[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

في الحاجة إلى التدين – سعيد حاجي

ليس هناك يقين بدون شك، فالشك هو السبيل الوحيد للمعرفة، ومن ذلك ما قعده الكوجيطو الديكارتي الذي مفاده مقوله ديكارت أنا أفكر إذاً أنا موجود، أما مسألة الدين فهي مسألة شخصية، طريقها التسليم والاعتماد على القلب، وليس طريقه المنطق والبرهان، وإن حاول الفلاسفة والعرفاء، عبر التاريخ وضع دلائل عقلية على صوابية الدين ومن ذلك دليل الغائية، ودليل النظام، ودليل السببية، لكن يبقى الإيمان تجربة جوانية خاصة، يمكن أن يكون بلسما للتخلص من العبثية، لأن الأسئلة الانطلوجية الكبرى المتعلقة بالحياة والموت والوجود لا يمكن الإجابة عليها بالعلم والرياضيات والفيزياء لانها أسئلة تبحث في الجدوى ومن أين ولماذا، تبقى الحقيقة المؤكدة أن الوجود انطلق من عدم أي من لاشيء، ثم انبثق مع الانفجار العظيم، وتوسع ومازال، وكان من اللازم عقليا أن توجد قوة من خارجه لازمكانية سرمدية، تشعل فتيله و شرارته الخامدة وتنقله من العدم إلى الكينونة، لأنه يستحيل أن ينتقل العالم من العدم إلى الوجود بدون قوة من خارجه، وهو لم يكن شيئا وكان هناك فراغا هائلا، لا يتصوره العقل الإنساني.

كانت نظرية أزلية العالم اليونانية القديمة تفسر وجود العالم دون احتياج إلى خالق، ولكن مع الفيزياء الحديثة ونظرية البيغ بونغ غيرت كل شيء، وجعلت الوجود محتاجا إلى موجد، ولم تستطع نظرية الأوتار ولا نظرية العوالم المتعددة، لستيفن هوكنغ في كتابه التصميم العظيم أن تقنع بأن الجاذبية هي سبب الخلق والوجود. ويبقى السؤال، الأهم هو لماذا أنا هنا في هذا العالم إذا كل شيء سيتنهي بموتي، وأين ستذهب كل التجارب البشرية والحضارات والعمران إذا كان مآلها سيكون الخراب والعدم دون أمل في حياة أخرى في نشأة أخرى ذات طبيعة أثيرية أو معنوية. سيكون من العبث أن نحب وأن نشقى، دون طائل ودون رجاء، في حياة أخرى، سيكون من الأجدر والأجدى أن نذهب جميعا إلى انتحار جماعي، سيكون أجدى في حالة صحة نظرية عالم بدون خالق أن نيأس من العيش ولن يكون هناك أمل لأن المادة مصيرها الزوال والتحلل في التراب، والنجوم والكواكب مآلها الانفجار، لأنه سيكون مصيرنا الاختفاء النهائي من مسرح الحياة في أي شكل من أشكال الوجود.

إن الدين يخلق السكينة والطمأنينة، ويجعل للأخلاق معنى، فلا أخلاق بدون خالق، يرجوه الضعفاء ويخافه الأقوياء، فما هو الميزان العقلي للأخلاق إذا كان العقل يقوم على تحقيق المنافع والمصالح، ولا يقوم على مبدأ القيم والتحسين والتقبيح، والخير والشر، العقل يفكر لصاحبه من خلال محاولة جلب ما ينفعه ويحقق له لذاته وشهواته، وبالتالي قد يكون القتل خيرا من موازين العقل، المادي غير المؤيد بالعناية الإلهية والنفحات الإيمانية، قد تكون سرقة الشعوب واحتلالها خيرا بالنسبة العقل الاستعماري الإمبريالي، قد يكون الجنس الجماعي فضيلة من فضائل العقل الغير إيماني، باعتباره يحقق النشوة. واللذة القصوى، قد يكون الوفاء للزوجة والأصدقاء قيمة سخيفة في منظار الإنسان الدهري وتكون الخيانة بدلا من ذلك، بحثا مشروعا عن اللذة فليس هناك أي معايير أخلاقية يمكن الوقوف عندها والالتزام بقواعدها. قد يكون السحاق والمثلية خلقا مقبولا في المجتمعات الدهرانية على حد تعبير الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمان، قد تكون ممارسة الجنس على الحيوانات وممارسة الأم مع أبنائها والأخت مع أخواتها. أمرا عاديا من حيث النظر العقلي غير المدعم بالإيمان، لأنه ليست هناك معيارية غير النظر إلى تحقيق المصلحة الذاتية للفرد الملحد غير المؤمن، ما الذي سيجعله يفكر بمنطق القيم والفضائل مادامت لا تستند إلى ميزان ووجود خالق، هو الدين الذي يمكن أن يجعلنا إنسانيين أخلاقيين، دون رغبات حيوانية غير منضبطة، هو الدين فقط الذي يمكن أن يجعلنا نفكر في الرحمة ونحارب دفاعا عن النفس والأوطان ومع ذلك نحافظ على الحجر والشجر، ونرحم النساء والأطفال والعجائز هو الدين الذي يجعلنا نستثني غير المحاربين، هو الدين وحده الذي يجعلنا نتراجع وليس معنا أحد حين نهم بارتكاب الجرائم أو الرذائل والمحرمات، عندما نفكر في أن هناك ربا عظيما يعرف سكناتنا وحركاتنا، وأنفاسنا وما نفكر فيه بيننا وبين أنفسنا لأنه أقرب إلينا من حبل الوريد ونعرف أن كل حركة تسجل في شريط الأحداث والوقائع الحياتية ولا يمكن نحوها أبدا إلا بالندم والتوبة، حين يأتي معنا سائق وشهيد وحين يرى كل منا مثقال ذرة مما فعل، ليس بالضرورة أن تكون الحياة الأخرى حياة مادية، جسمية، اُنظر كيف يجد الإنسان نفسه متألما خائفا عندما يسيطر عليه كابوس ليلي، تصور أن النائم ظل كذلك دون أن يستطيع القيام، أليس ذلك هو العذاب الأليم، لأن الوجود تمثل وتصور، وما عدا ذلك مجرد الأوهام، لكن عندما تتحول الأوهام إلى عوالم لا يمكن الاستيقاظ منها أو الفكاك من قيودها تصبح جحيما، كذلك تكون حالة الأموات وهم نيام يستيقظون على عوالم لا يستطيعون العودة والرجوع منها، وهو ما حكاه العديد من الناس ممن اقتربوا من تجربة الموت، وأذكر هنا تصريح كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات عندما أجرى عملية على القلب المفتوح وتوقف قلبه لعدة دقائق فرأى وعاش تجربة فريدة حكاها بكل خشوع ورهبة، وهو الرجل اليساري المثقف الحاصل على درجة الدكتوراة من جامعة برادفورد الأمريكية، وليس متصورا فيه الكذب، في الحديث عن تجربته الشخصية، لأن الاموات لا يكذبون وهم يموتون.

ثم ما قيمة هذه الحياة عندما تمر السنين من حياتك وتشيخ وتجد أن الأيام قد مضت وتتسرب من بين يديك، ستجد السراب وأطياف الخيال، حين تشخص الأبصار، ساعة انتهاء الأجيال، التدين والدين هو إجابة مجدية عن هذه التساؤلات الحارقة، ويبقى الموضوع موضوعا فرديا وتجربة خالصة كما قال الفيلسوف الدنماركي سورين كيكجارد. ولعل تجربة إبراهيم بن أدهم عندما ترك ملكه عندما جاء الهاتف ما لهذا خلقت فهام على وجهه في البراري، وكذلك تجربة ذي النون المصري، والعديد من العرفاء والزهاد، يمكن عيش التجربة الدينية، حداثيا، دون التخلي عن الحياة الدنيوية فهذه معبر لتلك.

المصدر:

عن أحمد حضراوي

شاهد أيضاً

قراءة في مداخلة مساعد وزير خارجية أمريكا __ ذ. إبراهيم أتحاش

    تابعت مداخلة مساعد وزير خارجية أمريكا في لقائه الصحفي بعد لقاء بوريطة .. …

اترك تعليقاً