[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

عود على بدء _ إدريس البيض

عود على بدء – قصة قصيرة –

كان الجو عاصفا جدا، والأمطار تهطل بغزارة. لم أجد بدا من أن أهش على غنمي، وأدفعها للجوء لأقرب مغارة هنا في سفح جبل الهاوية، متحديا كل مخاوفي التي يستثيرها مجرد التفكير في الكم الهائل من الخرافات والأساطير التي يتناقلها البدويون هنا، رواية عن آبائهم وأجدادهم، حول حضارة كانت هنا لقرون قبل أن تبتلعها الهاوية. حضارة أجدادنا الأوائل، الذين يقال والعهدة على الراوي أنهم استطاعوا الطيران !!؟؟ كيف ذلك؟ لا أحد يعلم.
شخصيا لا أؤمن بهذه الأساطير والخرافات، لكنني أتظاهر أمام زعيم القبيلة بالاعتزاز كلما تحدث بفخر عن مجد الأجداد. لا أستطيع أن أتصور كيف لبشر أن يمتلك جناحين يحلق بهما، وكيف لي أن أتخيل سربا مكونا من طيور بشرية تزاحم أسراب اللقالق و البجعات في علياء السماء، أمر سخيف حقا، أمر سخيف. لا أراها إلا تهيؤات أجداد، لربما أدمنوا نوعا من الأعشاب الجبلية التي تلعب بالعقول وتسرح بالخيال بعيدا عن أرض الواقع الصلبة القاسية.
دفعت بخرافي إلى أقرب مغارة متجنبا السيول الجارفة والصخور المنجرفة من أعلى الجبل، حال دخولها هناك انزوت في ركن منها مشكلة كتلة واحدة متراصة يدفئ بعضها بعضا. عند المدخل اتكأت على صخرة أرقب خرافي وأحرسها من الحيوانات المفترسة التي قد تلجأ هي أيضا إلى هنا تجنبا للعاصفة.
لفترة من الزمن استطعت مقاومة نعاس بدأ يتسلل إلى جفوني شيئا فشيئا، لكن ذلك لم يدم طويلا فاستسلمت بسبب الإرهاق الكبير. لم توقظني من نومتي سوى الجلبة التي أحدثتها خراف دوموزي الراعي زميلي في المهنة وصديقي منذ الطفولة.
– كيف هو الحال في الوادي ؟
– السيول عظيمة، لا أظننا نستطيع العودة الليلة إلى القرية.
– إذا نبيت هنا، وفي الغد نغادر مع شروق الشمس.
– حسنا.
أخرج دوموزي حجرين وبعض القش اليابس من جرابه الجلدي، أخذ يصدمهما معا، وماهي إلا لحظات وقد اشتعلت النار، فقمنا بتغذيتها بما وجدناه حولنا من أغصان وأوراق شجر جافة. كانت النار الموقدة عند المدخل تنير أركان الكهف وتبث الدفء في أرجائه، نظرت مليا إلى اللهب المتقد قبل أن أتوجه إلى دوموزي بالحديث.
– أعلم أنك تخدم زعيم القبيلة، وقد سمعت أنه يروي لكم الكثير من القصص حول الحضارة المدفونة في الهاوية، مارأيك أن تحكي لي شيئا من ذلك؟ على الأقل إلى أن نستغرق في النوم.
– يبدو أنك تحب سماع الأساطير كثيرا، حسنا. هي أمور لايصدقها عقل، لكن لابأس. بالأمس قال لنا إن أجدادنا كانوا قادرين على التحدث مع بعضهم البعض ولو فصلت بينهم الجبال والبحار !
– يا إلهي! أيعقل هذا؟ هذا جنون.
– وكيف انتهت حضارتهم؟
– ألن تتوقف عن طرح الأسئلة؟
– أجبني عن هذا فقط، ولن أسألك بعدها أبدا.
– يقول لربما قتل بعضهم بعضا بسبب الجوع الذي أصابهم بعد سنوات قحط، وقد يكون أصابهم مرض أو وباء فتك بهم… وقد تكون تلك الأسباب مجتمعة وأخرى لا ندري ما هي.
– أتعلم ياصديقي، أعتقد أن من اختلق هذه الخرافات ذو خيال واسع جدا، بقي له فقط أن يقول أن الأجداد قد صعدوا القمر.
ابتسم دوموزي وأغمض عينيه وغط في نوم عميق، وماهي إلا لحظات حتى لحقت به، وأنا أحلم بأنني أحلق بجناحين كبيرين جيئة وذهابا فوق أرض سومر.

عن نصر سيوب

شاهد أيضاً

حشرجة شوق __ الشاعر أحمد الخليلي

  “حشرجة شوق” : الغبارالكثيف على خيوط العنكبوت المتعملقة على عسبان النخيل، وأغصان السنط، وأعواد …

اترك تعليقاً