هذا البطل المهزوم رغم هزيمته، فقد أدركت بحدسها أمجاده الغابرة، أدركت بغريزتها أن طباعه طباع ملك، فقد ملكه ولكنه لم يفقد ما يدل على هذا الملك. أليست هذه صورة نسر عمر أبي ريشة حين يقول عنه:
والوقار الذي يشع عليه
فضلة الإرث من سحيق الدهور
أليس هذا الوقار يظهر في هذا الملك المُضيّع من إطالة القنوت في شاطئ النجوى إلى (حملت لباب القلب بهجة روحه)؟
ولأن القصيدة قد وصلت حد العقدة العصية، كان لا بدّ من استلهام التراث الذي يخصّب الشعر، فجاء الالتفات الأكبر في المقطع التالي:
(4)
جنِّيةُ البحرِ استشفَّتْ حزنَه
فرمتْ لهُ معَ موجةٍ عفريتَة
قالتْ : أجبنيْ ، منْ تمنِّيكَ الهویْ؟
وعليَّ أنْ تحظیْ بما مُنِّيتَه!!
حلميْ مضیْ لا شيءَ يُرجعُ ما مضیْ
هذيْ حقيقةُ حبِّيَ الممقوتَة!!
لنْ ترجعيْ ضوءاً تبعثرَ في المدیْ
الموتُ منْ أهدیْ إليهِ خفوتَه!!

يمثل هذا المقطع تراثا عظيما من الفلكلور، فجوّه مشابه لجو (ألف ليلة وليلة)، فهذه صورة المصباح السحري، وهي صور البصري مع الجنّيات اللائي أخذ ريشهن فاستحلنَ بشَريّات جميلات، وههنا تظهر حورية البحر التي تختزنها كل ذاكرةٍ في مرحلة برزخية بين الصبا والشباب.
فهو بعد أن أطال قنوته في شاطئ النجوى، وبعد أن فقد كل مظاهر قوته، كان لا بد من معجزة عاطفية تعيد له كل ما فقده في طرفة عين، ولأن القدرة الخارقة -في المخيلة الجمعية- من خواص الجنّ، فكان أن جاءت الحبيبة الثانية/ الراوية في هذه الصورة، لتنتشله من الأحزان والغدر إلى السعادة والوفاء. جاءت الجنية رمزا للقوة الخارقة، بينما جاءت العفريتة الصغيرة رمزا للأنوثة والخصوبة، وهذا الصنيع يشير إلى ثقافة آية وهبي القرآنية كل الإشارة، فما ظاهره واحد (جنية، عفريتة)، في باطنه متعدد الرمزية، وهو أشبه شيء بعصا موسى عليه فعندما كانت الإشارة إلى المعجزة والتغيير غير المخيب، جاء قوله تعالى: (فألقاها فإذا هي حية تسعى)، وهذه موافقة لدلالة العفريتة، إذ المراد تأكيد المعجزة مع بث الطمأنينة. بينما كان شأنها مع السحرة (فإذا هي ثعبان مبين)، إشارة إلى القوة والمعجزة الكبرى، وهي رمزية الجنية في البيت.
فهي تسأله عن التي تمنى، وهي من سيحقق حلمه، وثمة تناص خفيّ جدا مع المتنبي حين يقول:
قالت: – وقد رأت اصفراري- مَن به؟
وتنهّدتْ. فأجبتها: المتنهّدُ
فالصّراع الخفي بين المحبوبة السابقة وبين الراوية يشتد، ولكنّ آية وهبي تنأى بنفسها عن التصريح بهذا الصراع، وكأنه لا يعنيها، فهي ههنا تجعل أمر التصريح والاختيار له، فعليه أن يتمنى وعلى العفريتة أن تحقق تمنّيه، ولم يكن الاستفهام عن طريق (ما) بل جاءت (من)، وهذا الذي يزيد قوة ما بين المعنى المراد، وبين بيت المتنبي.
ثم يظهر ضعف طالوت العاشق بعد أن سلب ملكه وقوته، في مفردات كثيرة من قَبيل (مضى، لا شيء، ممقوتة، لن ترجعي، تبعثر، الموت، خفوته)، فهذه آثار الهزيمة وكلومها بادية لم يشف منها هذا الملك المهزوم.

(5)
يا سيِّدَ الأحزانِ حسبكَ لوعةً
أنا ما نسيتُ اللهَ حينَ نسيتَه

جاوزتَ نهرَ الخوفِ فاسلكْ آمناً
واهزمْ بأورادِ الهویْ جالوتَه!!

الموتُ أمرُ اللهِ .. أتبعْ أمرَه
برضیْ فؤادكَ واحترمْ ملكوتَه

ثم يأتي المزج بين الجمل الإنشائية (يا سيد الأحزان، حسبك، فاسلك، واهزم، أتبع، واحترم)، والخبرية (أنا ما نسيت الله، نسيته، جاوزت نهر الخوف، الموت أمر الله).
وطغيان الأمر على غيره من الإنشاء فيه حثّ وحضّ على اتباع ما أمر به، وكل ذلك منشأه المحبّة الشديدة التي لا ينقصها غير التصريح بها. ثم عندما تأتي إلى الجمل الخبرية تجدها تحمل إيمانًا عميقًا من هذه العفريتة لا تتوافق مع حقيقة العفاريت، ولكنه إيمان يشبه ما وُصِفت به صوفية هذا العاشق، وعلى مجيء هذه الجمل خبريةً إلا أنها تحمل من الإنشاء جوهره وحقيقته، إذ لم تكن هذه الحقائق قارّةً في نفس العاشق، والطلب هو حث المخاطب على أمر لم يكن واقعًا عند الطلب، وما تبحث عنه هو الانتباه إلى ما تحمله له من الحب الذي سينسيه خيبته وفشله السابق.
هذه القصيدة تمثل عندي درجة مهمّة من درجات تطور شاعرية آية أسامة وهبي، فهي تمتلك كل أدوات الشعر وزيادة، ولكنها قليلة التعبير عن نفسها كما تفعل غيرها من الشواعر، فهي كثيرًا ما تتوارى خلف الأقنعة، فتجدها مكثرة من شعر المناسبات، ومن شعر التصوف الحزين الباكي، وهي هنا لم تستطع التخلّص مما ذكرته من الأقنعة، ولكنها استطاعت نفسها وعقلها الباطن أن يعبر عنها حين أبت ذلك.
لا أفتأ أقول إن الفصاحة التي تمتلكها آية أسامة وهبي لا يتجاوزها أحد من الشعراء أو الشواعر، وقليلون هم الذين يقفون معها على درجة واحدة. فآية أسامة أفصح الشواعر، ومحمد الخير إكليل أفصح الشعراء، وهذه حقيقة لا يجادل فيها إلا مكابر. وليتهما أدركا أن الفصاحة هي باب مدينة الشعر، ولكنّ الشاعرية أكبر من أن يقف الشاعر في هذا الباب أو أن يتجاوزه بأمتار قليلة. فكم من الذين دخلوا مدينة الشعر متسورين جدارها، وليس لهم من الفصاحة إلا أخس قدر منها، ومع ذلك فهم شعراء بحق. فمن جمع بين الاثنين فقد فاز فوزا عظيما.

عن أحمد حضراوي

شاهد أيضاً

قصيدة الهايكو __ ذ. ثروت مكايد

  “قصيدة الهايكو” : منذ سنوات ليست بالبعيدة كتبت بحثا عن شعر الهايكو، وكان الداعي …

اترك تعليقاً