[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

على طريقة المغول والتتار ومحاكم التفتيش، صحفي مغربي يطالب المحكمة البلجيكية بإحراق كتاب عن سيرته الذاتية كتبه أحمد حضراوي

 

عندما يضع كاتب نصب عينيه موضوعا معينا سواء كان شخصية أو حدثا، أو مجرد نسج خيال، فإنه لا يفكر إلا في إتمام عمله “الكتابي” ونشره وتوزيعه، بغض النظر عن علاقته بالشخص موضوع كتابه إن كان هو موضوعه، وسواء تناوله بشكل إيجابي أو سلبي.

لدينا تجارب في العالم الإنساني والعالم العربي خاصة مع السلطة “غير الديموقراطية” التي حاولت منع كتب كتّاب ومفكرين من مواطنيها وغير مواطنيها، لكن سبب  منعها لها أو محاولتها في ذلك كانت هي السبب الرئيسي في انتشارها. ومثالا  على ذلك كتب سيد قطب التي حاولت سلطات مصر منعها في مصر بعد وقبل إعدام صاحبها، فكان منع كتبه وإعدام سيد قطب هما سبب انتشار كتبه تلك، ذلك أنه ما ذكر موضوع الكتابة والفكر في مصر إلا وقفز اسم سيد قطب أولا رغم السنوات التي تفصلنا عن تاريخ إعدامه، بل وما زالت معظم الحركات الإسلامية -حتى تلك التي أعلنت ظاهرا قطيعتها التامة معه- تقتات على فكره وتصوراته.

مثال آخر يخص الكاتب والكتاب وهذه المرة في فرنسا، فكلنا يعرف أو سمع بقصة الصحفي الفرنسي (Gilles Perrault) الذي أصدر كتابا عن الملك الراحل الحسن الثاني تحت عنوان “صديقنا الملك”، ومع عدم اتفاقي مع محتوى الكتاب والسياق الذي صدر فيه، إلا أن ما يهمني هنا هو عدم استطاعة المغرب بكل عظمته وديبلوماسيته وجيشه من المحامين والقانونيين منع إصدار ونشر وتوزيع الكتاب، بل كل ما فعلوه أن أعطوه شهرة ما كان ينتظرها صاحبه. وذلك بكل بساطة لأن فرنسا تؤمن بحرية الأفراد في التعبير عن الرأي على سوء هذه الحرية أحيانا، ووقوف فرنسا إلى جانب رسام أساء للنبي صلى الله عليه وسلم وأساء لكل المسلمين.

نفس الشيء بالنسبة لبلجيكا التي تتوسط العالم الأوروبي والتي تعتبر عاصمتها بروكسل عاصمة لأوروبا بأكملها، ولا يعتبر قانونها المتعلق بالتأليف والتعبير والطبع والنشر استثناء خاصة إذا استكمل جوانبه القانونية، وبأي لغة كانت. وحين يصدر كاتب يحمل جنسية البلد سواء كانت جنسية أصلية أو مكتسبة، فإن حقوقه الفكرية وإنتاجه الذهني يعتبر بالضرورة قيمة مقدسة في مفهوم الحرية الأوروبي، وبالتالي تهديده من طرف أشخاص أو جماعات أو هيئات بالحجز على كتبه والحجر على أفكاره يعتبر ليس فقط جريمة يعاقب عليها القانون البلجيكي بل عيبا، وبالتالي تنظر المحكمة عادة إلى من تسول له نفسه برفع مثل هذه الدعاوى بعين الاحتقار.

أما أكبر الموبقات فهي حين يزعم شخص ما بأنه رفع عليك دعوى قضائية يطالب فيها المحكمة (وأقصد المحكمة البلجيكية) ليس فقط بمنع كتابك أو الحجر عليه بل وإحراقه. أي استعمال النار في إعدام الفكر، جاهلا كل الجهل بالوجدان الأوروبي (رغم إقامته الطويلة في بلجيكا)، وكان يفترض فيه أن يتشبع بالقيم الأوروبية، لا أن يبقى استثناء ويكرر الأخطاء والتجاوزات نفسها التي قضت على حياته الصحفية المهنية ووضعته على الرف إلى الأبد.

إن الحديث عن “إحراق الكتاب” ونقصد هنا تحديدا كتاب “30 سنة في القناة المغربية الأولى”، والذي من المفارقات العجيبة أن الشاعر والكاتب المغربي أحمد حضراوي قام بتأليفه لتبييض وجه هذا الصحفي بعد نكسته الإعلامية وبعد الجرائم التي قال فيها القضاء المغربي كلمته فيما يعرف بقضية رميد: “الوكالة الوطنية للتأمين الصحي”، القضية التي حُكم عليه فيها بالسجن النافد (6 أشهر) لجرائم عدة اقترفها، منها الفساد والابتزاز والرشوة وغيرها، إلى جانب شريكه في الجريمة حازم الجيلالي (عامين سجن منها 10 أشهر نافدة) واللذين يكفي كتابة اسمهما في محركات البحث لاكتشاف بشاعة ما اقتراه من جرم، لم تكتف وحدها المواقع المغربية بالكتابة عنه، بل تجاوزتها إلى منابر عالمية، مما جعل فضيحتهما تكتسب الصبغة العالمية بدورها.

إن حديث مصطفى الأبيض عن إحراق كتاب “30 سنة في القناة المغربية الأولى” يتناقض تماما كما قلت مع الوعي الداخلي للأوروبيين، ويمس حقبا تاريخية يريد طيها ونسيانها بالمرة، بل ويعتبرونها من الهمجية التي تبرؤوا منها وقطعوا معها القطيعة التامة، منذ إحراق كتب ابن رشد -التي اقترفها من كانوا يحسبون على الإسلام- وإحراق الكتب العلمية الذي قامت به الكنيسة في حق العلماء الذين ثاروا على فكرها المنحرف وسلطة رجال الدين في عصور الظلام، وصولا إلى إحراق الأشخاص أحياء كما حصل مع محاكم التفتيش الإسبانية ضد المسلمين، أو إحراق المسيحيين بدعوى تلبسهم بالشيطان، أو بعد توجيه تهم السحر إليهم.

لن نسأل عن عجز صحفي اشتغل كما يزعم لـ30 سنة خلف الأضواء عن كتابة سيرته الذاتية بنفسه، إذ تكفي متابعة منشوراته على صفحته على الفيسبوك لاكتشاف مستواه المتواضع جدا سواء تعلق الأمر بلغته الأم (العربية) أو لغته الفرنسية. ولن نسأل عن مدة بقائه في وظيفته رغم مستواه الهزيل الذي يؤكده كل مرة، ولن نبحث في الوساطات التي أوصلته إلى منصبه ذلك في حين أن المغرب ولاّد بالكفاءات التي كان يمكن أن تؤدي مهمته على أفضل وجه وبأقل تكلفة.

لكن السؤال المحير فعلا هو: كيف يمكن اعتبار شخص ما يزعم أنه اشتغل في المجال الصحفي لمدة 30 سنة، مهنة الصحافة التي يفترض في من يمتهنها شروط عدة أهمها الإيمان بحرية الفكر والتعبير والكتابة وحق إبداء الرأي والرأي المخالف، أن يتحول فجأة إلى جينكيز خان ويأمر بإحراق كتاب أحمد حضراوي  كما أحرق قائد التتار مكتبة بغداد، وتماما كما فعل المستنجد في فترة أخرى حين أمر بإحراق جميع كتب ابن سينا وإخوان الصفا الفلسفية؟

 

عن إدارة الموقع

عن Diwane Magazine

شاهد أيضاً

رحيل نحو الأمل __ الشاعر زيد الطهراوي

“رحيل نحو الأمل” : إن الصداقات قد باتت مولية والقلب أمسى يتيماً فارغا قلقا الشعر …

اترك تعليقاً