[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

فلاشات على عتبات ديوان “شفاف حتى الهواجس” للشاعر المصري أحمد الخليلي ــ ذ.نجاة شمسان

***مـــدخــــل***:
“شفاف حتى الهواجس”؛ ديوان تنوعت قصائده بين القصيدة العمودية ، قصيدة التفعيلة ، وكذا قصيدة النثر وفقا للدفقة الشعورية لدى الشاعر والرؤية والفكر الذي لابس كل نص.

***وقفة مع الشاعر في ديوانه شفاف***:
الديوان أظهر عدة جوانب من حياة الشاعر و شخصية تكوينه النفسي، فقد رأيناه ذلك المحب الصوفي، وذلك العاشق التّواق للجمال، وذلك المثقل بالهموم والحيرة والمؤثر المتأثر بما حوله، وذلك الذي تسعده أبسط الأشياء وتحزنه أبسطها، وذلك المكبوت، وذلك الشخص صاحب الفكر، والثائر على حال الأمة، وذلك المتوجس من أفكار الغرب، وقد تجلّى هذا في أكثر من نص منها قصيدة “السوسة” وقصيدة “أقسم أني”.
*** إضاءة حول العنوان ***:
/ شفاف حتى الهواجس /
العنوان مركب من الشفافية والهواجس، وهذا يعطي إيحاء مبالغا به من الشفافية التي يسعى إليها الشاعر، فالهواجس هي هواتف تلتمع في الذات كنوع من التفكير أو الحوار أو المكاشفة الذاتية، واقترانها بالشفافية يمنح الشخص مزيدا من النقاء،
فهو شفاف لا يحابي حتى في الهواجس التي تختلج بالنفس، شفاف مع ذاته ومع من حوله.
و رغم أن العنوان هو عنوان إحدى قصائد الديوان إلا أنه مختار بعناية ويمكن إسقاطه على كل نصوص الديوان، فهو عنوان يوحي بكينونة الصلة الوثيقة بين ذات الشاعر وحالته الشعورية، فنجده في كل النصوص التي احتواها الديوان جعل من نفسه تلك الروح الشفافة التي تركت بابها مشرعا على مصراعيه فنفذ من خلاله حالات شعورية مختلفة للمجتمع الذي يعيشه، سواء كان مرتبطا بالبيئة المحلية له، أو بالبيئة العربية والعالمية ككل، فهو يتحدث من خلال هذه الحالات الشعورية التي نفذت إليه واستقرت فيه من خلال روحه الشفافة، والتي هي خارج الحواس المدركة. فقد جعل من ذاته مجرد مستشفّ لما حوله، فجاءت النصوص مثقلة بالهموم و التحسر والرفض العنيف لما يجري، وأيضا مثقلة بالكبت والصراعات الذاتية والانهيارات والتطلعات.

***نظرة عامة حول الديوان***:
تنوع أسلوب القصائد بين الأسلوب الحداثي، والرمز المشفر البعيد عن التعقيد فهو الشاعر المتمرس الذي يُخضع الرمز كيفما شاء، وبين الأسلوب القصصي الشيق الذي جعل من النصوص لوحة تشكيلية ومسرحا للخيال المتحرك في مساحات الذهن،
والأسلوب التقريري الذي من خلاله كان الشاعر يحب أن يوصل فكرة ما لأكبر شريحة؛ فلهذا كان لابد له من البعد عن التعقيد والترميز والتشفير.
أما بالنسبة لذات الشاعر فقد حضرت بصيغة الأنا في بعض القصائد وتوارت في الكثير منها، فنجدها متوارية في “الطفلة وقروشها الخمسة”، في “الخجول” ، في “المجذوب” ،… إلخ. وظهر كراوٍ للأحداث في أكثر من قصيدة، وهذا يعني أن الشاعر قد نأى بنفسه عن الأنانية والنرجسية، وذاب وتماهى مع من يشاركونه العيش على هذا الكوكب من بشر. فهو لم يكن متحدثا باسم البيئة التي يعيش فيها فقط، فقد حمل على عاتقه هموم الإنسان واختلاجاته أينما كان، لأنه لا يستطيع فصل نفسه عمّا يجري ولا يستطيع أن يعيش الجمود والتبلد حيال مشاعر الآخرين. وهذا دلالة على عظمة روح الشاعر وشفافيتها، وتوقها لعالم مثالي شفاف الذات والروح.
***بعض الرموز التي احتواها الديوان ودلالاتها***:
الماء، الخجول، المجذوب، السامري، الريح، الكفن، الشمعدان، الشيطان، الصخر، سم الخياط، القروش، الغيم، القافلة، المركب، الشفق، الدابة، الساقية، الموقد، المطية، الجمجمة، الملح، الطير، الأرغفة، الحرف م؛ هذه الرموز بعمومها ومجملها تعني الحياة، والجمال، والحاجة، والترحال، والصخب، والجمود، والقسوة، والضياع، والتطلع، والجراح، والحزن، والضلالة، والغواية، والإضراب، والخوف، والتشظي، والصفاء، والغياب، والإقبال، والإدبار، والموت على وجه الحياة، والانفعال، والشهوة، والاكتئاب، والضيق، والشوق، والتوق.
ولو أمعنّا النظر بمعاني هذه الرموز لوجدنا معظمها يحتل الجانب العابس للحياة؛ جانب الأوجاع والسوداوية أكثر من معاني السرور والانبساط، وهذا يعني أن الشاعر يحيا حياة مثقلة بما لا يريد، فكان تعبيره والإفصاح عن الرفض العنيف لما يحدث، والحزن العميق الذي يعيشه ويستشفه من حوله.
و ببراعة الشاعر المحترف صاحب الرؤية العميقة وظّف الرموز بما يخدم رؤيته وفكره.
***مكاشفة لبعض الرموز التي احتواها الديوان***:
ــ المـــــاء:

بموجه وأنهاره وشواطئه هو الرمز الطاغي، الذي يكاد لا يخلو نص منه أو مايدل عليه، وهذا الرمز له دلالته وشفافيته
فهو يوحي بأمرين متلازمين:
= الأمر الأول: دلالة الشفافية التي تنفذ من خلالها الأرواح والأنوار و الأشياء.
= الأمر الثاني: هو دلالة الحياة قال تعالى: “وجعلنا من الماء كل شيء حي”؛ وكأن الشاعر يهفو للحياة رغم كل الهموم، وكأنه يسعى لحياة تغمرها الشفافية والصدق والجمال الذي يملأ كيانه ويعشقه. وقد استخدم الشاعر الماء للإيحاء بالحياة و الشفافية و الجمال، كما أنه رمز به لذات الله تناصّاً مع المعنى الذي يقول أن عرش الله مقام على الماء.                                         فنرى هذا الرمز بهذا المعنى قد أتى به الشاعر في قصيدة “أراك”؛ يقول:
أراك
أجملُ من
وجه الماء وجهك
فى الماء
يا سابحاً
يا سابغ العينين
يا لون السماء
أرق برقتين
من الندى
يا زهرتين على
خد المدى
يا قُرتين لمُستهامِِ سرمدا.
تظهر دلالة الماء هنا بمعنى جمال ذات الله من خلال معنى هذه السطور، وقد تأكد هذا المعنى قوله: “يا قرتين لمستهامٍ سرمدا”؛ السرمد دلال الأبدية ولا حبّ يصبغ بصبغة الأبدية إلا حب الله، ويتكشف هذا المعنى بالنزوع الصوفي والإشارات التي احتواها النص، ففي قوله: ( عفواً يا رب الأرباب وصفحاً
أجملُ صُنعك فى رُحماك سما
فما نأيت بمحضي إنما
صعد الفؤد لقمة فارتمى
قالوا بعيدٌ قلتُ كيف وسرّه
بيني وبيني قالوا فسره للبوح
شاء
أجمل من وجه الماء
وجهه فى الماء
لما خلت ربوةِِ فاختبى
ثم اجتلى فاجتبى
عين المُعنَّى قال أدمعي
فقلتُ كان الآن يا عيني
معي)
في هذي السطور يتجلّى النزوع الصوفي والذي يراه الشاعر بأنه ليس بإرادته وإنما بإرادة الفؤاد الذي لا سلطان عليه، ودلّ على هذا قوله: (فما أنا بمحضي إنما صعد الفؤد لقمة فارتمى)
وحين قال: (فائتنس الآن بوشوشة الأصداف
وعاتب كذب الرمل بلطفِِ
واغمض عينيك وسمِّ اللهَ
ونم
فلا خِوَاءك مُفتتح البداية
ولا أوان الإجابة مُنتهاك )
إيحاء بتطلع الشاعر للحقيقة ومكاشفة النفس أمام نفسها لرؤية الحقيقة القائمة في الحياة، والقائمة في المحبوبة التي أشار لها بالنص بعدة إشارات.
فرغم هذا النزوع الصوفي والحنين، ورغم أن هذا النص فيه الكثير من حوار الذات ومكاشفتها أمام نفسها، إلا أن الشاعر قد أتى بما يعرج بالمعنى الإيحائي إلى دلالة المحبوبة؛ ففي قوله ( قلبي أنا يسري
على زمن الهوى
لصباحك الغيَّاثُ
من لهث المساء
فغُصنك الميَّاس
للعينين شاء
أجملُ من وجه الماء
وجهك فى الماء)

عبارة “غصنك الميّاس” دلالة على المحبوبة، كما دلّ على عين المحبوبة قوله: (وكل العالم طوق فؤادي
لا تعلم عنّي عينُك شيئاً )
فالصفة المسندة للعين هنا هي عدم العلم بالحال، وهذه صفة ملتصقة بالبشر لقصور حواسهم وإدراكهم
لأن عين الله تعلم بالحال.
وهذه الدلالات التي أوحت حبا يملأ قلب الشاعر، لكنه يتسامى به إلى الحب الصوفي ويجعله حبيس قلبه.

ــ الـــريـــــح:

دلالة وإيحاء بالاضطراب والقلق و الخوف، والإيحاء بالخواء وانتظار مجهول. وقد أورده الشاعر في أكثر من نص بدلالة
الاضطراب و الخوف؛
مثل قوله: ( لا تُعلن ياوجهي خوفك
من صوت الريح
فحنيني صوتٌ أعلى)
هنا توجيه الحديث للذات الخارجية المتمثلة بالوجه، والوجه المساحة التي ترتسم عليها أولى علامات الخوف. وهنا الشاعر يشد على ذاته بأن لا تخاف من انطلاق حنينه وفؤاده نحو الله كما ورد في سياق النص، وهذا يدل على أن الذات الباطنة للشاعر ممتلئة بالطمأنينة في ما تصبو إليه من شوق، يسمو بها فوق الخوف الذي ارتسم على الذات الخارجية المتمثلة بالجسد والحواس المشاهدة.
أيضا أتت الريح بمعنى مهيجة للألم والجراح في قوله: ( يا ريح في هدب الليالي
أسقطي الملح على الجرح )
هدب الليالي تشبيه بليغ جدا، وكأن الريح معلقة في أهداب متدلية من جفن مغلق، والانغلاق يعني عتمة والعتمة عبّر عنها الشاعر بقوله الليالي، وهذا إشارة أن الجراح والضيق يزداد ألما أثناء الليل وبالأخص إذا كان هناك من يسقط الملح على الجرح والذي أشار له الشاعر بالريح.
فأتت هنا الريح بمعنى من يزيد العذاب تناصا مع قصة الريح التي عذب بها الله قوم عاد، فكانت الفاعل المحرك للعذاب وهنا الشاعر جعلها الفاعل المحرك لسقوط الملح على الجرح ليزداد ألما.
ــ المجــــذوب:

هذا الرمز الذي يدل على من كشف الله عنهم الحجب واصطفاهم بجذبهم له؛ ورود هذا الرمز بقول الشاعر:
( مدد يا صيحة المجذوب
مضى راكب أتى مركوب
مدد مجذوب أنا في الثوب
أنا للذنب أنا للتوب
عاجلي هذا الرحيب فها لحمي
على رحل المغيب غريب)
في هذا المقطع يصور لنا الشاعر مشهدا بعينه، وهو مشهد المجاذيب وصيحتهم وغيابهم عن الوعي وما يقومون به من حركات خارقة للمألوف.  “مضى راكب أتى مركوب” هي عبارة توحي بأمور عدة، فهي إما تصور مشهدا بعينه، وأراد الشاعر وصفه بهذه العبارة. أو أنها توحي كيف أن الأمور مختلطة ومتداخلة في بعضها وأن كل شيء يتبدل حاله فلا ديمومة لحال.
يمكننا أن نسقط هذه العبارة على عبارة أخرى وهي: ” كما تدين تدان “، وتكون عبارة مضى راكب أتى مركوب تناصّا لمعنى هذه العبارة. اليوم أنت تعلو بقدمك على الآخر، غدا سيأتي من هو أقوى وستعلو قدمه عليك، والقدم هنا بمعناها الإيحائي وليس القصد بها المعنى الفعلي.
(مجذوب أنا في الثوب أنا للذنب أنا للتوب)؛ بهذه العبارة دلالة على أن الشاعر متحدث عن نفسه ومجذوب، الذي أراده هنا هو بمعنى الجذب الفكري، فنراه يسعى للثواب فتجذبه الذنوب، ثم يعود للتوب والرجوع إلى الله، وهذا تصوير للصراع الذي يعيشه الشاعر بين تأنيب الضمير وصيحته مدد التي سبقت هذه العبارة تعني أنه يريد الخروج من دائرة التوبة والعودة للذنب، وهكذا فهو يريد أن يصل لتلك المرتبة التي وصل إليها المجاذيب الذين اصطفاهم الله فلم يعد بنفوسهم شيء من الدنيا، ولهذا كانوا أبعد للذنب من ذات الشاعر المتحدثة، والتي تسعى لهذه المرتبة العليا من الصفاء والنقاء.
وفي هذا دلالة على أن الشاعر أولا: يؤمن باجتباء الله للمجاذيب، و بأن لهم كرامات ملموسة في عالمه.
ثانيا : له من الدلالة بأن الشاعر يسعى لهذا الصفاء الذهني والروحي الذي يعيشه المجاذيب، وكأنهم منفصلين عن عالمنا المادي، يعيشون بشفافية مطلقة وهذه الشفافية سعى إليها الشاعر في أكثر من نص.
ــ الجـمـجـمــة :

هي مركز التحكم في وعاء العقل ومركز التفكير والإحساس، وقد أضاف إليها الشاعر الفراغ فجعل لها دلالة معنوية مثقلة بالإيحاءات بقوله:
( والعالم فى عيني
جمجمة فارغة تبدو في حالة ضحك
فالأمرُ لربِِّ بارك حول الحول
وبارك فيَّ )
هذه العبارة التي احتواها نص فيه من النزوع الصوفي ما فيه؛ تصور لنا نظرة الشاعر عندما يكون في حالة روحانية وتعانق مع هوى ذات الإله، يرى العالم مجرد جمجة فارغة، هنا ليس المقصود به الفراغ بمعنى الخلو من كل شيء ولكن الفراغ بمعنى الخلو من الأفكار؛ والحديث هنا عن الأفكار لأن الجمجمة هي المركز الذي به العقل ومحور التحكم، وليس القصد بالأفكار الأفكار الدنيوية بقدر ما هي الأفكار المرتبطة بتحرر الجسد من دونيته ودنيوته، ووصفه لحال الجمجمة بالضحك يدل على ارتباط هذه الجمجمة بالأمور الدنيوية وانشغالها عمّا هو أهم، وهذا تعبير عن رفض الشاعر للواقع المعاش.
وهذا له دلالاته عند الشاعر، فهو يرى بأن فكر هذا العالم الذي يعيشه فكر فارغ، سطحي، هامشي، محدود بالملذات، والماديات الدنيوية، والأنانية المغرقة، بعيدا عن ذلك الصفاء الذي يسعى إليه الشاعر.
ــ السامري و الشيطان :

هما رمز الضلالة والغواية؛ السامري هذا الرمز تناص من حكاية موسى وعجل السامري الذي أخبرنا بها القرآن الكريم،
ويدل على الضلالة والتشبث بها بعيدا عن الحق رغم وضوحه، وهذا يعني ركاكة الفكر الإنساني بالحياد عن الحق واتباع الضلال،
وقد أتى به الشاعر بمعناه الحقيقي وهو دلالة الضلالة في قوله:

( عفواً يا زمناً تنزَّهَ
من يخلط فيك الأشياء
مثلنا ؟
من يغسل عنك حالنا
أهوالنا في سُباتِِ أباحنا
للهواجس في مهب الهوى
حفان من رُفات
فيا حميَّة حطمي قيدك
وهبي أُم المعارك عنقود الأعياد
جنوداً كأنها شُهبٌ تُساير
حنكتها الجياد
واغزلي يا حميَّةُ
أكفان العُراةِ من علقِِ تلبَّد في
العروق وفي العراق فسربلي
ثوباً يكف الناس عن عوراته
وقوّمي عِوجَ المُعلّمِ واسأليهِ
أيُّ سامريٍّ يا مُضناً أضلَّك ؟
أيُّ تدبيرِِ أضرَّك ؟ )
(عفوا يازمنا تنزّه من يخلط فيك الأشياء) نستطيع القول أن هذه العبارة تناص المعنى منه قول الشاعر: نعيب زماننا والعيب فينا… إلخ، ولكن هنا الشاعر أجاد في الصياغة فجعلها بأسلوب الاستفام الذي يدل على التعجب والدهشة، من يخلط فيك الأشياء مثلنا
سبق هذا الاستفهام اعتذار للزمن، وهنا قد خلع الشاعر ببراعة صفة الاستماع للزمن فوجه له الإعتذار والاستفهام الذي لا ينتظر منه الجواب. لأنه أتبع التساؤل بكلمة (مثلنا) فكانت هذه الكلمة تبديد مباشر للتساؤل وفك العقدة. (من يغسل عنك حالنا) هذا إقرار من الشاعر بأن البشر قد لوّثوا الزمن بأفعالهم، فمن عساه ياترى يغسل الزمن من أدران البشر، وقد أوعز الشاعر من يقوم بهذه الأدران قوة متوارية تقف بعيدا تصدر الأدران والضعف و الانفلات بصور مختلفة، ويدلل على هذا قوله: (فيا حميّة حطمي قيدك)؛ وهنا دعوة للتحرر من هذا الفكر الاستعماري الذي نرزح تحته ونسلم له رقابنا بإرادتنا، وهو ينادي الحميّة بداخل الشعوب العربية والإسلامية أن تنتفض وتثور على هذه الأفكار، فيقول بموقع آخر: ( فاغزلي يا حميّة أكفان العراة… )، ويتابع ( فسربلي ثوبا يكف الناس عن عواراته )؛ بإمكاننا اعتبار هذه ثورة واحتجاج ورفض الواقع، ويدعو الشاعر فيها الحميّة بأن تثور لهذا التعري والتفسخ الذي نعيشه، وهنا كان المقصود بالعراة ليس التعري فقط بمعناه المفهوم، بل هي ثورة شاملة على عري الفكر والأخلاق، والانحلال، والانقياد المهين لأفكار لا تشبهنا وتتناقض مع حميّتنا العربية والدينية. والثوب الذي قصده الشاعر بقوله: (فسربلي ثوبا يكف الناس عن عوراته) قصد بالثوب بكافة أبعاده الدلالية، فالثوب دلالة الستر الذي هو عكس العري، وقد استخدمه الشاعر بما يوحي به كغطاء يستر الجسد، وهذا يعني رفض الشاعر لمظاهر التعري الجسدي الذي يعج به المجتمع ودل على هذا المعنى قوله: (سربلي).
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى قصد به منطق العقل والابتعاد عن العري الفكري، والانقياد للاستعمار الفكري الذي يصل إلينا بصور مختلفة، ويدل على هذا قوله: ( وقوّمي عوج المعلم واسأليه أي سامري أضلّك وأي تدبير أضرك )؛ في هذه العبارة إشارة إلى العري الفكري الإمعة، و إشارة إلى أن هناك من يحاول تضليلنا، وقد دل على هذا هو كلمة (السامري) التي تدل على فعل الضلالة من قبل قوة مدبرة مضلة لنا ونحن سلّمنا لها عقولنا.
التساؤل الذي أورده الشاعر في هذه العبارة هو تساؤل العارف، ولكنه كان كلفت الانتباه للآخرين بأن هناك قوة تحاول تضليلنا، وورود كلمة المعلم دلالة على أن الفكر الضال لم يقع فريسته الناس العادية، ولكن حتى الطبقة العليا المثقفة والتي بيدها مفاتيح الحكم وأمور البلد، والتي هي الطبقة القدوة من تحمل على عاتقها الأخذ بيد الطبقات الأخرى.
ــ الطــيــــر :

هذا الرمز له عدة إيحاءات؛ منها الترحال، وعدم الاستقرار، كذلك يرمز كثيرا إلى التطلع والسمو، وكسر جميع القيود، والتحليق بالفكر. وقد أورده الشاعر بعدة إيحاءات مختلفة، وكان أكثرها التطلع، والانطلاق نحو الفضاء الروحي الرحب.
وأروده أيضا بمعنى الروح المحلقة في حب الله، تلك التي تمنح النفس الفرح والصفاء، وقد أسند هذا الطير إلى نفسه مما يدل على مخاطبته روحه المعانقة لذات الإله، والتي هي نفسها روح الله الشفافة، ويبرز هذا بقوله:
( يا طيري
لا تسكن محراباً غيري
لا تخش الفاقة واسكب كل
مراهمك على جرحي
ذوبني في أنهارك
وأذقني فرحي )

المحراب هنا يمكننا إسقاطها على الجسد المكون للإنسان، وكأن الشاعر يخاطب روح الله التي تمثلت في روحه الشفافة المتماهية حتى أصبح لديها من شفافية الله ما يجعلها تمنح الراحة والفرح للإحساس الجسدي، ولهذا هو يناجيها بأن لا تسكن إلا جسده.  وما يدلل ويوضح هذا الإيحاء أكثر هو قوله:
( طيري مزقني
ولتبنِ أعشاشك مني
فاسكُنّي حتى أُفنى في ريشك )
بدا هنا المعنى أوضح بأن الطير هو روح الله والتي يتدثر بها الشاعر عن طريق حبّه لله.  (فاسكنّي حتى أفنى) متوجها بالخطاب إلى الطير والذي تمثل بروح الله، فلا يسكن الجسد حتى يفنى إلا الروح، وهنا أراد الشاعر أن تكون تلك الروح التي فيها من شفافية الله ما يمكنها منح الجسد السعادة، وهي تلك الروح المتمرغة بحب الله.
ويؤسفني بأنّ المجال لا يتسع للوقوف عند كل كلمة وإثراءها بما توحي إليه.
ــ المطــيـــة:

وهي رمز ما يمتطى به، ولهذا الرمز جانبان؛ الأول : إشارة إلى علو مقام الإنسان وتذليل الله عز وجل له ما يعينه في الحياة، وكذلك له إشارة لعلو فكر الإنسان الذي ذلل الكثير من الصعوبات.
الجانب الثاني : جانب الترحال والتنقل المكاني.

ــ الخجــــول:

هذا الرمز له من الدلالات النفسية والذاتية والاضطرابية التي قد تصل إلى حد المرض النفسي، ولكن الشاعر قد أتى به ليعبر به عن الحياء الذي هو صفة ملازمة للكثير من الأشخاص من بعض الأمور، وقد جاء هذا الرمز في نص “الموقد وشهوة الموز”، لهذا سأربط المعنى الدلالي من خلال رمز الموقد في هذا النص.
ــ المـــوقــــد:

هذا الرمز الذي يدل على تأجج الحرارة واستمراريتها؛ فهو إيحاء بشدة الانفعالات التي قد تخرج عن السيطرة الإدراكية، وقد أورد الشاعر هذا الرمز في محتوى نصوصه، وأورده كعنوان لأحد النصوص، وأقرنه بشهوة الموز: (الموقد وشهوة الموز). فكان دلالة على انفعالات بيولوجية شديدة يكاشف بها الشاعر ذاته، ويطفو بها إلى السطح كمحاولة منه لتبريرٍ ما، و محاولة منه لوأد مشاعر ما بداخله. ويوضح من خلال ارتباط هذا الموقد بالخجول مدى الصراع الرهيب الذي جرى في مساحات الذات لدى الخجول، ولكن رغم محاولة الوأد كان هناك من يشعل الموقد ويرفده بالحطب ليزيد الاشتعال حتى خرجت الانفعالات عن السيطرة الإدراكية وانطلقت بثورتها.
هذا الموضوغ الشائك الذي قد طرقه الشاعر بشكل خجول، وبطريقة رمزية نوعا ما تخرجه من دائرة التقرير المباشر المبتذل، ويعتبر هذا الموضوع من الثالوث الذي تحرّم الكثير من المجتمعات التحدث عنه؛ ثالوث: ( الدين – السياسة – الجنس )،يقول الشاعر:

( خجولاً حدّثَ النفس مُجترئاً
على بُعدِِ يموت ويقضي
لحظة ويموت )

في هذه العبارات إيحاء بالصراع الشديد الذي يجري في مساحة النفس وبالأخص عند هذا الخجول الذي يخجل من الإفصاح عن مشاعره المكبوتة التي تطفو، هو خجول حتى من نفسه لطفو هذه المشاعر على السطح، لكن هناك ما يبررها إنها الحاجة، والتي أوردها الشاعر أكثر من مرة كنوعٍ من التبرير لنفسه أولا وللآخرين ثانيا، ويتجلّى هذا التبرير في قوله: (حييّ لكنها الحاجة) هنا توضيح بأن كسْره لهذا الخجل والخروج من دائرة الكبت كان سببها الحاجة، وهذه الحاجة البيولوجية يعتبرها الشاعر مبررا لكسر الخجل والحياء، وخصوصا إذا كان هناك حطب يوقد موقد الانفعالات ويشعلها، وقد أشار الشاعر إلى هذا الحطب الذي يشعل انفعالاته التي هي ذاتها انفعالات الخجول بقوله:
( وهذا شأن الفاتنات على الأسرَّة يفترسنك)
هنا يعلل السبب الذي أشعل الحاجة التي كانت مبرره في أكثر من عبارة، وهو الفاتنات اللاتي يضعف أمام رؤيتهن وكانت النتيجة كسر الخجول أسوار الخجل والاندفاع بقوة خلف شهواته، وما يدلل على كسر الأسوار هو ورود الفعل الماضي “كان” في قوله:     ( كان خجولاً لكنها الحاجة
احتدم الأمر ونادته الأحضان )
وهذا دلالة على انتفاء الخجل والاندفاع خلف الشهوة، ولكن الشاعر هنا يبررها بالحاجة ليريح ضميره وضمير ذلك الخجول بإيجاد مبرر لهذا الاندفاع.
ــ سم الخياط :

هذا الرمز الذي أتى تناصا مع قوله تعالى: “حتى يلج الجمل في سم الخياط “، ولهذا الرمز إيحاء بالضيق بمعناه المعنوي والمرتبط بالنفس و ضيق الحال، وله إيحاء حجمي بمعنى ضيق المساحة وهذا المعنى هو الذي جاء به القرآن الكريم، وقد اتخذه الشاعر عنوانا لأحد قصائده وهي: (سم الخياط رحابة!)؛ كلمة رحابة ضد لسم الخياط . وترافق الكلمة وضدها بعنوان النص له دلالته التي نكشفها من خلال قول الشاعر:

( صعبٌ أنْ تسأل
وألاَّ تسأل أصعب
ماذا عن ذاك القلب
المُتْعَب فى ذاك القفص
المُتْعِب )

“ماذا عن ذاك القلب المتعب” في هذه العبارة توفر البعد النفسي لرمز سم الخياط بمعنى ضيق الحال والقلب.                         “في ذاك القفص المتعب” في هذه العبارة توفر بعد المساحة، وترافق الدلالة بمعناها النفسي والحجمي إشارة إلى أن الشاعر قد بلغ مبلغا من ضيق الحال والنفس جعله يشعر بضيق المكان مهما كان رحبا، في هذا النص ظهر الشاعر فيه كراوٍ وكمتحدث عن ذاته، ولكن السمة التي رافقت النص والجوى النفسي يجعلنا نستشف ذات الشاعر المتحدثة أكثر من الراوية، وكأن هذا النص نوع من التشجيع الذاتي والتطمين الذاتي بأن ما هذا الضيق في الدنيا إلا رحابة فيما بعد. ومن هنا جاء ترافق الكلمة وضدها عنوانا لهذا النص، ونستطيع إسقاط عبارة: ( المؤمن مبتلى ) على هذا النص، فنرى الشاعر يبرر ويطمئن ذاته بأن هذا الضيق ما هو إلا بداية البداية التي لا ينتهي نعيمها، وقد دل على هذا قوله:

( يحارُ القلب العصفور
يدور حذاء السور الدائر
للقصر المحفور فى قمم المُزن
المُتنامي
يقطن أعلاه الغيد الحور
والولدان المنثورون شموساً في أحداق
عيون المتكئين
يقامر كي يتساوى يصعد كي يتهاوى
عند ائتلاق الأُفق
بهالات الشفق
يجتث شجيرات نعيم رجيم
يتفيأ تحت لظاها المترفون
لا يبالون يرزحون في ذوق عديم
لكنه حالٌ لا يدوم )

في هذه السطور نجد أن الشاعر تحدث عن معنى الرحابة التي تلت ضيق سم الخياط، متمثلا الرحابة بالنعيم والقصور والولدان المنثورون، لكن في السطور التالية لهذه الرحابة أوضح المعنى بترتيب العنوان كالتالي “في الرحابة سم الخياط” ، وهذا جلي في تصويره لمن يعيشون في رحابة الدنيا أن حالهم لن يدوم بهذه الرحابة، دلّ على تبدل الحال عبارات مثل: نعيم رجيم ، لظاها المترفون ، ذوق عديم ، حال لايدوم . لا يزكي هنا الشاعر أحدا، ولا يحكم بما سيؤول إليه المترف أو الفقير في الآخرة، ولكن الشاعر بهذه المقارنة يطمئن ذاته ويبعث فيها الأمل ويشد على يديها بأن تصبر، فهناك نعيم ينتظرها وألاّ تنظر للمترفين بأنهم في نعيم، فحالهم لن يدوم.
ــ الشمعدان :
في أغلب استخدامات هذا الرمز يكون رمز الأجواء الرومانسية ولحظات السعادة، وقد أتى به الشاعر بهذا المعنى من خلال نص بعنوان: (في وحشتي قلب)؛ والقلب هنا تعبير عن الحبّ الذي يتوق له الشاعر، والمحبوبة التي تسكن خياله؛
( وكم تنقّل في ربيع
الحب قلبي)
بهذه العبارة إشارة إلى أن قلب الشاعر كفراشة تحطّ على الزهرات، وهذا يدلل على أن قلبه قد امتلأ بالكثير من قصص الحب التي عاشها. وقوله:
( حتى أهلّ في مستهّل اليأس
وجه عروس تباهى الحسن
في مُحيَّاها
تقارب من تلك العشية
عزها نحوي ثم ارتحل
كمساء ناوب السهد ابتداء
وغام الليل فتلاشى في شهوة العرس
ضوء الشمعدان )
نجد هنا استخدام رمز الشمعدان في ما هو مألوف له وهو أجواء الحب، وهذا المعنى يعكس لنا مدى توق الشاعر وأشواقه لمحبوبة، ولحظات سعادة تسكن خياله. وقد أفصح عن هذا صراحة بعيدا عن الحب والتوق المتسامي لمرتبة الحب المتصوف،
وبهذل يتكشف لنا جانب من ذات الشاعر وهي تلك الذات الحالمة الرومانسية الرقيقة.
ــ الأرغفة والقروش:
رمزان منفصلان ولكنهما دليل الحاجة والفاقة، لارتباطهما الوثيق بطبقة الفقراء. فالرغيف هو مطلب الفقير ليسد جوعه، وهو ما يكد بعرقه لأجله، والقروش هي تعني المال ولكن المال الذي لا يُسد به حاجة، فطبقة الأغنياء لا يعرفون من قيمة القروش شيئا، ولكن الفقراء من يرون القروش شيئا كثيرا وخصوصا إذا امتلك هذه القروش الأطفال.
وقد أتي الشاعر بالقروش تزامنا مع الطفلة في عنوان لإحدى نصوصه: ( الطفلة والقروش الخمسة )؛ هذا العنون يوحي بعظمة هذه القروش القليلة بعيون الطفلة وكيف أنها حلم يراودها.
في هذا النص ظهر الشاعر كراوٍ ينقل لنا مشهد الطفلة، وينقل لنا هواجسه ومشاعره التي امتلأ بها في هذه المشاهد المؤثرة للطفلة وفرحتها العارمة بالقروش الخمسة. ولكن أيضا ذابت ذات الشاعر بذات الطفلة وظهر من خلالها متحدثا بعيدا عن الراوي
في قوله:

( دقات فؤاد الطفلة تمنح
فئة الخمسة في يدها إجلالاً
تحت معاييرِِ تختص بعالمها الرحب )
إشارة إلى أن القروش الخمسة لا تعني شيئا يكاد يذكر، ولكن فرحة الطفلة بها منحت القروش عظمة وسط عالم الطفلة الرحب.
وكأن الشاعر قلبه منخلع حزنا على هذه الطفلة التي ترى القروش الخمسة شيئا كثيرا بسبب حرمانها والفاقة التي تعيش بها، فالشاعر يتحسر من خلال هذا النص على هذه الطبقة التي تعيش العوز والفقر، وينقم على أولئك الأغنياء الذين لايشعرون بمشاعر هذه الطبقة، ودل على هذا قوله:
( فالويلُ لمن عاش سعيداً بين
المكتئبين ومات )
في هذا النص رغم أن الشاعر يقف فيه موقف الراوي للأحداث لكن الحقيقة هو ذات الطفلة، هو مشاعرها، هو يتحدث بمشاعره هو، ويصف مايدور في خلجات نفسه، ولكن عن طريق التواري خلف الراوي وخلف الطفلة نفسها، ويدل على هذا قوله:              ( ما أتفه شأنُك دون الفرحة يا خمسة
أيُهما أصعب أنْ أتمنى الفرحة أو أطمح أنْ أرجع طفلة ؟)                                                                                               ظهر الشاعر هنا بذاته المتوارية خلف الطفلة بعد أن كبرت ولم تعد تشكل القروش الخمسة تلك الفرحة، فقد ظلت القروش كما هي لم تتبدل، ولكن شعور الفتاة واتساع فضاء متطلباتها جعل من القروش لا تعني لها شيئا ولم تعد تسعدها. والتساؤل هنا إشارة بأن الحصول على الفرحة أصعب في وقتنا الحاضر من معجزة العودة إلى مرحلة الطفولة.
ــ الحرف ال م :
هذا الرمز هو أحد حروف الهجاء، ولكنه كثيرا ما يوحي بالألم أو الحلم. والشاعر هنا قد أورده بمعنى الحلم ( الرؤيا )، ولكن اختياره لحرف الميم فقط من كلمة الحلم وهو الحرف الأخير من هذه الكلمة، يمنح النص الكثير من الإيحاءات واحتمالات المعنى وتعدد زوايا الفهم. فبإمكاننا إسقاط هذا الحرف (م) على بعض التفسيرات كالتالي :
أولا المعنى المرتبط بالأمنيات:
يدل على أن كل السبل والطرق التي ستؤدي لتحقيق الحلم والوصول إلى نهايته قد تكسرت وتحطمت، فليس من سبيل للوصول إلى نهاية الحلم، ورغم أن الشاعر بطريقة احترافية يسرد هذه التفاصيل على هيئة رؤيا راودته في النوم.  فيمكننا التفسير كالتالي: من مجموعة الأحلام لم يتبقَ إلا حرف الميم بعدما تلاشت كل الأحرف السابقة له، والتي هي دلالة العبور للوصول إلى تحقيق الحلم، و عبارة (سرّ النحوين) يمكننا إسقاطها على هذا الاعتبار كالتالي: لم يتبقَ من الحلم إلا مجرد حرف هجائي، وكأن الأحلام ظلت حبرا على ورق لم ترَ النور.
الإسقاط الأخر لرمز الحرف (م) هو دلالة الحلم بمعنى الرؤيا، وهذا الإسقاط هو الأقرب إلى الترجمة الحرفية للسطور التالية عن الترجمة المعنوية غير الظاهرة كما سبق بمعنى الأمنية:
( ذاك الحرف ال م
من الحُلم الطويل
يمد ذلك المجهول ذراعاً
يمنحني حرفاً
ويُقبلُ أنفي قُبلة سرّ النحويين
يظل الحلم يرتّل أغنية الإيمان
المسفوحة فوق رمال سجايا البشرية
أرقد علّي أُمنَحه ثانية ذاك الحرف
تعاودني كل الأحلام إلاَّ حُلمي
أنساه )

هذه السطور لها من دلالتها الإيحائية الواعية واللاواعية الشيء الكثير، ففيها من برق اللاوعي الذي التمع بذهن الشاعر كرؤيا، نستطيع أن نتوقع بأن الشاعر أراد بها رؤيا من رؤى كشف الحجب، وبالأخص إذا ربطنا هذا النص بذات الشاعر ككل، تلك الذات التي تجلّى بها النزوع الصوفي في عدة نصوص وعدة أوجه، بحيث يشير لنا الشاعر بهذه الأسطر أنه تراوده بعض الكرامات من خلال الرؤى، ولكن قد يكون هناك من يشوش على ذاته اللاواعية في الحلم فلا يستطيع الحلم العبور إلى الذات الواعية والذاكرة القريبة ليتذكر هذه الرؤيا. ويمكننا إسقاط هذه السطور من خلال ما احتوته من رموز كالتالي : المجهول يعني الوحي الذي أتاه بالرؤيا، ولكن ذات الشاعر لم تستطع تميزه فرمز له بالمجهول، وقد مد ذراعه هذا المجهول ومنحه حرف الميم وقبله قبلة على أنفه، والأنف يشير إلى حاسة بعيدة عن حواس الإدراك والتذكر، وبهذا نستطيع أن نوعز نسيان الحلم بأن القبلة لم تكن على الجبين لأن مقدمة الجبين هو مركز التذكر الدائم، كما يمكن أن يكون نسيان الحلم إشارة متعمدة من الشاعر ليوحي لنا بأنه ينسى نفسه لأجل الآخرين، فهو مثقل بالآخرين أكثر من نفسه، وبهكذا يكون الشاعر قد نأى بنفسه عن الأنانية. وهذا المعنى والتفسير المتعمد للنسيان يشير إليه قوله: ( كل ذوات المحرومين ذاتي ).
(السرّ)؛ إشارة لرفع الحجب، ونوع من الكرامة التي يمنحها الله عندما يكشف الحجاب لبعض من عبيده عن طريق الرؤيا. يظل الحلم يرتل أغنية الإيمان بهذا، إشارة من الشاعر أن الرؤى والكرامات لا تمنح إلا لمن احتل قلبه الإيمان بشكل أكبر، وهو يرى بنفسه مهيأ لأن يكون صاحب كرامات، ولكنه يشير إلى هذا بتلميحات قليلة وذلك لعدة أسباب، ويخبرنا الشاعر بأنه حاول أن يعيد الحرف لذاك المجهول لكنه لم يستطع، وهذا دلالة واضحة بأن الرؤى المرتبطة بكشف الحجاب لا تأتي بطريقة متعمدة بل هي اصطفاء الله لبعض عبيده، (تعاودني كل الأحلام إلا حلمي) وربما في هذا إشارة بأنه تذكر كل الرؤى التي سمع عنها أو قرأ عنها إلا حلمه لم يتذكره، وهذا إشارة بأن هناك من الحواجز والأشياء المتعلقة بالدنيا تحجب عن الشاعر الرؤيا والوصول بها إلى كشف الحجاب والاصطفاء .

عن نصر سيوب

شاهد أيضاً

رواية “بعيداً.. عن السّماء” للروائية جمالات عبد اللطيف __ هناء عبيد

  صدرت رواية “بعيداً عن السّماء” للروائية جمالات عبد اللطيف عن دار شعلة الإبداع للطباعة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.