الأربعاء , يناير 20 2021

علاقة “مائة عام” بنهضة الأمة من سباتها – د. مولاي المهدي جواني

سلسلة مولاي المهدي الاستدراكية التفسيرية:
بيني وبين الشيخ العلامة الإمام المفكر الفقيه المفسر أبو الحسن علي الحسيني الندوي رحمه الله، وذلك في الكشف عن مقاصد الآيات الكريمات واستنباط حكمة ورود القصة في القرآن العظيم.
عنوان السلسلة :
علاقة “مائة عام” بنهضة الأمة من سباتها قراءة نقدية تحليلية استدراكية في تفسير العلامة النّدوي في كتابه العظيم تأمّلات في القرآن الكريم.
يقول الله تعالى في محكم كتابه الكريم :
” أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”.
استنبط العالم الجليل أبو الحسن علي الحسيني الندوي من ثنايا هذه الآية العظيمة أمرا عجيبا وغريبا يتمثَّل في أن الله تعالى كما أحيا نبيه الكريم -في بعض الروايات هو “حزقيال” أي أُنْس الله بالعبرية القديمة ” -وأحيا له حماره وحافظ على طعامه وقوته فكذلك هو قادر سبحانه من باب أولى أن يحيي موات هذه الأمة الغالية لديه والتي عاشت سباتا قاتلا وسيكون هذا الإحياء لها بعد أن تعيش سباتها لمدة مائة عام لا تتجاوزها وهي نفس مدة سبات نبيّ الله الذي ذُكرت قصته في الآية الكريمة .
المقاصد والدلالات البلاغية الغميسة للتفسير النّدوي :
بعد تعرّفنا على تفسير الآية من منظور عالمنا الندوي يمكن أن أستنبط ما يلي :
إن تفسيره هذا يمكن أن يعني أن الله تعالى حدّد مبادئ عظيمة في هذه القصة الإحيائية التي سيقت لا لغرض الإمتاع القصصي الأدبي بل هي في مقاصدها تعلن بجلاء أن القصة القرآنية تؤسس لقوانين حياتية ونواميس اجتماعية وعقدية ما لا تقدر على بسطه مجتمعةً الأسفارُ البشرية. فهذه القصة العميقة جدا تظهر المدة القصوى التي يمكن أن تعيشها أمتنا وهي نائمة تغط في سبات عميق يتمثّل ذلك في ركود اقتصادها النائم وفي نعاس تعليمها الهائم ويتصوّر في سنة سياساتها الشاخرة وفي غفلة مجالاتها الناخرة حيثُ لا يمكن أن تتعدّى مائة عام وبعدها سيرسل الله تعالى من يحيي لهذه الأمة المجيدة أمر دينها، وكما أحيا الحمار في القصة وهو رمز الجانب المادي الذي يشمل مجالات التنقل عموما قادر سبحانه من باب أولى بأن يحيي أجهزة النقل الحيويّة من طائرات نفّاثة تخرق جوّ السماء وقطارات نافذة تختصر سرعة الوقت وسيارات فارهة تطوي الطريق طيّا. وكما أنه حافظ على أكل النبي ولم يمسه أي أذى وهو ثروته التي إن ضاعت فسيضيع المرء ويهلك فإنه سبحانه قادر بأن يحمي ثروة الأمة رغم أنها نائمة غافية لأن عين الله ترقبها وقدرته تحفظها من كل سوء..
ومهما سرق الأمةَ سارقٌ على حين غفلة من أهلها فلابد في يومٍ من أن تُردَّ الودائعُ فيضعَ أمامها المسروق لأنها أمة منصورة محفوظة مهيبة مهما كانت الظروف والأحوال كما نرى الآن في واقعنا المعيش .
ولذلك جاء الحديث الشريف لمولانا رسول الله يعضّد هذا المقصد القرآني بقوله عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم :”إنّ الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يُجَدِّد لهذه الأمة دينها “. رواه السّخاوي في المقاصد الحسنة بسند صحيح وحكم بصحته الإمام الألباني في السلسلة الصحيحة .

مقاصد إحياء الحمار وحفظ الطعام:
إنّي أرى أن حفظ الطعام دون الحمار الذي بعثه الله بعد موته يدل على أمرين هامين :
حفظ الطعام بما له من دور عظيم في قوام الجسد وتغذيته يرمز لدين الأمّة الغافلة النائمة لذلك جُعِل في الآية الدينُ بمنزلة الطعام، فكلاهما إذا غاب عن حياة الإنسان مات وانقضى أجله، ولذلك حافظ الله عليه في مدة نوم النبي وهو نفس الشيء في حفظه تعالى لدين الأمّة عن الضياع في نومها الذي لن يتعدى مائة عام ثم تنبعث من جديد، فتجد دينها محفوظا بحفظه تعالى وهذا الحفظ استنبطته من قوله تعالى : “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون”.
فلما كان الذكر يشمل نواحي الدين كلها قرآنا وسنة جاز أن يكون حفظ الدين أولى من غيره لأنه بمنزلة طعام الإنسان وقوامه، لذلك حفظهما في كلتا الصورتين واجب شرعي .
وبهذا نعلم سرّ هلاك الحمار دون الطعام لأنه يرمز للجانب المادي في حياة الأمة كالصناعة وغيرها و الذي إن غاب فغيابه لا يقاس أبدا بغياب الدين ولأن غيابه يمكن استدراكه بعد الانبعاث من وهدة تلك النومة العميقة، أما غياب الدين فهو يعني غياب الحضارة وضياع الحياة الدُّنيوية والأخروية .
إنّ حفظ الله تعالى بقدرته للطعام في هذه المدة البعيدة أن يتعفن بغبار أو أذى في غياب صاحبه في نومته هو مثله في حفظه جلّ في علاه للدين أن يتعفن ببكتيرية العلمانيين وجراثيم الإلحاديين والأمة نائمة عنه، فإن نامت فالله يحفظه لها ريثما تقوم من بئر الإهمال والانصراف وهذا واللهِ العظيم من كمال حفظه تعالى ومن باب منّه وكرمه لهذه الأمة .
مسألة ذكر “عام” في الآية الكريمة و”سنة” في الحديث الشريف.
السّنة في عرف أهل اللغة مرادفة للعام إلا أنَّ أهل البلاغة جعلوها رمزا لزمن الجدب والقحط وضيق الحال، لذلك استعملها القرآن الكريم في هذا السياق حيث يقول الله تعالى : ” قال تزرعون سبع سنين دَأَبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون”.
أما العام فهو كما قال البلاغيون اسم يطلق ويراد به السنة أيضا إلا أن بينهما اختلافا دقيقا في الاستعمال، فهو يكون في الخير ويدل على زمن الفرج والفرح، لذلك قال الله تعالى بعد جائحة المجاعة التي عمّت مصر في قصة يوسف عليه السلام :
” ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون “.

استدراك على أهل البلاغة:
للسنة معنى نفيس استدركت به على أهل البلاغة ممن أغفلوا هذه الدرّة فيه وهو أن السنة فيها لغة الجهد والتعب بدون جدوى، ودليلي في هذا ما ساقه الإمام أبو الحجّاج يوسف بن محمد البلوي المالقيّ الأندلسي الملقب بابن الشيخ “ت 604 ه” في كتابه الموسوم بــ “ألف باء في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة”، من أن السنة مشتقة من سنا يسنو بمعنى دار حول البئر، وهنا فَطِنْتُ إلى أنّ الحائم حولها يذهب جهده سُدىً حيث يتعب دون التمتع بمائها .
سنحتاج إلى كلّ هذا التأصيل العلميّ في لفظة عام وسنة لنؤثث به أرضية تفسيرنا المستدرك على تفسير النّدوي، ولكن دعونا أيها الأكارم أن نبرز مسألة وهي أن مدة نوم النبي الكريم حقيقةً هي نفس مدة نوم الأمة مجازا، لكنّ المدة الأولى عُبِّر عنها بزمنية عام والثاني عُبِّر عنها بزمنية سنة، فما الدلالة الخفية هنا في الاستعمال؟!
أرى والله تعالى أعلى وأعلم بمراد كتابه الكريم أن مدّة نوم الأمة لما كان في غير صالحها وصالح أفرادها ونومُها مواتٌ لها وقتلٌ لمواهبها، فستكون كمن يحوم حول البئر السحيقةِ ماؤُها لا يأخذ منها شيئا حتى يُحقِّق أسباب النهوض الحقيقي الذي يتمكَّن بها بعد التوكّل على الله تعالى أن يُدلي بدلاء العزة المتصِلة بحبال الكرامة ليشرب من ماء الحياة، فتنشط بذلك عزيمة الأمة وتنبعث من غفلة نومتها .
من أجل ذلك عندما كان نوم الأمة ناشئا أصلا عن ابتعادها عن منهج ربّها كانت مدة نومها الذي عاشته بمنزلة المأتم لها، فكان التعبير عن ذلك بلفظ سنة في الحديث النبوي الشريف. لكن عندما كان نوم نبيّ الله في منشئه الأصلي نابعا من سؤال شرعيّ عن حكمة قدرة الله في البعث حيث إنّ فيه خيرا له وللمؤمنين جميعا ليعلموا به حكمة الله من قدرته في الخلق، جاء تقدير النوم عليه تمهيدا أوليّا للإجابة العظيمة الربانية لسؤال النبي الكريم الذي تساءل قائلا :” أنى يحيي هذه الله بعد موتها .. ”
وبهذا تكون عملية الإحياء صورة حية عملية على قدرة الله المطلقة، فكل من تساءل مستغربا عن حال أمتنا متى ستنهض من غفلتها؟ متى ستقوم قيامتها الحضارية وتأخذ رقم الصدارة بين الأمم كما كانت من ذي قبل؟ متى سينصلح حالها في جميع المجالات؟
مع العلم أن أمر نهوضها أمام هذه الموانع الكثيرة التي تعيشها دون تحقيقه تجعله شبه مستحيل، يعلم من خلال هذه القصة ومن خلال ما استدركنا به على الإمام الندوي رحمه الله أن من أحيا الحمار وحافظ على الطعام لمدة مائة عام قادر سبحانه أن يرد الأمة إليه ردا جميلا، وسيردد مع نبي الله وكل المؤمنين قوله : “قال أعلم أن الله على كل شيء قدير”.
والله أعلى وأعلم وأعظم وأحكم، وصلِّ اللهمَّ على جدي المصطفي الأمين طِبّ القلوب ودوائها، وعافية الأبدان وشفائها، ونور الأبصار وضيائها، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

عن نصر سيوب

اترك تعليقاً